القاعدة الكلية السادسة عشرة (إعمال الكلام أولى من إهماله)[1]
الكلام في هذه القاعدة يشمل المسائل الآتية:
المسألة الأولى: مكانة هذه القاعدة وأهميتها:
هذه القاعدة ذات مكانةٍ عظيمةٍ، يتفرع عنها ما لا يُحصى من الفروع الفقهية، وقد عدها السيوطي قاعدةً عاشرةً من الكتاب الثاني الذي عقده للقواعد الكلية التي يتخرَّج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.
ولم يذكرها علماء القواعد الذين رتَّبوا مؤلفاتهم بحسب شمولية القاعدة والاتفاق عليها ضمن القواعد الكبرى.
والذي يظهر أن هذه القاعدة تقرب من القواعد الكبرى، لما يأتي:
1- أن هذه القاعدة محل اتفاقٍ بين العلماء في الجملة، ويظهر هذا من خلال تفريعاتهم عليها، وتعليلاتهم بها.
2- أن هذه القاعدة تدخل كثيراً غالب أبواب الفقه، وخاصةً ما يكون منها ذو ارتباطٍ بالتصرفات القولية للمكلف.
وتأمل الأمرين السابقين يدلنا على أهمية هذه القاعدة، وكما أن هذه القاعدة تتعلق بأحكام تصرفات المكلَّف القولية كلها، وطرق تصحيحها، فإن لها تعلُّقاً كبيراً بخطابات الشارع من حيث إنه يجب صونها عن الإهمال والإلغاء، ولذا كانت هذه القاعدة ذات تعلقٍ بالأبحاث القرآنية، وأبحاث السنة القولية.
وهذا كله يدلنا على أهمية هذه القاعدة، ومسيس الحاجة إليها في بناء أحكام الفقه.
المسألة الثانية: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من شقين متقابلين أحدهما أرجح من الآخر:
أحدهما: (إعمال الكلام) والمراد به: حمل الكلام على معنًى بحيث يكون له ثمرة.
وثانيهما: (إهمال الكلام) والمراد به: حمل الكلام على معنًى من المعاني بحيث لا يكون له ثمرة.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الكلام إذا أمكن حمله على معنًى من المعاني بحيث يكون له ثمرة، كما أنه أمكن حمله على معنًى من المعاني بحيث لا يكون له ثمرة، فإن حمله على المعنى الذي له ثمرة أولى من حمله على المعنى الذي لا ثمرة له.
المسألة الثالثة: الدليل على هذه القاعدة:
هذه القاعدة يُمكن أن يُستدل لها بدليلٍ عقليٍّ حاصله: أن إهمال الكلام يؤدي إلى أن يكون الكلام لغواً لا فائدة فيه، وكلام العاقل يُصان عن اللغو ما أمكن ذلك، وصون الكلام عن اللغو يحصل بإعمال الكلام واجتناب إهماله.
المسألة الرابعة: القواعد المتفرِّعة عن هذه القاعدة:
تفرَّع عن هذه القاعدة عددٌ من القواعد التي يرسم لنا كلٌّ منها منهجاً من مناهج إعمال الكلام واجتناب إهماله، ومن هذه القواعد:
القاعدة الأولى (الأصل في الكلام الحقيقة)[2]
وهذه القاعدة تشتمل على المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة فيها لفظٌ واحدٌ يحتاج إلى البيان، وهو:
- لفظ (الحقيقة) والمراد به: اللفظ المستعمل في المعنى الذي وُضع له في أصل اللغة.
ويُقابل الحقيقةَ المجازُ، والمراد به: اللفظ المستعمل في غير المعنى الذي وُضع له في أصل اللغة لعلاقةٍ مع وجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الأصلي.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الراجح أو الغالب في الكلام إذا تردد بين الحقيقة والمجاز أن يُحمل على الحقيقة؛ لأن المعنى الحقيقي أصلٌ والمجاز بدلٌ، والأصل يُقدَّم ويُرجَّح على البدل.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:
1- لو قال شخصٌ لآخر: وهبتك هذا الشيء، ثم إنه بعد ذلك طالبه بقيمته بحجة أنه أراد بلفظ الهبة البيعَ، فإنه لا يقبل منه ذلك، ويُحمل مراده على الهبة؛ لأن الهبة حقيقةٌ فيما كان بغير عوضٍ، والأصل في الكلام الحقيقة.
2- لو وقف شخصٌ شيئاً على أولاده، فإن البنات يدخلن مع الأبناء في هذا الوقف؛ لأن لفظ (الولد) حقيقةٌ في الأبناء والبنات معاً، وقصر لفظ (الولد) على الأبناء فقط مجازٌ، والأصل في الكلام الحقيقة.
3- لو حلف شخصٌ أن لا يبيع شيئاً، ثم إنه وكَّل من باعه عنه، فإنه لا يحنث في يمينه؛ لأن حلفه حقيقةٌ في فعل نفسه، وهو لم يفعل بنفسه، والأصل في الكلام الحقيقة.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله:
هذه القاعدة ترسم لنا منهجاً من مناهج إعمال الكلام؛ وذلك إن إعمال الكلام إذا كان ممكناً على وجه الحقيقة وعلى وجه المجاز فإن الراجح إعماله على وجه الحقيقة؛ لما تقدم في معنى القاعدة الإجمالي.
هذه القاعدة فرَّعها بعضهم على قاعدة (إعمال الكلام أولى من إهماله) وتقدم في المسألة السابقة وجه تفريعها عليها، وفرَّعها بعضهم - كالسيوطي وابن نجيم - على قاعدة (اليقين لا يزول بالشك)، ووجه تفريعها عليها: أن إرادة المعنى الحقيقي في كلام المتكلم أمرٌ متيقنٌ؛ لكونه هو الراجح والمتبادر إلى الذهن، وإرادة المعنى المجازي في الكلام أمرٌ مشكوكٌ فيه؛ لكونه غير متبادرٍ إلى الذهن، والحمل على اليقين أولى؛ لأن اليقين أقوى من الشك[3].
القاعدة الثانية (إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز)[4]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أن الكلام إذا دار بين الحقيقة والمجاز، ولم يمكن حمله على حقيقته لأي سببٍ من الأسباب، فإنه يُحمل على مجازه؛ لأن المجاز حينئذٍ يتعيَّن طريقاً لإعمال الكلام واجتناب إهماله.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على هذه القاعدة:
الفروع الفقهية المبنية على هذه القاعدة يُمكن ذكرها من خلال ذكر أوجه تعذر الحقيقة، وهي ثلاثة أوجهٍ:
الوجه الأول: التعذر الحقيقي، وهذا الوجه له صورتان:
الصورة الأولى: أن تكون إرادة المعنى الحقيقي ممتنعةً:
ومثالها: ما لو وقف شخصٌ شيئاً على (أولاده)، ثم لما نظرنا بعد ذلك لم نجد له أولاداً، ولكن وجدنا له أولاد أولادٍ، فإن الوقف يكون لهم؛ لأن لفظ (الولد) حقيقةٌ في الولد المباشر، ومجازٌ في الولد غير المباشر، وقد امتنع هنا حمل الكلام على معناه الحقيقي؛ لعدم وجود أولادٍ مباشرين لهذا الشخص، فيُحمل اللفظ على مجازه؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
الصورة الثانية: أن تكون إرادة المعنى الحقيقي ممكنةً، ولكن بمشقةٍ:
ومثالها: ما لو حلف شخصٌ على الأكل من هذه الشجرة، فإن ذلك حقيقةٌ في الأكل من خشبها وأوراقها، وهذا ممكنٌ ولكن بمشقةٍ، لذلك فهو في حكم الممتنع حقيقةً، فيُصار إلى المجاز، وهو الثمر، فلا يحنث هذا الشخص إلا إذا أكل من ثمر هذه الشجرة؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
الوجه الثاني: التعذر العرفي، وذلك بأن يكون العرف هو الذي أدى إلى هجران الحقيقة، فيُحمل الكلام حينئذٍ على المجاز، ومثاله: ما لو حلف شخصٌ أن لا يضع قدمه في دار فلانٍ، فإن ذلك حقيقةٌ في وضع الجزء المعروف من الجسد فقط، ومجازٌ في الدخول عليه في بيته، وقد دل العرف على عدم إرادة هذا المعنى الحقيقي، فيُحمل الكلام على مجازه، ولا يحنث هذا الشخص إلا إذا دخل البيت؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
الوجه الثالث: التعذر الشرعي، وذلك بأن يكون الشرع هو الذي أدى إلى هجران الحقيقة، ومثاله: ما لو وكَّل شخصٌ شخصاً آخر بالخصومة، فإن الخصومة حقيقةٌ في المنازعة، ومجازٌ في المرافعة عن هذا الشخص عند القاضي في دعوًى ما، وقد دلَّ الشرع على عدم إرادة المعنى الحقيقي؛ لأن الشرع قد منع من المنازعة، فيُحمل الكلام على مجازه، ويكون هذا الشخص وكيلاً له في المرافعة؛ لأنه إذا تعذرت الحقيقة يُصار إلى المجاز.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بقاعدة إعمال الكلام أولى من إهماله:
هذه القاعدة ترسم لنا منهجاً آخر من مناهج إعمال الكلام واجتناب إهماله؛ وذلك بالانتقال من الحقيقة إلى المجاز عند تعذر الحقيقة.