القاعدة الكلية السابعة (الخراج بالضمان)[1]
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
أولاً: المعنى الإفرادي:
- أما لفظ (الخراج) فالمراد به المنافع المنفصلة التي تحصل من الشيء وهي مستندةٌ إلى سببٍ مشروعٍ، كسكنى الدار، وأجرة الدابة.
- وأما لفظ (بالضمان) فالباء للعوض، والضمان هو: الالتزام بالتعويض وتحمل تبعة الشيء.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن استحقاق المنفعة المنفصلة التي تحصل من الشيء والتي تستند إلى سببٍ مشروعٍ تكون عوضاً عن تحمل تبعة ذلك الشيء من نقصٍ أو هلاكٍ ونحوهما، ومعنى هذا أن استحقاق تلك المنافع يكون لمن يتحمل تلك التبعة، فيكون استحقاق المنفعة في مقابل تحمل التبعة.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
هذه القاعدة دل عليها ما روته عائشةJ أن رجلاً اشترى عبداً فاستغله، ثم ظهر منه على عيبٍ، فخاصم فيه إلى رسول الله ﷺ، فقضى له بردِّه، فقال البائع: يا رسول الله إنه قد أخذ خراجه. فقال رسول الله ﷺ: «الخراج بالضمان»[2].
وهذا الحديث نصٌّ في القاعدة، فقد جعل النبي ﷺ المنفعة التي استفادها المشتري من العبد في مقابل ضمانه له لو تلف عنده أو حدث به نقصٌ.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو اشترى شخصٌ سيارةً، ثم استعملها لعدة أيامٍ أو أجَّرها، وكسب من وراء ذلك مالاً، ثم وجد بها عيباً فأراد ردها للبائع، فإن ما حصل من السيارة من منفعةٍ أو مالٍ لا يحق للبائع المطالبة بعوضٍ عنه؛ لأنه خراجٌ، فيكون للمشتري مقابل ضمانه للسيارة.
2- لو اشترى شخصٌ شقصاً من أحد الشركاء في أرضٍ مشتركةٍ، ثم شفع فيها الشريك الآخر، وكان المشتري قد استغل الشقص - بأن أخذ ثمرته أو أجرته - فهي للمشتري، وليس للشفيع مطالبة المشتري بردها؛ لأنه خراجٌ، فيكون للمشتري مقابل ضمانه للشقص[3].
المسألة الرابعة: شروط إعمال هذه القاعدة[4]:
إعمال هذه القاعدة مقيد بشرطين:
أحدهما: أن تكون المنفعة منفصلة غير متولدةٍ من الأصل. أما لو كانت المنفعة متصلةً كلبن الدابة أو صوفها وثمر الشجر، أو كانت منفصلةً ومتولدةً من الأصل كولد الدابة، فإنها تكون في ملك مالك الأصل المتولدة منه، وخراجها له، دون نظرٍ إلى الضمان وعدمه.
ثانيهما: أن تكون المنفعة مستندةً إلى سبب مشروع، كالشراء مثلاً.
أما لو استندت المنفعة إلى سببٍ غير مشروعٍ كالغصب مثلاً فإنها لا تباح للغاصب، ولا يكون خراجها له، وإنْ كانت من ضمانه، فلو غصب شخصٌ سيارةً وأجَّرها، فإنه يحق لمالكها مطالبة الغاصب بمقابل أجرتها التي أخذها مع أن ضمانها على الغاصب.
القاعدة الكلية الثامنة (الغُرْمُ بالغُنْم)[5]
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
أولاً: المعنى الإفرادي:
- أما لفظ (الغُرْم) فالمراد به ما يلزم المرء من تعويضٍ أو تحملٍ للتبعة.
- وأما لفظ (بالغُنْم) فالباء للعوض، و(الغُنْم) ما يحصل للمرء من المنافع المطلوبة له.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن ما يلزم المرء من تبعات شيءٍ مطلوبٍ له تكون في مقابل حصول منافع ذلك الشيء، حتى إنه لو تعدد من ينتفع بذلك الشيء كانت التبعات عليهم بقدر انتفاعهم.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بما يأتي:
1- قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ ﴾ [البَقَرَة: 233].
ووجه الاستدلال منه في موضعين:
أولهما: أن الله تعالى قد جعل إرضاع الوالدات سواءٌ كن زوجاتٍ أم مطلقاتٍ - وهو غُرمٌ - في مقابل رزقهن وكسوتهن - وهو غُنْمٌ - فدل على أن الغُرْم بالغُنْم.
