حجم الخط:

محتوى الدرس (41)

القاعدة الكلية الثانية والعشرون (إذا اجتمع الحلال والحرام غُلّب الحرام)[1]

هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:

- لفظ (الحلال) والمراد به المباح الذي أذن الشرع في فعله، ولم يرد أمر بحظره.

أو هو ما ليس بممنوعٍ منعاً باتّاً بدليل شرعي، وبهذا الاستعمال يكون أعمَّ من المباح.

- ولفظ (الحرام) يعني ما نهى عنه الشرع نهياً جازماً.

والحلال والحرام لفظان متقابلان في هذه القاعدة.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

إذا تعارض في المسألة وجهان: وجه إباحةٍ ووجه تحريمٍ، إما في أصل مأخذ المسألة كتعارض الأدلة الشرعية، وإما في تطبيق صورة الحادثة بما تقرر في الشريعة من حكمي الإباحة والتحريم، فيُقدم الترك على الفعل، والأخذ بما لا اشتباه فيه على ما فيه اشتباه.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الأدلة على القاعدة:

دلَّ على هذه القاعدة جملةٌ من نصوص السنة، ومنها:

الدليل الأول: قول الرسول ﷺ في الحديث: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه»[2].

ووجه الاستدلال من الحديث: أن ما ليس بواضح الحل والحرمة مما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني، بحيث بعضه يعضده دليل التحريم، وبعضه يعضده دليل التحليل، ففي هذه الحال يُصار إلى الاحتياط، والاحتياط هنا تغليب جانب الحرمة باجتناب الفعل، ولذلك قال: (وبينهما مشتبهات)، فحينئذٍ الأَولى اتقاء الشبهات استبراءً للدين والعرض.

الدليل الثاني: قول الرسول ﷺ: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك»[3].

ووجه الاستدلال من الحديث: أنه في حال اجتماع الحلال والحرام والتباسهما يقع المسلم في الريبة والشك والاشتباه، وقد أرشد النبي ﷺ إلى المخرج في هذه الحالة، وهو ترك الفعل، مما يدل على أنه إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام.

الدليل الثالث: أن ترك الفعل خشية الوقوع في المحرم عند الاشتباه ما بين الحلال والحرام يندرج تحت مبدأ درء المفاسد الذي تقرر أنه أولى من جلب المصالح.

الدليل الرابع: أن من المتقرر شرعاً أن العمل بالاحتياط واجبٌ في حال الاشتباه، وأن الاشتباه يعمل عمل الحقيقة فيما يُبنى على الاحتياط، ولذا فالاحتياط عند اشتباه الحلال بالحرام أن يترك الفعل، وكأن الحرام هو المتحقق هنا.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: مجال إعمال القاعدة:

هذه القاعدة ليست على إطلاقها، وإنما مجال إعمالها عند اجتماع الحلال والحرام في شيءٍ واحد، بحيث يشتبه الأمر ويعسر ترجيح أحدهما على الآخر، والاشتباه هو الالتباس في أحد الأمور وعدم الاتضاح، كعدم تيقن كون الشيء حلالاً أو حراماً.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: أسباب الاشتباه في الحلال والحرام:

من خلال استقراء واقع أحكام الشرع يتقرر أن للاشتباه في الحلال والحرام أسباباً محددةً، يمكن عرضها فيما يأتي:

السبب الأول: تعارض الأدلة.

فإذا عرضت للمجتهد قضية فإنه ينظر في الأدلة الشرعية الواردة فيها، فقد تكون متفقة الدلالة على الحكم فيحكم بموجبها، وقد تكون مختلفة الدلالة على الحكم، فبعضها يفيد التحليل، وبعضها يفيد التحريم، ولما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن أن يكون هناك تعارضٌ بين الأدلة عندهم، والتعارض بين الأدلة ظاهريٌّ وليس حقيقيّاً، فإذا حصل التعارض عند المجتهد وقع في الاشتباه، ويؤمر في هذه الحالة أن يأخذ بجانب الاحتياط في الفتوى، وذلك هو جانب ترك الفعل، باعتبار وجود الاشتباه أو التعارض بين الأدلة.

السبب الثاني: الاختلاف في التطبيق وإنزال الحكم على الحوادث.

وذلك أن إلحاق الحوادث بالأحكام العامة المجردة يحتاج إلى اجتهادٍ في تحقيق مناط الحكم العام المجرد، في الواقعة، وهو مما تختلف فيه وجهات النظر بين العلماء، ويترتب عليه اشتباه محل الحكم.

قال بعض أهل العلم: (ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه، وإنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وتطبيقها على جزئيات الوقائع، وهو عسيرٌ؛ فتجد الرجل يحفظ كثيراً من العلم، ويفهم ويعلِّم غيره، وإذا سُئِل عن واقعةٍ ببعض العوام من مسائل الأيْمَان ونحوها لا يُحْسِن الجواب عنها، وللشيوخِ في ذلك حكايات)[4].

ومما يدخل في هذا السبب: الاشتباه في الصفات التي تُناط بها الأحكام؛ حيث إن بعضها يوجب التحليل، وبعضها يوجب التحريم، ولا يستطيع الناظر أن يرجح، بل تستوي عنده الصفات المؤدية إلى التحريم والصفات المؤدية إلى التحليل، فيقع الاشتباه في الحكم، وحينئذٍ يأتي مجال إعمال هذه القاعدة، ويقال بتغليب الحرام على الحلال.

السبب الثالث: اختلاط الحلال بالحرام.

قد يحصل أن يختلط الشيء الحلال بالشيء المحرَّم على وجه يعسر التمييز فيه بين كلٍّ منهما، كما إذا خالطت النجاسة الماء القليل ولم تُغَير النجاسة أحد أوصافه من الطعم واللون والرائحة، وكما لو أُضيفت قطرات من خمر إلى الطعام أو الشراب، أو أضيفت الأنفحة النجسة إلى اللبن بقصد تصنيع الأجبان، أو اختلطت شاة ميتة بعشر شياه - مثلاً - مذكيات، أو اختلطت رضيعة محرَّمة على شخص يريد الزواج بنسوة مدينة من المدن، فهذا مما يكون فيه اختلاط للحلال بالحرام على وجه يعسر التمييز فيه، وفي هذه الحالة يقال بتغليب جانب الحرام، والأخذ بجانب الاحتياط، وتجنب الفعل.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: شروط إعمال القاعدة:

لما كان مجال إعمال القاعدة محدداً وليس مطلقاً فإنه يشترط لإعمالها شروطٌ، هي:

الشرط الأول: أن يعجز المكلف عن إزالة الاشتباه في المسألة.

وحينئذٍ يأخذ بجانب التحريم، ويترك جانب الإباحة، فإن على المسلم أن يبذل ما في وسعه لإزالة ذلك الاشتباه، وكل عالم يلزمه الاجتهاد في إزالة ذلك الاشتباه في إطار قواعد أصول الفقه، وإذا كان عاميّاً سأل أهل العلم، ولا يجوز له سلوك سبيل الإباحة أو التحريم من غير تقليدٍ لأحد المجتهدين أو سؤال أحد العلماء المجتهدين، كما لا يجوز للعالم المجتهد أن يسلك سبيل الإباحة أو التحريم من غير اجتهاد مبني على أدلته وضوابطه.

الشرط الثاني: أن يتساوى الحلال والحرام تساوياً تامّاً.

وذلك أنه إذا ترجح أحدهما على الآخر فيُغلَّب جانب الراجح منهما، فإذا اجتمع حلالٌ وحرامٌ وكان الغالب هو جانب الحلال فيُعمل بالحلال، وإذا كان الغالب هو جانب الحرام فيُعمل بجانب الحرام، أما إذا تساوى الحلال والحرام فيُرجح جانب التحريم، كما نصت عليه هذه القاعدة.

الشرط الثالث: أن يكون الحلال متعلقاً بالمباحات وليس بالواجبات.

وذلك أنه إذا تعلق الحلال بالواجبات، كأن يختلف أو يلتبس أو يشتبه واجبٌ بمحرَّم، فإنه يُغلب جانب الواجب على المحرم، كما إذا اختلطت جثث موتى المسلمين بجثث الكفار، فإنه يجب تغسيل الجميع والصلاة عليهم، ولا تُترك جثث المسلمين بحجة اختلاطها بجثث الكفار وعسر التمييز بينها.

وكذلك إذا اختلط الشهداء بغيرهم، فإنه يُغسل الجميع ويصلي الإمام عليهم، مع أن الشهيد لا يُغسل، لكن في هذه الحالة يُغسَّل الجميع ويصلى عليهم؛ لاختلاط الواجب بالمحرم، وهنا يُغلَّب جانب الواجب.

Adobe Systemsالمسألة السادسة: الفروع المبنية على القاعدة:

ومن هذه الفروع ما يأتي:

1- لو وُجدت ذبيحةٌ ذكاها مسلمٌ ومجوسيٌّ معاً، فإنه يحرم على المسلم أكل هذه الذبيحة؛ لأنه قد اجتمع الحلال والحرام هنا، وعسر التمييز بين الحلال والحرام، فيُغلَّب جانب الحرام.

2- لو وجدت شجرة بين الحل والحرم، واشتُبه في دخولها فيه أو خروجها منه، ومعلومٌ أنه يحرم قطع شجر الحرم، فيحرم قطعها؛ لأنه اجتمع الحلال والحرام وعسر التمييز بينهما، فيُغلَّب جانب الحرام.

3- لو اشتبهت امرأة على شخص: هل هي محرَّمةٌ عليه، أو أجنبيةٌ عنه؛ بحيث يجوز له نكاحها؟ فإنه يحرم عليه نكاحها في هذه الحال؛ لأنه قد التبس عليه حلها وتحريمها، فيُغلَّب جانب التحريم.

4- لو تولد حيوانٌ من حيوانين مباحٍ ومحرَّمٍ، فإنه يحرم أكل ذلك الحيوان المتولد؛ تغليباً لجانب الحرمة على جانب الحلال.

5- لو اختلطت دراهم حلال بدراهمَ حرام، وعسر التمييز بينها، فإنه يجب ترك الانتفاع بهذه الدراهم، تغليباً لجانب الحرام على جانب الحلال.

6- لو وُجدت شركةٌ تستثمر استثماراتٍ مباحةٍ واستثماراتٍ محرمةٍ، فإنه يجب ترك المساهمة فيها، تغليباً لجانب الحرام فيها على جانب الحلال.

القاعدة الكلية الثالثة والعشرون (وسائل الحرام حرام)[5]

هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي لفظ (الوسائل): وهو جمع وسيلة، وهي الطريقة المُفضية والمؤدية إلى الحرام.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن الطرق المؤدية والمُفضية إلى المحرَّم تُعطى حكم الحرام نفسه، فتكون منهيّاً عن الإقدام عليها، كما أن الحرام منهيٌّ عن الإقدام عليه.

وهذه القاعدة جزءٌ من قاعدة: (للوسائل أحكام المقاصد)، فإذا كان عندنا فعلٌ محرَّم، ولدينا وسيلة يمكن أن تُفضي إلى هذا الفعل المحرم، فإن هذه الوسيلة تكون محرَّمةً، كما أن الفعل ذاته محرَّمٌ.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الدليل على القاعدة:

دل على هذه القاعدة أدلة من القرآن والسنة يتقرر من جملتها أن وسائل الحرام حرام، وأن الشرع إذا حرم شيئاً حرم وسيلته، حتى أصبحت هذه قاعدةً متقررةً.

فمن أدلة القرآن ما يأتي:

أولاً: قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ [الأنعَام: 108].

ووجه الاستدلال من الآية: أن الله حرَّم على المسلمين سب آلهة المشركين - مع ما في سبها من مصلحة التشفي ونحوه- لكون ذلك وسيلةً وذريعةً إلى سب المشركين لله تعالى.

ثانياً: تحريم الجمع بين الأختين في قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ [النِّسَاء: 23].

ووجه الاستدلال: أن الله تعالى قد حرَّم الجمع بين الأختين؛ إذ إنه وسيلةٌ إلى قطع الأرحام المحرمة لذاتها.

ومن أدلة السنة ما يأتي:

أولاً: منع النبي ﷺ المقرِض من قبول الهدية من المدين المقترض، إلا أن يحسبها من دينه[6].

ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد حرَّم على المقرِض أخذ الهدية من المدين المقترض؛ لكون ذلك وسيلةً إلى تأجيل الدين لأجل الهدية، فيكون ذلك من الربا؛ لأن كل قرض جر نفعاً فهو ربا.

ثانياً: قوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدةٍ يُشرب عليها الخمر» أو «يُدار عليها الخمر»[7].

ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ نهى عن الجلوس في مجلس يُشرب أو يُدار فيه الخمر؛ لأن ذلك وسيلةً إلى أن يشرب الجالس الخمر مع الجالسين، مما يدل على أن وسيلة الحرام حرام.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: أحوال وسائل الحرام:

وسائل الحرام لا تخلو من أحوال، ومعنى ذلك أنه ليست كل وسيلة تؤدي إلى الحرام تكون حراماً، فبعض الوسائل قد تكون حراماً قطعاً، وبعضها قد لا يكون حراماً، وقد تكون محل اجتهاد، فكان لهذه الوسائل ثلاث حالاتٍ[8]:

الحالة الأولى: أن تؤدي الوسيلة إلى الحرام قطعاً.

وذلك كشخصٍ يحفر الآبار والحُفَر في طرق المسلمين دون إذن من ولي الأمر أو صاحب القرار في ذلك، ودون وضع علاماتٍ تدل على هذه الحفر، فإنه يعد وسيلةً إلى إيذاء المسلمين قطعاً، فيحرم هذا الفعل لأن الضرر المترتب عليه مقطوع به.

الحالة الثانية: أن تؤدي الوسيلة إلى الحرام غالباً.

وذلك كبيع السلاح في وقت الفتنة، فإنه وسيلة لإيقاد الحرب بين أهل الإسلام، أو بيع العنب لمن يغلب على الظن أنه سيتخذ منه خمراً، فهذا وسيلة لتصنيع الخمر، والفعل محرم في مثل هذه الحالة؛ لأن العمل بغلبة الظن واجب شرعاً، والغالب معمول به، مثله مثل المقطوع به، والظن في الأحكام العملية يجري مجرى القطع.

الحالة الثالثة: أن تؤدي الوسيلة إلى الحرام نادراً.

وذلك كحفر الحفر والآبار في طريقٍ يغلب على الظن أنه لا يمر فيه أحد، مع عدم وضع علامات تدل على الحفرة، وكذا بيع العنب لمن يمكن أن يعصر منه خمراً، ولكن لا يغلب على الظن ذلك، ففي هذه الحال تبقى الوسيلة على أصل المشروعية وغير محرمة؛ لأن هذه الوسيلة تؤدي إلى الحرام نادراً، لا قطعاً أو غالباً، ومعلوم في الشرع أن النادر غير معتبرٍ ولا حكم له.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: صلة هذه القاعدة بقاعدة سد الذرائع:

قاعدة (وسائل الحرام حرام) تدخل تحت قاعدة (للوسائل أحكام المقاصد) وتدخل مباحثها تحت ما يعرف شرعاً بسد الذرائع، ومن المعلوم أن سد الذرائع دليلٌ يَرِد ذكره ضمن الأدلة المختلف فيها في أصول الفقه، واختلفت في ذلك أنظار العلماء من جهة تضييق وتوسيع العمل به، مع اتفاقهم على مبدأ العمل بسد الذرائع[9]، إلا أنه ينبغي أن ننبه أن سبب الاختلاف في تطبيقات سد الذرائع يعود إلى اختلاف أنظار العلماء واجتهاداتهم في تقدير إفضاء الوسيلة إلى المحرم.

ففي حين يرى بعضهم أن هذه الوسيلة تُفضي إلى الحرام غالباً قد يرى البعض الآخر أن هذه الوسيلة تُفضي إلى الحرام نادراً، فتختلف أنظارهم، وحينئذٍ هل نقول بحرمتها عملاً بمبدأ سد الذرائع؟ أو لا نقول بحرمتها فلا تندرج تحت المبدأ؟

فإدراك هذه العلاقة مهمٌّ جدّاً في استيضاح سبب اختلاف العلماء في توسيع أو تضييق العمل بمبدأ سد الذرائع.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة