حجم الخط:

محتوى الدرس (6)

الصنف الثالث من القواعد المتفرعة: القواعد المستثناة من القاعدة الكبرى:

[تمهيد]

بناءً على ما قرَّرناه فيما تقدم فإن القواعد الفقهية كليةٌ، وأن ما قيل: إنه مستثنى منها أو خارجٌ عنها لم يدخل تحتها في الأصل حتى يُقال بخروجه، فإنه إما أنه لم ينطبق عليه شرط القاعدة أو وُجد مانعٌ يمنع من دخوله في مضمون القاعدة من الأصل.

وأما من يرى أن القواعد الفقهية أغلبيةٌ أكثريةٌ، فإنه يرى أنه يُمكن أن يخرج عن حكمها بعض المستثنيات.

وذكْرنا لهذا الصنف من القواعد لا يعني تسليمنا بأن القواعد الفقهية أغلبيةٌ، ولكن ذكرنا هذا حتى يستقيم التقسيم فحسب.

وهذا الصنف تحته قاعدةٌ واحدةٌ فقط، وهي:

قاعدة (من استعجل الشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه)[1]

وهذه القاعدة تحتها عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى:

أن تعبيرات العلماء قد اختلفت في هذه القاعدة، لكن المقصود منها متحدٌ، فهذا التعبير المعتمد لنص القاعدة منقولٌ عن المالكية، وقريبٌ منه تعبير الحنفية والشافعية.

وهذه القاعدة قد يُعبَّر عنها بقاعدة المعاملة بنقيض المقصود، كما ورد عند المالكية والشافعية.

وأما الحنابلة فوردت هذه القاعدة عندهم بصياغةٍ فيها شيءٌ من الطول، فقال ابن رجب: (من أتى بسببٍ يفيد الملك أو الحل أو يُسقط الواجبات على وجهٍ محرَّمٍ - وكان مما تدعو النفوس إليه - أُلغي ذلك السبب، وصار وجوده كالعدم، ولم يترتب عليه أحكامه)[2].

وقال أيضاً: (من تعجل حقه أو ما أُبيح له قبل وقته على وجهٍ محرمٍ عوقب بحرمانه)[3].

Adobe Systemsالمسألة الثانية: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن من يعمل الوسائل غير المشروعة بقصد الحصول على منفعةٍ من المنافع المشروعة، أو يعمل الوسائل المشروعة تحايلاً للوصول إلى أمرٍ غير مشروعٍ، فإنه يُعامل بنقيض قصده فيُحرم من هذه المنفعة المشروعة، ولا نعتد بتلك الوسيلة المشروعة.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: أمثلة للفروع المبنية على القاعدة:

هذه القاعدة كما يُلاحظ تشتمل على أمرين:

أولهما: التوسل بالوسائل غير المشروعة في الوصول إلى منفعةٍ مشروعة، ومثاله: لو قتل شخصٌ شخصاً آخر عمداً، وكان بينهما سببٌ يوجب التوارث، فإن القاتل يُحرم من إرث المقتول؛ لأن القتل هنا وسيلةٌ غير مشروعةٌ، يظهر منها أن فيها استعجالاً للإرث الذي هو منفعةٌ مشروعةٌ، فيُعاقب القاتل بحرمانه من الميراث؛ معاملةً له بنقيض قصده.

وثانيهما: التوسل بالوسائل المشروعة في الوصول إلى أمرٍ غير مشروعٍ، ومثاله: لو أن رجلاً في مرض موته طلَّق زوجته بائناً، ثم مات وهي في العدة، فإنها تورَّث منه، لأن الطلاق وإنْ كان وسيلةً مشروعةً إلا أنه يُتوصل به هنا إلى أمرٍ غير مشروعٍ وهو الحرمان من الإرث، فيُجازى الفاعل بأن يُعامل بنقيض مقصوده.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

هذه القاعدة أفادت أن الحكم لا يُبنى ولا يُرتب على وفق نية المكلف إذا ظهر لنا من فعله ما يدل على أنها تتضمن قصد أمرٍ غير مشروعٍ، وهذا على خلاف ما أفادته القاعدة الكبرى من أن الأحكام تبنى على مقتضى نية المكلف وما أراده.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة:

هذه القاعدة ذكر لها بعض العلماء كثيراً من المستثنيات، أي كثيراً من الفروع التي كان من المفترض أن يُعامل فيها المكلف بنقيض قصده ولكنه لم يُعامل، ومن أمثلة هذا:

- ما لو شربت المرأة دواءً يُعجِّل الحيض، فحاضت فإنها لا يجب عليها قضاء الصلوات.

- لو قتل الدائنُ المدينَ، فإن الدين يحل ويُطالَبُ به الورثة.

والذي يظهر أن سبب عدم معاملة المكلف فيها بنقيض مقصوده هو أن المصلحة في ترتيب الحكم على قصد المكلف في الظاهر أرجح من معاملته بنقيض مقصوده، ولذلك ذكر بعض العلماء نص القاعدة مقيَّداً بقيدٍ يدل على هذا فقال: (من استعجل شيئاً قبل أوانه، ولم تكن المصلحة في ثبوته، عوقب بحرمانه) وبهذا القيد في نص القاعدة لا نقول إن القاعدة تحتمل الاستثناء الذي أشرنا إليه؛ لأن هذه الأفعال المستثناة تتضمن مصلحةً هي في ثبوتها أرجح من المصلحة في المعاملة بنقيض المقصود.

خاتمة في بيان أنه لا ثواب إلا بنيةٍ

[تمهيد]

يذكر بعض العلماء هنا قاعدةً متعلقةً بالنية، ولكن لا تعلق لها بأحكام الدنيا، بل تعلقها بأحكام الآخرة، وبالثواب على الأعمال على جهة الخصوص. وهي قاعدة: (لا ثواب إلا بالنية)[4]

والكلام عن هذه القاعدة في المسائل الآتية:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أن حصول الثواب في الآخرة على أي عملٍ يعمله المكلف يُشترط فيه حصول نية التقرب به إلى الله تعالى، ويستوي في ذلك أن يكون العمل عبادةً في الأصل أو غير عبادة.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الدليل على القاعدة:

دل على هذه القاعدة ما تقدم من قوله ﷺ: «وإنما لكل امرئٍ ما نوى» فقد ذكر بعض العلماء أن المراد بالحصر هنا: إنه إنما يحصل لكل امرئٍ ثواب العمل الذي نواه، فتكون هذه الجملة بياناً لترتيب الثواب على النية في الآخرة[5].

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: ما تدخله القاعدة من الأعمال:

هذه القاعدة تشمل جميع أحوال المسلم، فإن المسلم لا يُثاب على أي عملٍ إلا إذا أداه بنية التقرب إلى الله تعالى، ومعظم أحوال المسلم لا تخلو من الأمور الآتية:

1- العبادات، سواءٌ أكانت فرضاً أم نفلاً.

2- الواجبات التي تحصل مصلحتها بمجرد حصول صورتها، كرد المغصوب، ونفقة الأقارب كما تقدم.

3- ترك المعاصي.

4- فعل المباحات، وهذا بابٌ واسعٌ للثواب، ينبغي أن يغتنمه المسلم، فلا يُفوِّت تحصيل الأجر بالغفلة عن نية التقرب إلى الله تعالى بفعل المباح من أكلٍ وشربٍ ونومٍ وطلب علمٍ، وعملٍ في وظيفةٍ، ونحو ذلك.

تنبيه: بعض العبادات يرتبط الثواب فيها بمقدار ما يستحضره المسلم من النية، وذلك كالصلاة، فقد دل الحديث على أن الرجل ليصلي الصلاة وما يُكتب له إلا عشرها، تسعها، ثمنها، سبعها...[6] وذلك راجعٌ إلى مقدار ما استحضره فيها من الخشوع والخضوع واستحضار نية التقرب إلى الله تعالى بأي عملٍ فيها.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة