المسألة التاسعة: القواعد المتفرعة عن قاعدة (الأمور بمقاصدها):
تفرَّع عن هذه القاعدة مجموعةٌ من القواعد التي يمكن أن تصنَّف ثلاثة أصنافٍ:
الصنف الأول من القواعد المتفرعة: القواعد المتعلِّقة بالعقود:
وهذه القواعد تمثلها قاعدةٌ واحدةٌ وهي:
قاعدة (العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني)[1]
وهذه القاعدة تشتمل على عدة مسائل:
هذا هو نص القاعدة عند الحنفية، وأما المالكية والشافعية والحنابلة فقد صاغوها بلفظ الاستفهام؛ إشارةً إلى اختلاف فقهائهم في مضمون هذه القاعدة، فقد قال السيوطي الشافعي في التعبير عن القاعدة: (هل العبرة بصيغ العقود أو بمعانيها؟)[2]، وقال ابن رجب الحنبلي: (إذا وُصل بألفاظ العقود ما يُخرجها عن موضوعها فهل يفسد العقد بذلك أو يُجعل كنايةً عما يمكن صحته على ذلك الوجه؟ فيه خلافٌ يلتفت إلى أن المغلَّب هل هو اللفظ أو المعنى؟)[3]. وقال الونشريسي المالكي: (إذا تعارض القصد واللفظ أيهما يُقدَّم؟)[4].
المسألة الثانية: معنى القاعدة:
أولاً: المعنى الإفرادي: في هذه القاعدة عدة ألفاظٍ تحتاج إلى البيان، وهي:
- لفظ (العبرة) ومعناه: الاعتداد.
- ولفظ (العقود) جمع عقدٍ، وهو ارتباط الإيجاب بالقبول على وجهٍ مشروعٍ يثبت أثره في محله.
- ولفظ (المقاصد) جمع مقصدٍ، والمراد به نية المتكلم ومراده.
- ولفظ (المعاني) جمع معنى، وهو الصورة الذهنية التي دل عليها القول أو الفعل.
- ولفظ (الألفاظ) جمع لفظٍ، وهو الكلام الذي ينطق به المرء بقصد التعبير عما بداخله.
- ولفظ (المباني) جمع مبنى، وهي كلمةٌ مرادفةٌ للفظ، يُقصد بها هنا صورته.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن أحكام العقود إذا اختلفت ما بين ألفاظ المتكلم ونيته فإنه لا يُنظر إلى ألفاظه ولا تُبنى عليها العقود، بل يُنظر إلى مقصده ونيته فعليها تُبنى أحكام العقود.
المسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:
يتخرج على هذه القاعدة كثيرٌ من الفروع التي تناولها الفقهاء قديماً وحديثاً، ومن هذه الفروع:
1- لو اشترى شخصٌ من بقَّالٍ سلعةً وقال له: خذ هذه الساعة أمانةً عندك حتى أُحضر لك الثمن، فإن هذه الساعة تعد رهناً وتأخذ حكم الرهن، ولا تكون أمانةً؛ لأن هذا العقد وإنْ كان لفظه أمانةً إلا أن معناه رهنٌ، فأخذنا بمعناه ولم نلتفت إلى لفظه؛ لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
2- لو قال شخصٌ لآخر: وهبتك هذه السيارة على أن تعطيني سيارتك فإن هذا العقد يأخذ حكم البيع وإنْ كان بلفظ الهبة؛ لأن هذا العقد وإنْ كان بلفظ الهبة إلا أن معناه بيعٌ، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
3- لو قال شخصٌ لآخر: قد أحلتك بالدين المطلوب مني على فلانٍ، على أنْ تبقى ذمتي مشغولةً حتى يدفع المحال عليه الدين، فإن هذا العقد يأخذ حكم عقد الكفالة أو الضمان ولا يكون حوالةً؛ لأن هذا العقد وإنْ كان بلفظ الحوالة إلا أن معناه ضم ذمةٍ إلى ذمةٍ أخرى، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
ويجدر التنبيه هنا إلى أن مضمون هذه القاعدة محل خلافٍ من بعض فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة الذين يرون أن العبرة في العقود بالألفاظ والمباني لا بالمقاصد والمعاني، ومقتضى هذا أن يكون حكم الفرع الأول عندهم أنه أمانةٌ، والثاني هبةٌ، والثالث حوالةٌ.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة في النص المعتمد هنا تفيد أن أحكام العقود يُرجع فيها إلى نية العاقد وقصده لا إلى لفظه، وهذا ما تفيده القاعدة الكبرى، حيث أفادت أن تصرفات المكلف تختلف أحكامها باختلاف نيته وقصده.