حجم الخط:

محتوى الدرس (44)

القاعدة الكلية التاسعة والعشرون (المغلوب المستهلَك كالمعدوم)[1]

هذه القاعدة تكرر ذكرها في كتب الفقه في مقام التعليل لجملةٍ من الفروع الفقهية، ولم ترد في كتب القواعد الفقهية باعتبارها قاعدةً إلا في بعضٍ منها؛ حيث أوردها المقري وابن رجب.

والقاعدة لها تطبيقاتٌ قديمةٌ ومعاصرةٌ وخاصةً في مجالي الغذاء والدواء، وقد تعددت ألفاظ العلماء في التعبير عن هذه القاعدة، فذُكرت بهذا اللفظ الذي أوردناها به، ووردت بلفظ: (العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها، فهل هي كالمعدومة حكماً، أو لا؟)، ووردت بلفظ: (المستهلك في الشيء يصير وجوده كعدمه)، ووردت بلفظ: (المغلوب في حكم المستهلك)، ووردت بلفظ: (استهلاك العين يُسقط اعتبار الأجزاء عند مالك والنعمان، وقال محمد وعبد الملك: لا يُسقط)، ووردت بلفظ: (المخالط المغلوب: قال مالك والنعمان: تنقلب عينه إلى عين الذي خالطه، وقال محمدٌ: يخفى عن الحس ولا ينقلب).

والكلام على هذه القاعدة سيكون في المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكونة من ثلاثة ألفاظٍ إليك بيان معناها:

- فأما لفظ (المغلوب) فهو اسم مفعولٍ من (غلب)، وهذه المادة أصلٌ صحيحٌ يدل على القوة والقهر والشدة، فالمغلوب هو المقهور.

- ولفظ (المستهلَك) اسم مفعولٍ من (استهلك)، ومادته (هلك)، ومعناها الكسر والسقوط، والاستهلاك هنا يراد به ذهاب لون وطعم ورائحة العين المستهلكة إذا خالطت غيرها، فلا يبقى لها أثرٌ.

- ولفظ (المعدوم) اسم مفعولٍ من (عدم)، وهذه المادة معناها فقدان الشيء وذهابه، فيكون المراد بالمعدوم المضمحل المفقود الذي ليس له أثر ولا يتعلق به حكمٌ.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن العين القليلة إذا خالطت غيرها، وكانت تلك العين قد ذهبت صفاتها من لونٍ وطعمٍ ورائحةٍ، فإن تلك العين تكون كالشيء المضمحل الذي لا أثر له، فلا يترتب عليها شيءٌ من الأحكام التي تُبنى عليها في حال وجودها وانفرادها.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: ضوابط الحكم بكون العين مستهلكة[2]:

مبنى الاستهلاك على امتزاج عينٍ في عينٍ أخرى، بحيث تذهب أوصاف تلك العين عند الامتزاج، وهناك ضوابط يُستند إليها للحكم بكون العين مستهلكةً منها ما يلي:

أولاً: أن تذهب أوصاف العين من اللون والطعم والرائحة، فإذا اختلطت نجاسةٌ بماءٍ، ولم يبقَ من لون النجاسة ولا طعمها ولا ريحها، فإن النجاسة حينئذٍ تكون مستهلكةً، وهذا الضابط أكثر الضوابط اطراداً في أبواب الفقه التي يكثر إعمال هذه القاعدة فيها كالطهارة، والرضاع، والأيمان، والأطعمة.

ثانياً: أن تكون أجزاء العين مغلوبة بالنسبة إلى أجزاء العين التي اختلطت بها، فلو اختلط خمرٌ بعشرة أضعافها من الماء مثلاً، فإنه يحكم على الخمر بأنه مستهلكٌ من غير التفاتٍ إلى بقاء ذهاب صفاته أو بقائها.

ثالثاً: أن تمتزج العين مع عينٍ أخرى من غير جنسها على وجهٍ يمكِّن من حدوث الاستهلاك، ويمكن أن تكون العين المستهلكة والعين القائمة من المائعات كاللبن مع الماء، ويمكن أن تكونا من اليابسات كطحين الشعير مع طحين القمح.

كما يمكن أن يتم الامتزاج بين الأعيان بصورة طبيعية، ويمكن أن يتم بالمعالجة البشرية ولا فرق، كما إذا استُهلكت العين بالطبخ أو التركيب أو بالمعالجة الكيميائية.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: الأدلة على هذه القاعدة:

دلَّ على هذه القاعدة عددٌ من الأدلة، ومنها:

الدليل الأول: ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «جاء أعرابيٌّ، فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي ﷺ، فلما قضى بولَه، أمر النبي ﷺ بذَنوبٍ من ماءٍ فأُهريق عليه»[3].

