القاعدة الكلية العاشرة الغارُّ ضامن[1]
الكلام في هذه القاعدة من خلال المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:
- لفظ (الغارُّ): اسم فاعل من غرَّه يغره غروراً، أي خدعه وأطمعه بالباطل، وهو تزيين الخطأ بما يوحي أنه صواب.
- والمراد به هنا: ترغيب الشخص ليتصرف أو يقبل ما لا مصلحة له فيه أو لغيره بوسيلةٍ خاطئة وغيرها، ولو علم حقيقته ما قَبِل به.
- وهناك ألفاظ تقارب معنى التغرير، ويتداولها الفقهاء على ألسنتهم، مثل: التدليس، والغش، والخِلابة، والخداع.
- ولفظ (ضامن) من الضمان، ويرد لغة على معنيين: الكفالة، فمن كفل شيئاً فقد ضمنه، والغرامة، فمن غرم شيئاً فقد ضمنه.
وإذا تأملنا هذين المعنيين وجدنا بين كل منهما إلزاماً والتزاماً، فالغارم يُلزَم بأداء الغرامة فتلزمه، والكفيل يلتزم بما كفل فيلزمه.
وقد استعمل الضمان الفقهاء بالمعنيين اللغويين المتقدمين، إلا أن هناك استعمالاً أوسع وأشمل وهو أن الضمان يعني: المسئولية عن الشيء وتحمل تبعة هلاكه.
ولذلك عرَّفه بعض الفقهاء المعاصرين بانه شغل الذمة بحقٍّ أو بتعويضٍ عن ضرر.
فقولهم: (شغل الذمة) يستوي فيه الإلزام من الشرعي إلى الاعتدائي جزاء المخالفة والالتزام الشخصي بالعقد ونحوه.
وقولهم: (بحق) يشمل حق الشرع كما في جزاء الصيد ونحوه، ويشمل حق الإنسان في مثل الدَّين والكفالة بالمال.
وقولهم: (بتعويضٍ عن ضررٍ) يشمل الأضرار الواقعة على النفس الإنسانية المقدر منها مثل الديات، ويشمل الأضرار المالية مثل العقود، وأيضاً الأضرار المالية في غير دائرة العقود مثل الغصب وغير ذلك.
وهناك ألفاظٌ تقارب معنى الضمان مثل التغريم والعُهدة والتبعة.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن من خدع غيره فرغَّبه في أن يتصرف أو يقبل ما لا مصلحة له فيه أو لغيره بوسيلةٍ خاطئة وغيرها، بحيث إنه لو علم حقيقته ما قَبِل به، فإن الغارَّ يتحمل مسؤولية هذا التصرف منه، ويلزمه تعويض من غرَّه فأضرَّ به.
المسألة الثانية: أقسام التغرير:
ينقسم التغرير باعتبار وسيلته إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التغرير الفعلي، ويُطلق على فعلٍ يقوم به أحد المتعاقدين أو غيرهما لإظهار المعقود عليه على غير حقيقته والإيهام بكمال ذلك الشيء.
ويمثل له الفقهاء قديماً بتصرية الشاة، وهو حبس لبنها في ضرعها حتى يوهم المشتري بأنها تدر الحليب، ومثله طلاء السيارات المستعملة وغيرها بطلاء ليخفي عيوبها، فيوهم الناس أنها جيدة خالية من العيوب، أو استبدال العلامة التجارية الموضوعة على البطاقة الدالة على نوعية البضاعة بنوع آخر، وكان تُخفي المخطوبة صلع رأسها بشعرٍ مستعار، أو تركب عدسات لاصقة على عينها لتوهم بأن لون عينها يختلف عن اللون الحقيقي.
القسم الثاني: التغرير القولي، ويطلق على كل قولٍ يصدر من أحد المتعاقدين أو غيرهما لإظهار المعقود على غير حقيقته، والإيهام بكمال ذلك الشيء، كالإعلان عن مزايا سلعةٍ معينةٍ بأساليب تُرغِّب فيها، فيُقدمُ الشخص ويكون الأمر خلاف ذلك.
ويدخل في ذلك ما يُعرف عند الفقهاء ببيع النَّجَش، وتلقي الركبان، وبيوع الأمانة ونحوها، وكذا أن يخبر أن المنكوحة بكرٌ ونحو ذلك ويكون الأمر خلاف ذلك.
القسم الثالث: التغرير بالكتمان، وهو ما يسمى عند الفقهاء: تدليس العيب.
المسألة الثالثة: شروط الضمان، وأسبابه:
لأجل أن يكون الضمان لازماً لا بد من توافر جملةٍ من الشروط:
الشرط الأول: أن يكون الشيء المضمون مالاً. فلا تُضمن ميتةٌ أو جلدها أو الدم المسفوح وغير ذلك مما ليس بمال.
الشرط الثاني: أن يكون المال المضمون متقوماً في الشريعة. فلا ضمان في إتلاف خمر وخنزير لمسلم وغير ذلك مما لا قيمة له.
الشرط الثالث: أن يكون المال المضمون مملوكاً. لأن ما لا مالك له فهو مباح، ولا يجب الضمان في إتلاف المباحات التي لا يملكها أحد، كالطير في الهواء والسمك في الماء.
الشرط الرابع: أن يكون المال المضمون محترماً، وذلك حتى يصير في وجوب ضمانه فائدة، فلا يجب الضمان على المسلم في إتلاف مال الحربي، ولا على الحربي في إتلاف مال المسلم في دار الحرب.
الشرط الخامس: أن يكون المتلِف أهلاً لوجوب الضمان عليه. فلا ضمان على مالك البهيمة إذا أتلفت مالاً لغيره، إلا إذا تسبب المالك في الإتلاف وفرَّط في حفظها.
الشرط السادس: أن يكون الضرر محققاً على وجه دائم. فلا يجب الضمان بمجرد وقوع الاعتداء، كأن يرمي قدحاً لغيره ولم يصب القدح بشيء، فلا يجب على الرامي شيء لعدم وقوع الضرر، كما أنه لا يجب الضمان إذا وقع ولم يستمر، بحيث رجع الشيء إلى الحالة التي عليها قبل الضرر، كأن عولج المرض أو نبتت سن الحيوان المجني عليه أو نحو ذلك.
ويجدر التنبيه هنا على أنه لا يُشترط في أهلية الضمان البلوغ والعقل والعلم، بل يجب الضمان على غير البالغ وغير العاقل وغير العالم بما إذا كان هذا الشيء مضموناً أم لا.
ولا يشترط العلم بكون المتلَف مالاً للغير، فلو أتلف مالاً على ظن أنه ملكه ثم تبين أنه ملك غيره ضمنه؛ لأن الإتلاف أمر حقيقي لا يتوقف وجوده على العلم، إلا أنه إذا علم بذلك يضمنه ويأثم، وإذا لم يعلم يضمن ولا يأثم؛ لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعاً.
وأما أسباب الضمان، فقد ذكرها العلماء في مواطن مختلفة من كتبهم، إلا أنهم اختلفوا في كيفية تقسيمها، ويمكن إرجاعها إلى أربعة أسباب:
السبب الأول: العقد.
السبب الثاني: وضع اليد.
السبب الثالث: الإتلاف.
السبب الرابع: التغرير. وهو محل الكلام في هذه القاعدة.
المسألة الرابعة: مجال إعمال القاعدة، وشروط إعمالها:
تدخل هذه القاعدة في كثير من أبواب الفقه، فقد يكون التغرير في العقود، وقد يكون في الأفعال، وعلى ذلك تدخل في أكثر أبواب المعاملات، سواء أكانت عقود معاوضة مالية أم عقود معاوضة غير مالية أم عقود إرفاق أم عقود توثيق أم عقود تبرعات كالهبة والصدقة ونحوها، وكذلك تدخل في مسائل الاستحقاق والغصب وأحكامهما، وتدخل مسائل الصلح وأبواب الجنايات والرجوع في الشهادات والأحكام والقضاء والفتوى.
وأما شروط إعمال هذه القاعدة فيمكن حصرها في الآتي:
الشرط الأول: جهل المغرَّر به بالضرر المترتب على التغرير. فإن كان المغرَّر به عالماً بالضرر سقط حقه في المطالبة بالضمان؛ لأن علمه بالتغرير دليل رضاه.
الشرط الثاني: ألا يتمكن المغرَّر به من تدارك الوقوع في التغرير. فإن أمكنه التدارك ولم يفعل سقط حقه في مطالبة الغارِّ بالضمان لتقصيره وعلمه.
الشرط الثالث: أن يتسبب الغارُّ في الضرر على نحوٍ يُضاف إليه. وذلك بأن يكون المغرَّر به في حالٍ يغلب على ظنه في العادة صدق المغرِّر، وقد صدر عنه هذا الفعل نتيجةً عاديةً لما سببه الغارُّ من غرر بالمغرَّر به، أما إذا كان في حال لا يغلب فيها صدقه، ولا يورث عند السماع اطمئناناً فلا رجوع للمغرَّر به على الغارِّ؛ لأنه لا يجب عليه تصديقه، ويكون المغرَّر به غرر بنفسه ولم يغرر به أحد.
الشرط الرابع: ألا يكون المغرَّر به متعدياً بفعله أو مقصراً. فإن كان متعدياً أو مقصراً فإن الفعل يُنسب إليه؛ لأنه مباشرٌ له والغارُّ متسبب، والقاعدة في الإتلاف: إذا اجتمعت المباشرة والتسبب والتغرير قُدمت المباشرة.
وهنا يجدر التنبيه إلى أن بعض العلماء يشترط وجود نية المخادعة والقصد إلى التغرير من الغارِّ، وذلك أنهم يشترطون معرفة الغارِّ بالضرر المتوقع منه.
وجمهور العلماء وأكثرهم على أن التغرير الذي يلزم فيه الضمان لا يُشترط فيه وجود نية المخادعة والتغرير لدى الغارِّ، بل يضمن وإن لم يقصد التغرير، فإن فعل فعلاً أو قال قولاً ظاهره التغرير ولكنه لم يقصده فإنه يضمن، وحتى الغارُّ نفسه قد يكون مخدوعاً أو جاهلاً أو مشتبهاً عليه الموضوع، فالتغرير هنا سبب، والضمان هو النتيجة والحكم، والحكم فقهاً يترتب على السبب دون النظر إلى القصد، فإذا اجتمع مع التغرير القصد فهو آثمٌ مع وجوب الضمان عليه، وإن لم يقصد التغرير فهو ضامن ولا إثم عليه، فالضمان لازم في كلا الحالين.
المسألة الخامسة: الأدلة على القاعدة:
ذكر بعض العلماء لهذه القاعدة جملةً من الأدلة، ومنها:
أولاً: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ ﴾ [النِّسَاء: 29].
ووجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى حرَّم أكل أموال الناس بالباطل إلا إذا كان عن علمٍ وتراضٍ بين المتعاقدين، ولا شك أن التغرير من أكل أموال الناس بدون رضاهم، وقد جعل الله الرضا أساس الحل والحرمة، فمن خدع غيره أو غرر به في التجارة وغيرها يكون بتغريره قد أحدث خللاً في إرادة المغرَّر به، وأعدم رضاه في هذه الحالة، وأخذ ما لا يحل له.
ثانياً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مرَّ على صُبْرَةِ طعامٍ فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، فقال: أصابته السماء يا رسول الله. فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني»[2].
ثالثاً: حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بيَّنه له»[3].
ووجه الاستدلال من الحديثين: ثبوت حرمة التغرير والتدليس وكتمان العيوب، وتوعد من فعل مثل ذلك بالعقاب، ولذا فإن ما ترتب على هذا الأمر المحرم مضمونٌ.
وهناك أدلة على أن التغرير سبب للضمان، إما بضمان الغارِّ ابتداءً، أو برجوع المغرَّر على الغارِّ ما غرم، أو تحمل المسئولية، فالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة يتفقون على أن التغرير سبب الضمان، وإن اختلفوا في بعض صوره وشروطه وأساس مشروعية الضمان بالغرور، ويستدلون على ذلك بأدلة:
أولاً: قوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»[4].
ووجه الاستدلال من الحديث: أنه لو أتلف إنسانٌ مال إنسانٍ أو أصابته غرامة بسبب تغرير الغارِّ له كان ذلك ضرراً لحق به من غير جنايته، ولا بد من رفع الضرر عنه، ورفعه يكون برجوعه على من غرَّه بضمان ما غرَّ به، أو ما تلف من ماله؛ لأن ذلك كان بسبب تغريره.
ثانياً: ما أُثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (أيما رجل تزوج امرأة فدخل بها فوجدها برصاء أو مجنونةً أو مجذومةً فلها الصداق بمسيسه إياها، وهو له على من غره منها)[5].
ووجه الاستدلال من الأثر: أن عمر رضي الله عنه أوجب الصداق للمرأة، وجعل للرجل المغرَّر به حق الرجوع على من غرَّه بها، على مشروعية رجوع المغرَّر به على الغارِّ فيما غرمه أو تلف تحت يده، سواء أكان ذلك في النكاح أم في غيره.
المسألة السادسة: موقف الفقهاء من إعمال القاعدة[6]:
جميع الفقهاء في المذاهب الأربعة يتفقون على أن الغارَّ يضمن في التغرير الفعلي، ويُستثنى من ذلك ما ذُكر عن الشافعية في الخلاف في مسألة اجتماع المباشر والمتسبب، وأن المباشر للإتلاف هو الأولى بالضمان دون المتسبب، واستثنوا منه بعض الصور، إلا أن فقهاء المذاهب الأربعة يتفقون على وقوع التغرير بالقول إذا كان مبنيّاً على شرطٍ أو تضمن عقداً.
وانفرد الحنفية بقولهم: إن التغرير لا يكون إلا في عقد معاوضة. دون بقية المذاهب.
واختلفوا: هل يضمن الغارُّ ابتداءً؟ أو أن المغرَّر به يضمن ابتداءً ثم يرجع على الغارِّ بالضمان؟، والأظهر أنه ينبغي أن يُطالَب الغارُّ ابتداءً، فإن عُدم الغارُّ أو تغيب طولب المغرَّر به ثم يرجع على من غرَّه.
المسألة السابعة: الفروع المبنية على القاعدة:
من هذه الفروع ما يأتي:
1- إذا غرَّ المحيلُ المحالَ وأحاله على غير مليءٍ، والمحيلُ يعلم أنه غير مليء، ورضي المحالُ بالحوالة ولم يشترط ملاءته عليه، ثم تبين له إفلاس المحال عليه، أو أنه محجور عليه، أو عدم ملاءته، فله أن يرجع على المحيل لأجل التغرير.
2- لو قال شخصٌ لآخر: عاملْ فلاناً فإنه مليء، وهو يعلم بأنه غير مليء، ويقول له تغريراً: أنا ضامن. فيخدعه ليُقْدِم على العقد، فإذا وقعت خسارةٌ أو كان ضياعٌ أو هلاك لمال المغرَّر به فإن الغارَّ يضمن في هذه الحالة.
3- لو وجد الزوج في الزوجة عيباً يمنع الوطء بعد الدخول عليها، واختار الزوج فسخ النكاح بعد الدخول، فله أن يرجع بالمهر على من غرَّه، سواء أكان الغارُّ وليَّها أو المرأة نفسها.
4- إذا احتوى الإعلان التجاري على معلوماتٍ كاذبةٍ، فاغتر المشتري وأقدم على الشراء ظانّاً أن ذلك في مصلحته، والواقع خلاف ذلك، كما لو ادعى المعلنُ أن لكل مشترٍ ضمانَ مدته ثلاث سنوات لجميع محتويات السلعة، وبعد إبرام العقد يُفاجأ أن الضمان إنما هو في الصيانة فقط، فله أن يرجع على الشخص المعلن البائع، ويضمن ما ترتب على هذا بحسب صيغة الإعلان المذكورة.
5- لو أفتى المفتي شخصاً بإتلاف شيء، سواء كان مالاً أو نحوه مما تنطبق عليه شروط الضمان السابقة، ثم تبين خطأ المفتي في فتواه، فإن كان المفتي أهلاً للفتوى فلا ضمان عليه، ويكون الضمان على المستفتي، وإن كان المفتي ليس أهلاً للفتوى فإنه يضمن؛ لأنه غرر بالمستفتي.
6- إذا أعطى مركز الوساطة المالية المرخص من الجهات الرسمية معلوماتٍ مضلِّلةً أدت إلى وقوع المغرَّر به في خسارةٍ وضررٍ، فيجوز للمغرَّر به أن يرجع على هذا المركز ويطالب بالضمان، ويلزم المركز ضمان نتيجة هذا التغرير.
القاعدة الكلية الحادية عشرة (لا يجوز لأحدٍ أن يتصرف في ملك الغير بلا إذن)[7]
والكلام على هذه القاعدة في مسائل:
أنه لا يحل لأحدٍ ولا يصح منه أن يتصرف في ملك غيره تصرفاً فعليّاً أو قوليّاً بدون إذنٍ من المالك أو إذنٍ من الشرع، وهذا ما أفاده منطوق القاعدة.
وأما مفهومها فأفاد أن التصرف في ملك الغير بإذنٍ منه سواءً أكان صريحاً أم دلالةً أو بإذنٍ من الشرع يكون مباحاً وصحيحاً.
المسألة الثانية: الدليل على هذه القاعدة:
يمكن أن يُستدل لهذه القاعدة بأدلة الشرع العامة الدالة على اشتراط الرضا في العقود ونحوها، كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ ﴾ [النِّسَاء: 29]، وقوله ﷺ: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»[8].
ووجه الاستدلال من ذلك: أن التصرف العاري من الإذن يعد تصرفاً خالياً من الرضا، وقد دل الدليلان المتقدمان على أن التصرف الخالي من الرضا لا يصح ولا يحل به المال، فيكون التصرف العاري من الإذن غير صحيحٍ.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
أما منطوق القاعدة فمن أمثلته:
1- لو أخذ شخصٌ سيارة غيره بدون إذنه واستعملها، فإن تصرفه لا يجوز، ولذا فإنه يعد غاصباً، فلو تلفت السيارة أو حدث بها عيبٌ فإنه يجب عليه ضمانه.
2- لو باع شخصٌ بيتاً لغيره بدون إذنه، فإن البيع لا يصح إلا إن أجاز المالك، وتكون الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وأما إذا لم يُجزه فإنه لا يصح مطلقاً.
وأما المفهوم المخالف لنص القاعدة فمن أمثلته:
1- لو أذن شخصٌ لآخر أن يبيع سيارته، فقام المأذون له ببيعها، فإن تصرفه صحيحٌ؛ لأنه تصرفٌ مأذونٌ فيه على سبيل التصريح.
2- لو أن شخصاً نزل ضيفاً على آخر، فقام هذا الضيف بالانتفاع ببعض ما يملكه المضيِّف، كالجلوس على بعض فرشه، أو الانتفاع بإضاءة البيت أو بتكييفه، فإن تصرفه جائزٌ؛ لأنها تصرفاتٌ مأذونٌ فيها من قبل المالك عن طريق الدلالة.
3- لو تصرف ولي اليتيم في ماله تصرفاً فيه مصلحةٌ لليتيم، فإن تصرفه يصح وينفذ؛ لأنه تصرفٌ مأذونٌ فيه عن طريق الشرع.