أسماء القرآن الكريم وصفاته:
للقرآنِ الكريمِ أسماءٌ وصفاتٌ كثيرةٌ وَرَدَتْ في بعض الآيات والأحاديث النبوية.
ولكثرة هذه الأسماء والصفات فقد أفردها بعضُ العلماء بمؤلفات مستقلة منهم:
1- عليُّ بن أحمد بن الحسن التُّجِيبي الحَرالِّي، (تـ: 647هـ).
2- ابنُ قَيِّم الجَوْزِيَّة، (تـ: 751هـ)، واسم كتابه: (شرح أسماء الكتاب العزيز).
3- صالح بن إبراهيم البُلَيْهِي (معاصر)، واسم كتابه: (الهُدَى والبيان في أسماء القرآن)، مطبوع.
4- محمد جميل أحمد غازي (معاصر)، واسم كتابه: (أسماء القرآن في القرآن)، مطبوع.
5- د. خمساوي أحمد الخمساوي (معاصر)، واسم كتابه: (أسماء القرآن الكريم في القرآن)، مطبوع.
وقد وقع الاختلافُ بين العلماء رحمهم الله تعالى في عدد أسماء القرآن الكريم؛ فذكر الزَّرْكَشِيُّ أن الحَرَالِّي أنهى أساميه إلى نَيِّفٍ وتسعين اسمًا[1].
لكن الزركشي نفسه لا يُورد إلا خمسة وخمسين اسمًا نقلها عن أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك، المعروف بشَيْذَلَه[2].
أما الفيروزآبادي فقد قال في كتابه (بصائر ذوي التمييز): (ذكر الله تعالى للقرآن مائة اسم نَسُوقها على نَسَقٍ واحدٍ)[3].
لكنه رحمه الله لم يَذكر إلا تسعة وثمانين اسمًا، وزادها أربعة أسماء، فتكون جملتها ثلاثة وتسعين اسمًا في القرآن للقرآن.
وذكر الدكتور خمساويُّ تسعة وتسعين اسمًا مشتقَّةً -كما يقول- من اثنين وسبعين مادةً لُغَوِيَّةً[4].
ولم يُورد الشيخُ صالح البُلَيْهِيُّ رحمه الله إلا ستة وأربعين اسمًا؛ لاعتقاده أن بعض هذا العدد -إن لم يكن أكثره- أوصافٌ للقرآن، وليست بأسماء[5].
1- القرآنُ: في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ [الواقعة: 77].
2- الكتابُ: في قوله تعالى: ﴿ الم ١ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ٢ ﴾ [البقرة: 1، 2].
3- الذِّكْرُ: في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].
4- الفُرقانُ: في قوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ﴾ [الفرقان: 1].
5- النُّورُ: في قوله تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ۚ ﴾ [التغابن: 8].
1- المُبَارَكُ: في قوله تعالى: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ ﴾ [الأنعام: 92].
2- هُدى ورحمة: في قوله تعالى: ﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ [لقمان: 3].
3- الكريم: في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ [الواقعة: 77].
4- الحكيم: في قوله تعالى: ﴿ الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ [يونس: 1].
5- الفَصْلُ: في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ [الطارق: 13].
حكمة تعدد أسماء القرآن الكريم:
وقد بيَّن العلماءُ رحمهم الله تعالى حكمةَ تَعَدُّدِ الأسماء للقرآن الكريم؛ فقال الفيروزآبادي رحمه الله: (اعلم أنَّ كثرة الأسماء تدلُّ على شَرَفِ المُسَمَّى أو كماله في أمر من الأمور؛ أَما ترى أن كثرة أسماء الأسد دَلَّت على كمال قوته، وكثرة أسماء القيامة دلت على كمال شِدَّتِه وصُعوبته، وكثرة أسماء الدَّاهية دلت على شدة نِكايتها، وكذلك كثرة أسماء الله تعالى دَلَّت على كمال جلال عظمته، وكثرة أسماء النبي ﷺ دلت على عُلُوِّ رُتْبَتِه وسُمُوِّ درجته، وكذلك كثرةُ أسماء القرآن دلت على شَرَفِه وفضيلته)[6].
الاشتراك والامتياز بين أسماء القرآن الكريم:
وبَيْنَ أسماءِ القرآن الكريم الكثيرةِ اشتراكٌ وامتيازٌ؛ فهي تشتركُ في دلالتها على ذاتٍ واحدةٍ هي القرآن الكريم نفسُه، ويمتاز كلُّ واحد منها عن الآخر بدلالته على معنًى خاصٍّ، فكلُّ اسمٍ للقرآن يدل على حصول معناه فيه، فتسميته مثلًا بالهُدى يدل على الهداية فيه، وتسميته بالتَّذْكِرة يدلُّ على أن فيه ذِكْرى، وهكذا[7].
كما قال ابنُ تيمية رحمه الله عن لفظ السَّيْفِ والصَّارِم والمُهَنَّد: (فإنها تشترك في دلالتها على الذات، فهي من هذا الوجه كالمُتواطئة، ويمتاز كلٌّ منها بدلالته على معنًى خاصٍّ فتُشبه المُتباينة، وأسماء الله وأسماء رسوله وكتابه من هذا الباب)[8].
وأسماءُ القرآن الكريم وصفاته توقيفيةٌ، لا نُسَمِّيه ولا نَصِفُه إلا بما جاء في الكتاب أو في السُّنة النبوية الشريفة.
الفرق بين المصحف والقرآن الكريم:
فإن قلتَ: أرأيت تَسميتَه بالمُصْحَف؛ هل وردت في الكتاب أو السُّنة؟
قلت: إنَّ المصحف ليس اسمًا للقرآن ذاته، وإنما هو اسمٌ للصُّحُف التي كُتب عليها القرآنُ، ولم يُطلق عليه (المصحفُ) إلا بعد جمعِ القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في صُحُفٍ ضُمَّ بعضُها إلى بعض؛ فسُمِّيَتْ مُصْحَفًا.
ولهذا نرى العلماءَ يتحدثون عن حكم بيعِ المصحف، ولم يقل أحد منهم: بيع القرآن؛ فالقرآنُ كلامُ الله تعالى، أمَّا المصحفُ فهو مِن عمل البَشر وصناعتهم التي يَبتغون بها الرزقَ والكَسْبَ الحلالَ[9].
ولهذا -أيضًا- لا يصحُّ أن يجمع لفظُ القرآن؛ لأنَّ القرآن واحد لا يختلف في كل المصاحف، أما المصحف فيَصح جمعه؛ فيقال: (مصاحف)؛ لأن كلَّ واحد منها أو مجموعة تختلف عن الأخرى.
ولهذا -أيضًا- لا يُقال: قرآنُ عثمانَ، أو قرآنُ عليٍّ، أو قرآنُ أُبَيٍّ، وأمَّا المصحف فيصح أن يقال: مصحف عثمان، ومصحف عليٍّ، ومصحف أُبَيِّ بن كعبٍ، ومصحف ابن مسعود رضي الله عنهم؛ لأن هذه المصاحف مِن عملهم دون القرآن.
فائدة في تسميته بالقرآن والكتاب:
وهناك إشارة دقيقة استنبطها بعضُ العلماء من تسميته بالقرآن والكتاب؛ فقال: رُوعي في تسميته قرآنًا كونه مَتْلُوًّا بالأَلْسُنِ، كما رُوعي في تسميته كتابًا كونه مُدَوَّنًا بالأقلام، فكِلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارةٌ إلى أنَّ من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع واحد، أعني: أنه يجبُ حفظه في الصُّدُور والسُّطور جميعًا؛ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقةَ لنا بحفظِ حافظٍ حتى يُوافق الرسم المُجمع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وُضِع عليها أَوَّلَ مَرَّةٍ، ولا ثقةَ لنا بكتابةِ كاتبٍ حتى يُوافق ما هو عند الحُفَّاظِ بالإسنادِ الصحيحِ المُتواترِ.
وبهذه العنايةِ المُزدوجةِ التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها، بقي القرآن محفوظًا في حِرْزٍ حَرِيزٍ[10].
وفيه إشارة -أيضًا- إلى أن يظلَّ القرآن مقروءًا بالعين من (الكتاب)، ومسموعًا بالأُذن من (القرآن)، وفي ذلك قوةُ حُجَّةٍ على العِباد بشهادة السمع والبصر.
لعلوم القرآن معنيان: معنى إضافي، ومعنى عَلَم على الفَنِّ المُدَوَّنِ؛ وإليك بيان ذلك:
اعلم أن الإضافة بين (علوم) و(القرآن) تشير إلى أنواع العلوم والمعارف المتصلة بالقرآن الكريم؛ سواء كانت خادمة للقرآن بمسائلها أو أحكامها أو مفرداتها، أو أن القرآن دلَّ على مسائلها أو أرشد إلى أحكامها، فيشمل كلَّ عِلْمٍ خَدَمَ القرآنَ أو استند إليه؛ كعلم التفسير، وعلم التجويد، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلم الفقه، وعلم التوحيد، وعلم الفرائض، وعلم اللغة، وغير ذلك.
بل تَوَسَّعَ بعضُ العلماء فعَدَّ منها علمَ الهيئة والفلك والجبر والهندسة والطب وغيرها[11]؛ والحقُّ أنه وإن كان القرآن الكريم يدعو إلى تَعَلُّمِها إلا أنه لا يَجْمُلُ عَدُّها من علوم القرآن؛ لأن هناك فرقًا كبيرًا بين الشيء يحثُّ القرآن على تعَلُّمِه في عُمومياته أو خصوصياته وبين العِلم يدلُّ القرآن على مسائله أو يرشد إلى أحكامه[12].
وبهذا يظهر لك أن علوم القرآن بالمعنى الإضافي تشملُ كلَّ العُلوم الدِّينية والعَرَبية.
ثم نُقِلَ المعنى الإضافي وجُعِل عَلَمًا على الفَنِّ المُدَوَّنِ، وأصبح مدلولُه كَفَنٍّ مُدَوَّنٍ أخصَّ من مدلوله بالمعنى الإضافي.
ويُعَرَّفُ علومُ القرآن كفَنٍّ مُدَوَّنٍ بأنه: مباحثُ تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزولِه وجَمْعِه وقِرَاءاته وتفسيرِه وناسخه ومنسوخه وأسبابِ نُزُولِه ومَكِّيِّه ومَدَنِيِّه، ونحو ذلك.
ويُسَمَّى هذا العلمُ بـ(أصول التفسير)؛ لأنه يتناولُ العلومَ التي يُشترط على المُفسِّر مَعرفتُها والعلمُ بها.
هو القرآن الكريم من أيَّةِ ناحية من النواحي المذكورة في التعريف[13].
علوم القرآن الكريم من أفضل العلوم وأشرفها وأَسْماها؛ كما قال ابنُ الجَوْزِيِّ رحمه الله: (لما كان القرآن العزيز أشرف العلوم كان الفهم لمعانيه أوفَى الفُهوم؛ لأنَّ شَرَفَ العِلم بشرفِ المَعْلُومِ)[14].
1- تيسيرُ تفسيرِ القرآن الكريم؛ فهي مفتاحُ باب التفسير، ولا يصح لأحدٍ أن يُفَسِّرَ القرآنَ الكريمَ قبل أن يَتَعَلَّمَ علومَ القرآن[15].
2- معرفةُ الجهودِ العظيمةِ التي بَذَلها السلفُ لدراسة القرآن الكريم، وعنايتِهم الكبرى به وبعلومِه التي كان لها الأثر في حفظه من التغيير والتبديل.
3- التسلُّح بمجموعة من المعارف القَيِّمَةِ التي تُمَكِّن مِن الدفاع عن هذا الكتاب العزيز ضِدَّ مَن يتعرَّضُ له من أعداء الإسلام، ويَبُثُّ الشُّكُوكَ والشُّبهات في عقائده وأحكامه وتعاليمه.
4- الثقافة العالية العامَّة في القرآن الكريم.