وثانيهما: أن الله تعالى قد أوجب على وارث الصبي نفقة رضاعته كلٌّ حسب مقدار إرثه منه، وهذا غُرْمٌ، وهو في مقابل إرثهم منه، وهو غُنْمٌ، فدل على أن الغُرْم بالغُنْم.
2- ما ورد عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع في شأن النساء: «ألا إن لكم على نسائكم حقّاً ولنسائكم عليكم حقّاً: فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن»[6].
ووجه الاستدلال منه: أن الحق الذي على الزوجة لزوجها فيما ورد في هذا الحديث يعد غُرْماً، وهو في مقابل غُنْمها بالنفقة عليها والإحسان إليها.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- أن نفقة رد العارية إلى صاحبها - المعير - تجب على المستعير؛ لأنه المنتفع بها، فنفقة الرد هنا غُرْمٌ، والانتفاع غُنمٌ، وقد تقرر أن الغُرْم بالغُنْم.
وعكس هذا نفقة رد الوديعة إلى صاحبها - المودِع - تجب على المودِع نفسه لا على المودَع؛ لأن مصلحة الانتفاع بالوديعة له، فنفقة الرد هنا غُرْمٌ، والانتفاع غُنمٌ، وقد تقرر أن الغُرْم بالغُنْم.
2- أن أجرة كتابة صك عقد المبايعة تكون على المشتري؛ لأنه المنتفع به، حيث إنه توثيقٌ لانتقال الملكية إليه، فأجرة الكتابة هنا غُرْمٌ، والانتفاع غُنمٌ، وقد تقرر أن الغُرْم بالغُنْم.
3- أن نفقة عمارة الدار المشتركة بين شخصين فأكثر تكون عليهم بقدر ملكهم؛ لأن انتفاعهم من الدار بحسب مقدار ملك كلٍّ منهم؛ فنفقة التعمير هنا غُرْمٌ، والانتفاع غُنمٌ، وقد تقرر أن الغُرْم بالغُنْم.
4- لو أن شخصاً غنيّاً له أخٌ فقيرٌ فإن نفقة الأخ القريب الفقير تكون على أخيه الغني؛ لأنه لو مات الفقير لورثه الغني، فالنفقة على الأخ الفقير هنا غُرْمٌ، ومنفعة إرثه لو مات غُنمٌ، وقد تقرر أن الغُرْم بالغُنْم.
5- لو أشرفت سفينةٌ على الغرق، واحتاج ركابها إلى إلقاء بعض الأمتعة، فإن ضمان الأمتعة يكون على جميع الركاب بعدد رؤوسهم؛ لتساويهم في نفع إلقاء الأمتعة، فضمان الأمتعة هنا غُرْمٌ، ومنفعة إلقائها غُنمٌ، وقد تقرر أن الغُرْم بالغُنْم.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة السابعة:
هذه القاعدة تفيد عكس ما أفادته القاعدة السابعة؛ فقاعدة (الخراج بالضمان) أفادت أن المنفعة التي يحصل عليها الشخص تكون في مقابل تحمله تبعات ذلك الشيء، وقاعدة (الغُرْم بالغُنْم) أفادت أن تحمله تبعات الشيء تكون في مقابل ما يحصل منه من منفعةٍ.
ويجدر التنبيه إلى أن هناك تعبيرٌ معاكسٌ لنص قاعدة (الغُرْم بالغُنْم) وهو قولهم (الغُنْم بالغُرْم)، ومعنى هذا اللفظ مرادفٌ لمعنى قاعدة (الخراج بالضمان).
كما أنه قد يذكر بعض العلماء قاعدة (النعمة بقدر النقمة، والنقمة بقدر النعمة)، وهذا اللفظ في جملته الأولى وهي قولنا: (النعمة بقدر النقمة) مرادفٌ لقاعدة (الخراج بالضمان) وقاعدة (الغُنْم بالغُرْم).
وفي جملته الثانية وهي قولنا: (النقمة بقدر النعمة) مرادفٌ لقولنا: (الغُرْم بالغُنْم)[7].
القاعدة الكلية التاسعة (الجواز الشرعي يُنافي الضمان)[8]
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
أولاً: المعنى الإفرادي:
- أما لفظ (الجواز الشرعي) فالمراد به: الإباحة الشرعية لأي تصرفٍ سواءٌ أكان فعلاً أم تركاً.
- ولفظ (الضمان) تقدم أن المراد به: الالتزام بالتعويض وتحمل تبعة الشيء.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن التصرف المباح شرعاً إذا ترتب عليه إتلافٌ فإن هذا الإتلاف لا يكون مضموناً.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بدليلين:
أحدهما -من المعنى، وحاصله-: أن اتصاف الشيء بالجواز في حكم الشرع يمنع من وصفه بالتعدي، وإذا امتنع وصفه بالتعدي امتنع ترتيب الضمان عليه، بدليل أنه لو ثبت وصفه بالتعدي ترتب عليه ثبوت الضمان.
وثانيهما: أنه يمكن أن يُستدل لبعض صور القاعدة وهي الصورة التي يكون الفاعل فيها محسناً بقوله تعالى: ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ۚ ﴾ [التَّوبَة: 91]، ووجه الاستدلال منه: هو ما ذكره الشيخ عبد الرحمن السعدي بقوله: «ويُستدل بهذه الآية على قاعدةٍ، وهي: أن من أحسن على غيره في نفسه أو في ماله ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقصٌ أو تلفٌ أنه غير ضامنٍ؛ لأنه محسنٌ، ولا سبيل على المحسنين»[9].
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- لو حفر شخصٌ حفرةً في ملكه، أو في الطريق العام بإذن ولي الأمر، فسقط فيها إنسانٌ أو حيوانٌ، وحصل له تلفٌ، فإنه لا ضمان على الحافر؛ لأن فعله هذا جائزٌ شرعاً، والجواز الشرعي يُنافي الضمان.
2- لو استأجر شخصٌ سيارةً أو دابةً ليحمل عليها، ثم حمَّلها قدر المعتاد، فتلفت، فإنه لا يضمن؛ لأنه فعل فعلاً جائزاً شرعاً، والجواز الشرعي يُنافي الضمان.
3- لو أن شخصاً كان أجيراً في إصلاح سيارةٍ، فلما طلبها مالكها منه حبسها عنده حتى يعطيه أجرة إصلاحها، فتلفت عنده، فإنه لا يضمن؛ لأنه فعل فعلاً جائزاً شرعاً، والجواز الشرعي يُنافي الضمان.
4- لو أن الملتقط أنفق على العين الملتقطة بأمر القاضي ليرجع بالنفقة على صاحبها، فلما طلبها مالكها منه حبسها عنده حتى يعطيه مقابل نفقته عليها، فتلفت عنده، فإنه لا يضمن؛ لأنه فعل فعلاً جائزاً شرعاً، والجواز الشرعي يُنافي الضمان.
المسألة الرابعة: شروط إعمال هذه القاعدة:
إعمال هذه القاعدة مقيد بشرطين:
أحدهما: أن لا يكون التصرف المباح مقيداً بشرط السلامة.
وثانيهما: أن لا يكون التصرف المباح عبارةً عن إتلاف مال غيره لأجل نفسه، وذلك في حال الضرورة.
وهذا ما نلحظه في جميع الفروع السابقة المذكورة أمثلةً على هذه القاعدة، ومن الأمثلة التي لم يتحقق فيها هذان الشرطان أو أحدهما:
1- لو أتلف شخصٌ شيئاً بمروره في الطريق العام، فإنه يضمنه؛ لأن المرور في الطريق العام وإنْ كان مباحاً شرعاً إلا أنه مقيَّدٌ بشرط السلامة.
2- لو اضطر شخصٌ إلى طعام غيره فأكله، فإنه يضمنه؛ لأن الإتلاف هنا بطريق الأكل وإنْ كان مباحاً شرعاً إلا أنه عبارةٌ عن إتلاف مال غيره لأجل نفسه في حال الضرورة، وقد تقدم أن (الاضطرار لا يُبطل حق الغير).
والشرطان السابقان ذكرهما الشيخ أحمد الزرقا وجمعهما الشيخ مصطفى الزرقا في قيدٍ واحدٍ، فقال: (وهذه القاعدة فيما يظهر مقيدةٌ بأن يكون الجواز الشرعي جوازاً مطلقاً، فلو كان جوازاً مقيداً فإنه لا يُنافي الضمان[10]، ثم اقترح في آخر شرحه للقاعدة أن يكون نص القاعدة: (الجواز الشرعي المطلق يُنافي الضمان))[11].