القاعدة السابعة (الأصل في الذبائح التحريم)[1]
هذه القاعدة تعد أصلاً في باب الذبائح، أي الحيوان المذبوح بقصد الأكل أو غيره من الانتفاعات المشروعة، فلا يتعارض حكم هذه القاعدة مع ما نصت عليه قاعدة (الأصل في الأشياء الإباحة)؛ لأن الأصل في الحيوان الحل من حيث هو، أي قبل ذبحه، وذلك أنه إذا أشكل أمره ولم يندرج تحت منصوصٍ على تحريمه شرعاً حلَّ صيده وأكله، فإذا صيد الحيوان أو ذُبح صار الأصل فيه الحرمة فلا يحل إلا إذا حصل اليقين أو غلبة الظن بأن اصطياده أو ذبحه قد تم على وفق الصفة الشرعية المعتبرة.
والكلام على هذه القاعدة سيكون في المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: وليس في هذه القاعدة من ألفاظٍ تفتقر إلى البيان سوى لفظ (الذبائح)، وهو جمع ذبيحةٍ، والمقصود به الحيوان المذبوح أو المصيد بقصد الأكل أو سائر الانتفاعات المشروعة.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن الحكم المستصحب في الشرع في الحيوان المصيد أو المذبوح هي التحريم، فلا يحل شيءٌ من ذلك إلا بعد تيقن حصول السبب المبيح له.
والمقصود بحصول السبب المبيح أن يكون موت الحيوان الذي تشترط ذكاته لحله قد تم بالذكاة الشرعية أو بالصيد على الصفة الشرعية المعتبرة.
ولذا فإنه إذا حصل الشك في تحقق هذا السبب بقي الحيوان المذبوح في هذه الحالة على أصل التحريم.
المسألة الثانية: الأدلة على هذه القاعدة:
دلَّ على هذه القاعدة أدلةٌ منها:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ [المائدة: 3].
ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى نصَّ على المحرمات من المطعومات من الحيوان واستثنى المذكَّى من هذا المحرَّم، وجَعْلُ المذكَّى حلالاً استثناءً يدل على أن الأصل هو التحريم.
الدليل الثاني: ما ورد عن عدي بن حاتمٍ رضي الله عنه مرفوعاً: (إذا أرسلت كلبك المعلَّم فقتل فكُلْ، وإذا أكل فلا تأكل؛ فإنما أمسكه على نفسه)، قلت: أُرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر؟ قال: (فلا تأكل؛ فإنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تُسمِّ على كلبٍ آخر)[2].
ووجه الدلالة منه: أنه دلَّ على أنه متى وقع الشك في حصول الذكاة الشرعية واستوى الاحتمالان، حرُم أكل الحيوان، فدلَّ على أن الأصل في الحيوان الحرمة؛ لأنه لو كان الأصل هو الإباحة هنا لما حرُم الحيوان في حالة الشك[3].
الدليل الثالث: أنه يُشترط في حل الذبيحة شروطٌ منها في ما هو الحيوان المذبوح ومنها ما هو في الذابح ومنها ما هو في آلة الذبح وكيفيته، وما لا يحل إلا بشروطٍ يكون أصله التحريم، قياساً على الأبضاع[4].
المسألة الثالثة: مجال إعمال القاعدة:
هذه القاعدة تُحكَّم في حال الجهل بحال الحيوان المذبوح أو الشك بسبب الاشتباه في حال الحيوان المذبوح، بحيث تتساوى الاحتمالات في حقه، أما لو حصل ما يرجح حصول سبب الحل فإن الحيوان المذبوح يكون حلالاً، ويتقرر هذا المعنى من خلال ما سيتم عرضه من أمثلةٍ للقاعدة.
المسألة الرابعة: الفروع المبنية على القاعدة:
1- أنه لو حصل الشك في موت الصيد بالجرح أو بثقل آلة الصيد أو بالتردي والسقوط فإنه تُرجح جهة الحرمة، ويحرم أكله؛ لأن الأصل التحريم، وهذا بخلاف ما لو غلب على الظن أو حصل اليقين بكون الموت مضافاً إلى جرح الصياد، فإنه يكون حلالاً.
2- لو اشتبهت شاةٌ مذكاةٌ بشاةٍ ميتةٍ، فحصل الشك فيهما، فإنهما تحرمان، ولا يجوز التحري فيهما؛ لأن الأصل في الذبائح التحريم.
3- أن الذبائح التي تكون في بلاد في غير المسلمين - ممن لا تحل ذبائحهم من غير أهل الكتاب - أو يتم استيرادها منها، تكون على أصل التحريم.
وكذا لو كانت في بلاد أهل الكتاب أو تم استيرادها من بلادهم مع العلم أو غلبة الظن بأن ذبحها كان على خلاف الصفة الشرعية المعتبرة فإنها تبقى على أصل التحريم.
أما لو حصل اليقين أو غلبة الظن في حال تلك الذبائح واللحوم الموجودة في بلاد أهل الكتاب أو المستوردة منهم أنها ذُبحت على وفق الصفة الشرعية المعتبرة فإنها تكون حلالاً.
المسألة الخامسة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تفيد أن حرمة الحيوان المذبوح أو المصيد متيقنةٌ، وإباحته مشكوكٌ فيها، فنأخذ بالمتيقن، وهو التحريم، ونترك المشكوك فيه، وهو الإباحة، وهذا ما أفادته القاعدة الكبرى.
القاعدة الثامنة (الأصل في العقود والشروط الصحة والجواز)[5]
الكلام في هذه القاعدة من خلال المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: والألفاظ التي تحتاج إلى البيان في هذه القاعدة هي:
- لفظ (الأصل) والمراد به كما تقدم القاعدة المستمرة في الشرع أو الراجح أو الغالب.
- ولفظ (العقود) جمع عقدٍ، وهو ارتباط إيجاب بقبولٍ على وجهٍ مشروعٍ يثبت أثره في محله.
- ولفظ (الشروط) جمع شرط وهي الشروط الجعلية، وهي الشروط التي يضعها البشر لأنفسهم في عقودهم ومعاملاتهم.
والشرط الجعلي هو الشرط الذي يعلق عليه المكلف تصرفاً معيناً من تصرفاته، كما لو قال: بعتك هذه السيارة بشرط كذا أو إن أتيت بكذا أو إن فعلت كذا أعطيتك هذا البيت، كما أنه قد يعلق عليه في الطلاق أو النكاح، فيقول: زوجتك ابنتي إن فعلت كذا أو إن أتيت بكذا.
فهذه شروط جعلية يجعلها الناس قيوداً في عقودهم وتصرفاتهم فسميت شروطاً جعلية لأجل هذا.
- ولفظ (الصحة) يعني ترتب الأثر الشرعي المقصود من الفعل عليه سواء أكان عقداً أو شرطاً.
- ولفظ (الجواز) يعني الإباحة والإذن في الفعل.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن القاعدة المستمرة في الشرع أن العقود والشروط تكون حلالاً مباحةً وغير محرمة، كما أنها تكون صحيحة يترتب عليها أثرها.
وبناءً عليه لا يحرم من العقود أو الشروط ولا يبطل منها إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصّاً أو قياساً.
المسألة الثانية: شرط القاعدة ومجال إعمالها:
إذا كانت هذه القاعدة تفيد أن الأصل وأن القاعدة المستمرة في الأصل والشروط والعقود هو الصحة والجواز، وأن أي عقد أو شرط يعقده المكلف مع غيره يكون مباحاً ويجوز التعامل.
إلا أن هذا الحكم ليس على إطلاقه، بل هو مقيدٌ بشرطٍ، وهو: التحقق والتوثق من عدم وجود دليلٍ شرعيٍ يُحرِّم العقد أو يبطل الشرط.
وهذا يعني أنه إذا أراد شخص أن يتعامل بمعاملةٍ أو يعقد شرطاً في معاملةٍ، فإن الأصل في ذلك الجواز، ولأجل الجزم بجوازه وصحته فإنه يجب التحقق والتوثق من أنه لا يوجد نصٌّ معينٌ صريحٌ يخالف هذا العقد أو هذا الشرط.
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الدلالة على هذا الشرط: (فلا يجوز القول بموجب هذه القاعدة في أنواع المسائل وأعيانها إلا بعد الاجتهاد في خصوص ذلك النوع أو المسألة، هل ورد من الأدلة الشرعية ما يقتضي التحريم أم لا؟. أما إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لأحدٍ أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك، فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغيرٌ لهذا الاستصحاب فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو أهل لذلك)[6].
إذا ثبت ما تقدم وأنه لا يمكن الاستدلال بهذه القاعدة على المراد إلا بعد البحث في عين المسألة الواقعة هل ورد دليلٌ خاصٌّ بتحريمها أو بعدم اعتبار الشرط أو لم يرد، فحينئذٍ إن ورد دليلٌ بذلك لزم اتباعه وإلا جاز العمل بالقاعدة حينئذٍ.
ويكفي في العلم بعدم وجود دليل خاصٍّ غلبة الظن بأنه ليس هناك دليلٌ يُحرِّم هذا النوع من المعاملة أو يبطل هذه الشروط، وهذه قاعدة نافعة في مجال العقود والشروط.
المسألة الثالثة: الأدلة على القاعدة:
دل على هذه القاعدة أدلةٌ كثيرة من القرآن والسنة تدل بمجموعها على وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق ومدح الموفين بعهودهم والتحذير من الغدر والخيانة، ومن ذلك ما يأتي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ ﴾ [المَائدة: 1]، وقوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسرَاء: 34]، وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8]، ومن العهد كما هو معروف العقد والشرط.
ثانياً: ما ورد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصلةٌ منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدَر، وإذا خاصم فجر»[7].
ثالثاً: ما ورد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحق الشروط أن يوفى به، ما استحللتم به الفروج»[8].
ووجه الدلالة على هذه القاعدة من الأدلة السابقة: أنه قد جاء في القرآن والسنة الأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وأداء الأمانة ورعاية ذلك، وورد النهي عن الغدر ونقض العهود والخيانة والتشديد على من يفعل ذلك، فثبت بذلك أن الأصل صحة العقود والشروط وجوازها لأنه قد أُمر بالوفاء بها، ولا يؤمر بالوفاء إلا بما كان جائزاً صحيحاً، فدل على أن الأصل جواز العقود والشروط وصحتها، ولو كان الأصل في الشروط والعقود هو التحريم والفساد إلا ما أباحه الشرع لم يأمر بها الشارع مطلقاً ولم يذم من نقضها وغدر بها؛ لأنها ليست صحيحةً وليست جائزةً.
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
من هذه الفروع ما يأتي:
1- أنه يجوز بيع ثمر البستان ذي الأجناس المختلفة إذا بدا صلاح بعضها لحاجة الناس إلى ذلك، ولعدم وجود الدليل المحرِّم، لأن الأصل في العقود والشروط الصحة والجواز.
2- تجوز المزارعة، وهي استئجار الأرض بمقدارٍ شائعٍ مما يخرج منها، كالثلث والربع والنصف ونحو ذلك، لأن الأصل في العقود والشروط الصحة والجواز.
3- لو أن رجلاً تصرف في حق غيره بغير إذنه أو عقد عقداً تتوقف صحته على وجود شرطٍ، وهذا الشرط لا يوجد إلا في المستقبل، كأن يشتري شيئاً لم يره على أنه بالخيار إذا رآه، ففي هذه الحالات يقع العقد موقوفاً على إجازة من له الحق وعلى تحقق هذا الشرط فإذا أجازه صاحب الشأن أو توفر الشرط صح العقد في هذه الحالة، لأن الأصل الصحة والجواز في العقود والشروط.
المسألة الرابعة: العلاقة بين هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
هذه القاعدة تفيد أن المتيقن في العقود والشروط هو الصحة والجواز، وأن تحريمها وفسادها أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن وهو الصحة والجواز ونترك المشكوك فيه وهو التحريم والفساد، وهذا ما أفادته القاعدة الكبرى (اليقين لا يزول بالشك).
المسألة الخامسة: مكانة هذه القاعدة:
بناء على أهمية هذه القاعدة وكبير أثرها في المعاملات المالية، وخاصةً المعاصرة منها فقد سجل الكثير من الباحثين إعجابهم بهذه القاعدة، فمن ذلك ما أورده الشيخ محمد أبو زهرة من إيضاحٍ لمكانتها، حيث قال: (أحكام الشروط المقترنة بالعقود هو بابٌ كان أحمد فيه أوسع الفقهاء صدراً وأكثرهم قبولاً للشروط وأقربهم إلى القوانين الحديثة ومسايرة روح العصر الحاضر ولقد رأينا أحمد يتوسع في العقود توسعاً ما كنا نحسب أنه سبق الفقه الحديث إليه)[9].
ويقول الشيخ مصطفى الزرقا في هذا الشأن أيضاً: (هذا الاجتهاد الحنبلي وما على أساسه وغراره في فهم نصوص الشريعة حول مبدأ سلطان الإرادة العقْدية لا ينقضي منه إعجاب المتأمل، وهو الاجتهاد الجدير بالخلود، فهو في باب العقود والشروط كالأفق الفسيح، واسعٌ محدود، ولكن حدوده هي الطبيعة نفسها، ولا سيما إذا عرفنا أن مبدأ سلطان الإرادة الذي قرره الاجتهاد الحنبلي منذ اثني عشر قرناً استنباطاً من نصوص الشريعة الإسلامية الخصيبة وأصولها المحكمة الواضحة، لم تكن لتعرفه أو تفهمه الشرائع العالمية والفقه الروماني، ولم تنتهِ إليه الأفكار التشريعية والاجتماعية في أوربا إلا منذ قرنين... مع أن الإمام أحمد صاحب المذهب... معدودٌ من فقهاء مدرسة الحديث لا من مدرسة الرأي)[10].
فواضحٌ أن أثر هذه القاعدة لا يقف عند حد استحداث معاملةٍ من المعاملات التي لم تكن معروفةً من قبل، بل يجوز الاستفادة من المعاملة الحديثة التي هي من نتاج غير المسلمين فيقبل منها ما ليس فيه مصادمةٌ للشرع نصّاً أو قياساً وقد يعدَّل بعضها ويرفض بعضها الآخر، وإن كان من الأفضل أن يطور المسلمون لأنفسهم معاملاتٍ نابعةً من تصورهم الخاص وفكرهم الأصيل، فابتكار معاملة أحسن من تبني معاملة ومحاولة توفيقها وتكييفها[11].