القاعدة التاسعة (لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ، ولكنَّ السكوتَ في مَعْرِض الحاجة إلى البيان بيانٌ)[1]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
هذه القاعدة مكوَّنة من شقين:
الشق الأول: وهو قولهم (لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ) وهذا هو الأصل في السكوت، ومعناه: أن السكوت لا يُنزَّل منزلة القول من جهة ما يترتب على القول من أحكام وآثار.
الشق الثاني: وهو قولهم (ولكنَّ السكوتَ في مَعْرِض الحاجة إلى البيان بيانٌ) وهو يعد استثناءً من الأصل السابق، ومعناه: أن السكوت قد يُنزَّل منزلة القول فيُعطى أحكامه، وذلك في حال وجود الحاجة إلى البيان.
المسألة الثانية: الفروع المبنية على القاعدة:
انبنى على هذه القاعدة كثيرٌ من الفروع الفقهية، ويمكن التمثيل لهذه القاعدة بحسب شقيها المتقدمين:
أولاً: أمثلة الشق الأول: وهو قولهم (لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ):
1- لو أن شخصاً باع مال شخصٍ آخر أو أتلفه، وصاحب المال يشاهد وهو ساكتٌ، فإن سكوته هذا لا يعد إذناً بالبيع أو الإتلاف، وذلك لأنه لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ. وبناءً عليه فإنه يبطل بيع ذلك الشخص الفضولي لهذا المال، ولا يسقط حق صاحب المال في الضمان عند الإتلاف، بل يجب الضمان على المتلِف.
2- إذا استُؤذنت الثيِّب في نكاحها، فسكتت، فإن سكوتها لا يعد إذناً منها بالتزويج؛ لأنه لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ.
ثانياً: أمثلة الشق الثاني: وهو قولهم (ولكنّ السكوتَ في مَعْرِض الحاجة إلى البيان بيانٌ):
1- لو علم الشريك بأن شريكه قد باع نصيبه الذي يخصه من العقار، وسكت، فإن سكوته هذا يعد إسقاطاً منه لحقه في الشفعة؛ لأنه سكوتٌ في موضعٍ نحتاج فيه إلى البيان، فيكون السكوت فيه بياناً.
2- إذا استُؤذنت البكر في نكاحها، فسكتت، فإن سكوتها يعد إذناً منها بالتزويج؛ لأن الغالب من حال الأبكار الحياء، وعدم إبداء الرغبة في النكاح، فنحن في موضعٍ نحتاج فيه إلى البيان فيكون سكوتها هنا بياناً.
المسألة الثالثة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
العلاقة هنا تنحصر في الشق الأول من القاعدة، وهو قولهم: (لا يُنسب إلى ساكتٍ قولٌ)، وبيانها: أن عدم دلالة السكوت على القول في الأحوال العادية أمرٌ متيقنٌ، ودلالة السكوت على القول هنا أمرٌ مشكوكٌ فيه، فنأخذ بالمتيقن هنا، وهو عدم دلالة السكوت على القول، ونترك المشكوك فيه، وهو دلالة السكوت على القول، وهذا ما تفيده القاعدة الكبرى.
القاعدة العاشرة (لا عبرة بالتوهم)[2]
هذه القاعدة تتضمن المسائل الآتية:
أولاً: المعنى الإفرادي: هذه القاعدة مكوَّنة من لفظين هما:
- لفظ (لا عبرة) ومعناه: لا اعتداد.
- ولفظ (التوهم) وهو مصدر للفعل تَوَهَّمَ، والاسم منه الوهم[3]، وقد تقدم معنا تعريف الوهم بأنه: إدراك الاحتمال المرجوح من احتمالين أو أكثر يتردد الذهن بينها، سواءٌ استند إلى دليلٍ أو لم يستند.
والوهم وإنْ كان قد يستند إلى دليلٍ إلا أن هذا الدليل لا بد أن يكون مرجوحاً بأي وجهٍ؛ لأنه لو كان راجحاً لكان ظنّاً.
وقد ألحق بعض العلماء بالوهم هنا أمران:
أحدهما: إدراك الاحتمال العقلي البعيد النادر الحصول. فهذا يُعد من قبيل الوهم.
وثانيهما: توارد الاحتمالات على الذهن من غير وجود سببٍ معتبرٍ، وهو ما يُعرف بــ(الوسوسة). فهي تشترك مع الوهم في أن الوهم قد يكون غير مستندٍ إلى دليلٍ، كما أن الوسوسة ليس لها سببٌ معتبرٌ، ويفترقان في أن الوهم يكون الذهن فيه حاكماً بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالاً راجحاً، أما الوسوسة فلا حكم فيها، بل هي ترددٌ بين عدة احتمالاتٍ لا يستطيع الذهن الحكم بشيءٍ منها.
ثانياً: المعنى الإجمالي للقاعدة:
أن التوهم بحسب معناه المتقدم وما أُلحق به لا يصلح مستنداً تبنى عليه الأحكام الشرعية، كما أنه لا يصلح مستنداً لتأخير العمل بالأحكام الثابتة شرعاً.
المسألة الثانية: وجه عدم بناء الأحكام شرعًا على التوهم:
هو أن الموهوم إما أن يكون احتمالاً مستنداً إلى دليلٍ مرجوحٍ، فهو حينئذٍ غير معتدٍّ به؛ لأن المرجوح في مقابلة الراجح ملحَقٌ بالعدم، وإما أن يكون الموهوم احتمالاً مجرداً عن الدليل العقلي والحسي، فسيكون حينئذٍ احتمالاً بعيداً قليل الوقوع، فهو في عداد النادر، ومعلومٌ أن النادر لا يُبنى عليه حكمٌ، ولا يُلتفت إليه، فهو ملحَقٌ بالعدم أيضاً[4].
المسألة الثالثة: الفروع المبنية على القاعدة:
هذه القاعدة بحسب معناها الإجمالي ذات شقين، وسيكون التمثيل من خلالهما:
أولاً: أن التوهم لا يصلح مستنداً تبنى عليه الأحكام الشرعية، ومثال هذا: لو اشتبهت القبلة على المسلم فصلى إلى جهةٍ بدون تحرٍّ واجتهادٍ، فإن صلاته غير صحيحةٍ؛ لأنه بنى أمر إثبات جهة القبلة على مجرد التوهم، ومعلومٌ أنه لا عبرة بالتوهم.
ثانياً: أن التوهم لا يصلح مستنداً لتأخير العمل بالحكم الثابت شرعاً، ومثال هذا: لو أن الشهود ماتوا أو غابوا عن مجلس القضاء، بعد أدائهم الشهادة عند القاضي فيما مضى، فإنه لا يجوز للقاضي أن يؤخر الحكم في القضية لاحتمال رجوع الشهود عن شهادتهم؛ لأن هذا الاحتمال مجرد توهمٍ، ومعلومٌ أنه لا عبرة بالتوهم.
المسألة الرابعة: علاقة هذه القاعدة بالقاعدة الكبرى:
العلاقة هنا ظاهرةٌ؛ وهي: أنه قد تبين لنا في التمهيد للقاعدة الكبرى أن الأحكام شرعاً إنما تبنى على اليقين أو ما يقوم مقامه شرعاً وهو الظن، أما بناء الأحكام أو تأخير العمل بها بناءً على الوهم فإنه لا يصح وهو ما أفادته قاعدتنا هذه.
المسألة الخامسة: من المناسب هنا أن نذكر هذين التنبيهين:
التنبيه الأول: هذه القاعدة قد يُعبَّر عنها بهذا اللفظ، وقد يُعبَّر عنها بألفاظٍ أخرى، كقولهم: (الثابت قطعاً أو ظاهراً لا يؤخر لموهومٍ)[5]، وقولهم: (المعلوم لا يؤخر للموهوم)[6]، وقد يقال: (الموهوم كالمعدوم)، والفرق بين هذه الألفاظ والتعبير الوارد في لفظ القاعدة:
- أما اللفظان الأول والثاني فهما لا يمثلان إلا شقّاً من شقي المعنى الذي يدل عليه لفظ القاعدة المختار، فهما يفيدان عدم جواز تأخير الحكم أو العمل بالشيء الثابت، ولا يدلان لفظاً على عدم جواز بناء الحكم على الوهم.
وأما اللفظ الثالث فهو وإن كان دالّاً على شقي المعنى الذي دل عليه لفظ القاعدة إلا أن لفظ القاعدة المختار أصرح في دلالته على هذين المعنيين.
التنبيه الثاني: أنه قد ذكر بعض العلماء أن الأحكام قد تبنى على الوهم، ويكون الموهوم كالمحقق، وذلك إذا كان في موضعٍ يدعو المقام فيه إلى الاحتياط، ومن أمثلته: أنه لو وقع سهمٌ في صيدٍ، فتحامل الصيد وغاب، وقعد عن طلبه، ثم أدركه ميتاً، فإن الصيد لا يحل؛ لاحتمال أن يكون قد مات بسببٍ آخر يمكن التحرز منه، وهذا احتمالٌ مجردٌ، فهو أمرٌ موهومٌ، ولكن قال العلماء: إن الموهوم هنا يُجعل كالمحقق وُيبنى عليه الحكم احتياطاً[7].