ووجه الدلالة منه: أن نجاسة البول استُهلكت مع الماء والتراب فلم يبقَ لها أثرٌ، فأصبحت كالمعدومة، فلا يُبنى عليها حكمٌ، بدليل أن النبي ﷺ جعل خلط نجاسة البول مع الماء الكثير تطهيراً لأرض المسجد.

الدليل الثاني: ما ورد عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أنه قيل لرسول الله ﷺ: أنتوضأ من بئر بُضاعة، وهي بئرٌ يُطرح فيها الحِيَضُ ولحم الكلاب والنَّتَنُ؟ فقال رسول الله ﷺ: «الماء طهورٌ لا ينجسه شيءٌ»[4].

ووجه الدلالة منه: أن هذا الحديث دلَّ على أن الماء إذا وقعت فيه نجاسةٌ ولم تغيره، بل استُهلكت فيه، فإنه في حكم العدم، بدليل أن الشرع حكم بطهارة الماء الذي وقعت فيه النجاسة ولم تغيره، وخرجت صورة تغير الماء بالنجاسة من دلالة هذا الحديث بحكم الإجماع، فبقي دالّاً على ما وقعت فيه نجاسةٌ ولم تغيره.

الدليل الثالث: قياس الاستهلاك على الاستحالة[5] بجامع حصول التغير في العين في كلٍّ منهما، فكما أن العين في الاستحالة تنقلب صفاتها وتتغير إلى عينٍ أخرى، وتنعدم حقيقتها الأولى، فكذلك العين في الاستهلاك إذا فقدت صفاتها فإنه يحكم لها بالعدم، ولا يبنى عليها حكمٌ.

الدليل الرابع: أن أي عينٍ من الأعيان تتصف بصفاتٍ تختلف بها عن أي عينٍ أخرى، وتأخذ اسماً خاصّاً بها بناءً على هذه الأوصاف، فتبقى تلك العين على هذا الاسم ما دامت تلك الأوصاف قائمةً، فإذا زالت تلك الأوصاف التي من أجلها سميت هذه العين بهذا الاسم وجب أن يتغير اسم هذه العين وحقيقتها، والعين إذا انغمرت في غيرها واستُهلكت ولم يظهر لصفاتها أثرٌ في العين الأخرى فإنه يبقى الاسم والوصف للعين القائمة وتضمحل العين المستهلكة حينئذٍ.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:

1- لو وقعت نجاسةٌ قليلةٌ في ماءٍ، وانغمرت فيه، ولم تغير شيئاً من صفاته (اللون، أو الطعم، أو الرائحة) جاز استعمال هذا الماء، ويبقى الماء طاهراً، وتكون النجاسة المستهلكة في حكم المعدوم.

2- لو مُزجت الخمر مع مائعٍ وانغمرت فيه، وذهب أثرها، فإن شاربها ليس شارباً للخمر، ولا يحد الشارب لهذا المائع؛ ويكون الخمر المستهلك في حكم المعدوم.

3- أن العناصر المأخوذة من الخنزير بنسبٍ ضئيلةٍ والمضافة إلى الأغذية أو الأدوية، لا تؤثر في حرمة ذلك الغذاء أو الدواء إذا كانت مستهلكة فيها؛ لأن تلك العناصر أصبحت مغلوبةً مستهلكةً، والمغلوب المستهلك كالمعدوم[6].

ومثله استعمال المراهم ومواد التجميل التي يدخل في تركيبها شحم الخنزير إذا زالت صفات ذلك المخالط، وصار مغلوباً مستهلكاً.

ومثله استعمال الأغذية أو الأدوية المشتملة على الكحول الإيثلي - وهو العنصر المؤثر في الإسكار - بنسبةٍ قليلةٍ بحيث لا يظهر أثره؛ لأن الكحول في هذه الحالة مغلوبٌ مستهلكٌ.

وكذلك استعمال الأدوية التي تدخل بعض العناصر المخدرة في صناعتها بنسبٍ يسيرةٍ، كبعض العلاجات النفسية، أو العلاجات التي تستخدم لتخفيف الآلام الشديدة؛ لأن تلك المواد المخدرة نسبٌ قليلةٌ مستهلكةٌ، والمستهلك كالمعدوم، فلا يكون لها أثرٌ في الحكم.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة