حجم الخط:

محتوى الدرس (9)

القاعدة الثالثة (الأصل في الأمور العارضة العدم)[1]

هذه القاعدة تتضمن عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى:

اختلفت تعبيرات العلماء في لفظ القاعدة فمنهم - كالسيوطي- من عبَّر بقوله: (الأصل العدم) وهذا التعبير انتقده ابن نجيم بما يُفيد أن هذا التعبير ليس على إطلاقه؛ لأنه ليس الأصل العدم مطلقاً، وإنما هو في الأمور العارضة فقط، أما الأمور الأصلية فالأصل فيها الوجود[2].

ومنهم من عبَّر في لفظ القاعدة بقوله: (الأصل في الصفات العارضة العدم)، وهذا التعبير انتقده الشيخ مصطفى الزرقا بأنه يحصر العدم في الصفات فقط، كالجنون والمرض والبكارة...، والقاعدة تشمل ما هو أعم من الصفات، إذ إنها تشمل الأمور المستقلة، كالعقود والإتلافات، وهذه ليست صفاتٍ، ومع ذلك فهي داخلةٌ في القاعدة، لذلك كان التعبير بلفظ (الأمور) أسلم في هذه القاعدة؛ لشموله وعمومه، خاصةً مع كثرة تعبير الفقهاء في تعليلاتهم بلفظ (الأمور) دون لفظ الصفات[3].

Adobe Systemsالمسألة الثانية:

هذه القاعدة تتعلق بصفات الأشياء، ولذلك نقول: إن الأمور أو الصفات على نوعين:

النوع الأول: الأمور الأصلية، وهي الصفات أو التصرفات التي توجد مقارنةً للأصل ابتداءً، وليست طارئةً، فهو مشتملٌ عليها بطبيعته غالباً، وذلك كالحياة للحيوان، والصحة، والسلامة من العيوب في المبيع، والبكارة بالنسبة للمرأة.

وهذا النوع من الأمور أو الصفات الأصل فيه الوجود، فمدعي وجود الصفة الأصلية متمسكٌ بالأصل، والذي يدعي عدمها مدَّعٍ لشيءٍ على خلاف الأصل فتكون البينة في حقه، والأول إنما تطلب منه اليمين إبقاءً للأصل الثابت. وهذا النوع لا تتعلق به قاعدتنا هذه، وله قاعدةٌ خاصةٌ، هي: (الأصل في الأمور أو الصفات الأصلية الوجود)[4].

النوع الثاني: الأمور العارضة، وهي الصفات أو التصرفات التي لا توجد مع الأصل ابتداءً، بل هي طارئةٌ، فيكون الشيء بطبيعته خالياً منها غالباً، وذلك مثل: المرض، أو العيب في المبيع، والربح أو الخسارة في التجارة، والثيوبة بالنسبة للمرأة.

وهذا النوع من الأمور أو الصفات الأصل فيه العدم، وهو الذي تتعلق به قاعدتنا هذه.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: معنى القاعدة:

أن القاعدة المستمرة في الأمور العارضة - بحسب معناها المتقدم - هو العدم، لذلك فإن الذي يدعي وجود الأمر العارض أو الصفة العارضة فإنه يدعي شيئاً على خلاف الأصل، فيلزمه حينئذٍ الدليل الذي هو البينة، والذي يدعي عدم الأمر العارض أو الصفة العارضة فهو متمسكٌ بالأصل، وهذا تطلب منه اليمين إبقاءً للأصل الثابت.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على القاعدة مجموعةٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو دفع شخصٌ ماله إلى شخصٍ آخر ليتَّجر به ويعمل عليه في عقد مضاربةٍ، ثم إن صاحب المال ادعى وجود الربح، وأنكر العامل الذي يتَّجر بالمال، ولا بينة، فالقول هنا قول العامل في عدم الربح مع يمينه؛ لأن الربح صفةٌ عارضةٌ، والعامل يتمسك بالأصل الذي هو عدم الأمر العارض، فإن الأصل في الأمور العارضة العدم.

2- لو أنه ثبت على الإنسان دينٌ، ثم إنه ادعى الأداء، أو ادعى أن صاحب المال أبرأه من دينه، وأنكر صاحب الدين، فإنه لا يقبل قول المدين؛ لأن الأداء أو الإبراء أمرٌ عارضٌ، والأصل في الأمور العارضة العدم، فيُقبل قول الدائن مع يمينه.

3- لو اشترى شخصٌ سيارةً، ثم ادعى وجود عيبٍ فيها من حين العقد، وذلك لأجل أن يردها على البائع، وأنكر البائع وجود العيب في ذلك الوقت، ولا بينة، فالقول هنا قول البائع مع يمينه؛ لأنه يتمسك بالأصل الذي هو عدم العيب في ذلك الوقت، والأصل في الصفات العارضة العدم.

Adobe Systemsالمسألة الخامسة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

تبين من هذه القاعدة أن عدم الأمور العارضة أمرٌ متيقنٌ، وأن وجودها أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن الذي هو عدم الأمور العارضة، ونترك المشكوك فيه الذي هو وجود الأمور العارضة، وهذا ما أفادته القاعدة الكبرى.

القاعدة الرابعة (الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته)[5]

هذه القاعدة تتضمن عدة مسائل:

Adobe Systemsالمسألة الأولى: معنى القاعدة:

أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة فيها لفظان نحتاج إلى بيان المراد بكلٍّ منهما، وهما:

- لفظ (الحادث) والمقصود به: الشيء الذي لم يكن موجوداً، ثم وُجد.

- لفظ (إضافة) والمقصود به: نسبة الحادث إلى وقتٍ محددٍ، وترتيب الحكم على هذه النسبة.

ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:

أن القاعدة المستمرة في الشرع أنه إذا وُجد أمرٌ حادثٌ، وأمكن أن يكون وقته قريباً وبعيداً، ولا بينة، فإن وقته المعتبر هو الوقت القريب.

Adobe Systemsالمسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:

انبنى على هذه القاعدة كثيرٌ من الفروع الفقهية، ومنها:

1- لو رأى إنسانٌ على ثوبه منيّاً، ولم يذكر احتلاماً، فإن هذا المني يُنسب إلى آخر نومةٍ نامها، فيلزمه الغُسل، وإعادة كل صلاةٍ صلاها بعد تلك النومة؛ لأن المني أمرٌ حادثٌ، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.

2- لو ضرب شخصٌ بطن امرأةٍ حاملٍ، فانفصل منها ولدٌ ميتٌ، فإن موت هذا الجنين يُنسب إلى الضرب؛ لأنه وقته القريب، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.

ولو أنه بعد الضرب انفصل منها ولدٌ حي، وبقي زماناً بلا ألمٍ، ثم مات، فإن موته لا يُنسب إلى الضرب، بل يُنسب إلى سببٍ آخر قريبٍ؛ لأن الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته. ويمكن أن يُمثَّل لهذه القاعدة أيضاً بالمثال الثالث في القاعدة السابقة.

Adobe Systemsالمسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:

كثيراً ما تختلف أحكام الحوادث باختلاف تاريخ حدوثها، وقد أفادت هذه القاعدة أنه عند التنازع في وقت وقوع الأمر الحادث فإن وقوع الحادث في وقته القريب هو الأمر المتيقن، وأن وقوعه في الوقت البعيد أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن، وهو الوقت القريب، ونترك المشكوك فيه، وهو الوقت البعيد، وهذا ما أفادته القاعدة الكبرى.

Adobe Systemsالمسألة الرابعة:

هذه القاعدة تشبه من وجهٍ القاعدة السابقة التي هي قاعدة (الأصل في الأمور العارضة العدم)، وتفارقها من وجهٍ آخر:

أما وجه الشبه بينهما فهو: أن الحادث الذي هو موضوع قاعدتنا هذه هو الشيء الذي لم يكن موجوداً ثم وُجد، فهو من قبيل الأمور العارضة، فالأصل فيه العدم في الزمن البعيد.

وأما وجه الفرق بينهما فهو: أن القاعدة المتقدمة يُحتاج إليها عند الاختلاف في ذات الأمر وجوداً وعدماً، أما هذه القاعدة فيُحتاج إليها عند الاتفاق على وجود الأمر الحادث العارض مع الاختلاف في زمن حدوثه، فإذا كان القول هناك قول من ينفي وجود الأمر العارض أو الحادث، فإن القول هنا قول من يُضيفه إلى أقرب الأوقات إلى الحال[6].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة