حجم الخط:

محتوى الدرس (39)

القاعدة الكلية السابعة عشرة (الساقط لا يعود)[1]

هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من لفظين، وهما:

- لفظ (الساقط) وهو صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ تقديره: الحكم أو التصرف الذي تم. وإسقاطه يكون إما بإسقاط المكلف، وإما بالإسقاط الشرعي.

- ولفظ (لا يعود) يراد به: أنه يُصبح كالمعدوم الذي لا سبيل إلى إعادته، ولذلك عبَّر بعضهم عن القاعدة بقوله: (الساقط لا يعود كما أن المعدوم لا يعود)[2].

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أنه إذا سقط حقٌّ بإسقاط صاحبه له صراحةً أو دلالةً، أو بإسقاط الشرع له، فإنه يُصبح كالمعدوم، فلا يتمكن من إرجاعه.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: ما يجري فيه الإسقاط:

الإسقاط يجري في الحقوق الخالصة للعباد بشرط كونها حقوقاً اختيارية، وذلك كحق الخيار، وحق الشفعة، وحق الدعوى، ونحوها.

ومعنى هذا أن الإسقاط لا يجري فيما يأتي:

1- الأعيان؛ لأنه لا يُتصوَّر إسقاطها.

2- الحقوق التي تنتقل جبراً إلى العبد، كحق الإرث.

3- الحقوق الخالصة لله تعالى؛ لأنها لا تقبل الإسقاط من العبد، وذلك كالحق في حد الزنا، وحد السرقة ونحوهما، فهذه لا تقبل الإسقاط بعفو ولي المزني بها، ولا بعفو صاحب المال.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو باع شخصٌ سلعةً بثمنٍ حالٍّ، فإنه يحق للبائع حبس المبيع حتى يقبض جميع الثمن، لكن لو أن البائع سلَّم المشتري المبيعَ قبل قبض الثمن، ثم أراد أن يسترد المبيع ليحبسه عنده حتى يقبض الثمن، فإنه لا يحق له ذلك؛ لأنه قد أسقط حقه في الحبس بتسليم المبيع إلى المشتري، والساقط لا يعود.

2- لو أن الشفيع قد أسقط حقه في الشفعة، فإنه ليس له الحق في المطالبة بها بعد ذلك؛ لأنه قد أسقط حقه فيها، والساقط لا يعود.

القاعدة الكلية الثامنة عشرة (تبدل سبب الملك قائمٌ مقام تبدل الذات)[3]

هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى:

من العلماء من يذكر هذه القاعدة ويذكر قاعدةً أخرى تتفق معها في المعنى وإنِ اختلفت في اللفظ، وهي قولهم: (اختلاف الأسباب بمنزلة اختلاف الأعيان)[4]، فقولهم: (اختلاف الأسباب) بمعنى: (تبدل سبب الملك)، وقولهم: (بمنزلة اختلاف الأعيان) بمعنى: (قائمٌ مقام تبدل الذات).

Adobe Systemsالمسألة الثانية: معنى القاعدة:

أن تغيُّر سبب تملك الإنسان لشيءٍ يُنزَّل منزلة تغيُّر ذات ذلك الشيء، فتُعطى ذات الشيء حكماً غير حكمها الثابت لها أولاً.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: دليل هذه القاعدة:

هذه القاعدة دلَّ عليها ما ورد أن بريرةJ أهدت عائشةJ لحماً، فقال رسول الله ﷺ: «لو صنعتم لنا من هذا اللحم» قالت عائشة: تُصدِّق به على بريرة، فقال ﷺ: «هو لها صدقةٌ، ولنا هديةٌ»[5].

ووجه الدلالة منه: أن من المعلوم أن النبي ﷺ تحرم عليه الصدقة، واللحم الذي تُصدِّق به على بريرة لم تتغير ذاته، لكن النبي ﷺ أقام تبدل سبب الملك من الصدقة إلى الهدية مقام تبدل ذات اللحم.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على هذه القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة عددٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو أن شخصاً فقيراً دُفعت إليه زكاة مالٍ، ثم إنه أهدى ما حصل عليه إلى شخصٍ غنيٍّ، فإن هذا جائزٌ وصحيحٌ؛ لأن سبب الملك قد تبدَّل في حقه من كونه زكاةً إلى أن صار هديةً، وتبدل سبب الملك قائم مقام تبدل الذات.

2- لو أن شخصاً تصدق على قريبٍ له أو أعطاه زكاة ماله، ثم إن المتصدق عليه مات بعد ذلك، وعاد المال إلى الشخص المتصدِّق بطريق الميراث، فإنه يملكه وإن كان هو عين ما بذله أو دفعه؛ لأن سبب الملك قد تبدل في حقه، وتبدل سبب الملك قائمٌ مقام تبدل الذات.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: شروط إعمال هذه القاعدة:

هذه القاعدة مقيَّدة في إعمالها بشرطين:

الشرط الأول: أن لا يحصل المقصود مع اختلاف الأسباب؛ لأنه إذا حصل المقصود لم يعد لاختلاف الأسباب أثرٌ حتى يُنزَّل اختلافها منزلة اختلاف الأعيان، ويحدث عدم حصول المقصود عندما يتغير العاقدان لهذه الأسباب المختلفة، أما لو لم يتغيِّر العاقدان، بل هما العاقدان للأسباب المختلفة، فإن اختلاف الأسباب لا يُنزَّل منزلة اختلاف الأعيان، ولا يُبالى باختلاف الأسباب بعد ذلك، ولذلك ذكر بعض العلماء قاعدةً تفيد هذا القيد، وهو قوله: (لا يُبالى باختلاف الأسباب عند سلامة المقصود)[6]، ومثال هذا: لو أن المرأة قبضت نصف مهرها، فوهبت هذا النصف مع النصف الذي لم تقبضه بعدُ إلى زوجها، ثم إن زوجها طلقها قبل الدخول، فإن الأصل أن يسترد الزوج نصف ما دفعه لزوجته؛ لكونه طلقها قبل الدخول مع فرض المهر، ولكنه هنا لا يرجع عليها بشيءٍ؛ لأن المقصود هنا قد حصل باسترجاعه بطريق الهبة، فإنه قد سلم للزوج عين ما دفعه.

ولا يُقال إن اختلاف سبب استحقاق هذا المال من كونه طلاقاً قبل الدخول إلى أن يكون هبةً يُنزّل منزلة اختلاف الأعيان؛ لأنه قد حصل المقصود مع عدم تغيُّر العاقدين للأسباب المختلفة[7].

الشرط الثاني: أن يكون السبب المتبدل مشروعاً في الأصل، ومعنى هذا أنه لو لم يكن السبب مشروعاً ثم تبدل إلى سببٍ مشروعٍ فإن تبدله لا يكون قائماً مقام تبدل الذات، ومن أمثلة هذا:

1- أنه لو سرق شخصٌ مال شخصٍ آخر، ثم وهبه أو باعه لشخصٍ آخر، فإن تبدل السبب هنا من كونه سرقةً إلى كونه هبةً أو بيعاً لا يقوم مقام تبدل ذات الشيء، بل يبقى الشيء موصوفاً بأنه مسروقٌ.

2- أنه لو نسخ شخصٌ برامج الحاسب الآلي بدون إذن منتجها، ثم باعها على الناس، فإن تبدل السبب هنا من كونه نسخاً بدون إذنٍ إلى كونه بيعاً لا يقوم مقام تبدل ذات الشيء، بل يبقى البرنامج موصوفاً بأنه منسوخٌ بدون إذن منتجه.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة