نشأة علوم القرآن وتطورها
حين نزل جبريلُ على الرسول ﷺ في غارِ حِرَاء بصدرِ سورةِ (اقْرَأْ)؛ نزل عليه الصلاة والسلام وذهبَ إلى زوجته خديجةَ رضي الله عنها، وأخبرها بما حدث في الغار، وتلا عليها الآياتِ مِن حفظِه.
وحين أمر الله عز وجل نَبِيَّه بأن يَصْدع بما يُؤمر، وأن يُعلن الدعوة إلى الإسلام- امتثل الرسولُ ﷺ الأمرَ؛ فدعا الناسَ إلى الإسلام، وأقبل مَن أسلم منهم على القرآن الكريم يَتْلُونَه حقَّ التلاوة، ويجتمعون في دار الأَرْقَمِ بن أبي الأَرْقَمِ لحفظه وتدبُّر آياته، وكانوا عَرَبًا خُلَّصًا يفهمون القرآن بمقتضى السَّلِيقة العربية، فإن أُشكل عليهم معنى أو غَمض عليهم مَرْمًى سأل بعضُهم بعضًا؛ فقد يكون أحدُهم أعلمَ من الآخر، فإن أُشكل عليهم سألوا الرسولَ ﷺ فبَيَّنه لهم.
وبهذا ندرك أن علوم القرآن نشأتْ منذ وقتٍ مُبَكِّر في الإسلام، بل منذ أشرقت شمسُ الإسلام؛ ذلكم أنَّ حفظَ القرآنِ وتلاوتَه وتدبُّرَه وتفسيرَه من أهمِّ عُلوم القرآن الكريم.
في عهد الصحابة رضي الله عنهم:
[أسباب عدم تدوين علوم القرآن في عهد الصحابة]
وإذا نظرنا إلى حال الصَّحابة -رضوان الله عليهم- وجدناهم يتعلَّمون علومَ القرآن مُشافهةً، ولم يُعرف عندهم تدوينٌ لعلوم القرآن لِعِدَّةِ أسبابٍ أهمُّها:
1- أن أغلبَ الصحابة كان أُمِّيًّا لا يَعرف القراءةَ ولا الكتابةَ.
2- أنَّ أدواتِ الكتابة لم تَكن مُتوافرة عندهم.
3- أنَّ الرسول ﷺ نهاهم عن كتابة شيءٍ غيرِ القرآن بقوله ﷺ: «لا تَكتبوا عَنِّي، ومَنْ كَتَبَ عَنِّي غيرَ القرآن فَلْيَمْحُه»[1].
ويعتقد بعضُ الناس أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما نهى الصحابة عن كتابة شيءٍ غير القرآن خشيةَ أن يَلتبس بغيره؛ ويظهر لي -والله أعلم- أن هذا ليس بصحيح، ذلكم أنَّ القوم كانوا ذوي ذكاء في القَريحة وتَذَوُّقٍ للبيانِ وتقدير للأساليب ووزنٍ لما يَسمعون بأدقِّ المعايير، ويدركون إعجاز القرآن الكريم -بمجرد سماعه- إدراكًا تامًّا يأخذ منهم بالألباب ويُسيطر منهم على الأفئدة؛ فأنَّى لهم أن يختلط عندهم بغيره من كلام البشر، بل العلة في ذلك أنه ﷺ أراد توزيع مسئولية التبليغ عنه على جميع الصحابة، ولو أُذن للكُتَّاب بالكتابةِ لاعتقد الأُمِيُّون أن مسئوليةَ التبليغ مقصورةٌ على الكُتَّابِ الذين يحتفظون عندهم بالنصوص الشرعية، وأنَّ ذِمَّتَهم هم بريئة، فلما نهى الرسول ﷺ مَن يكتب عنه كتابةً غيرَ القرآن أصبح الصحابةُ كُلُّهم سَوَاسِيَةً في التَّلَقِّي عن الرسول ﷺ؛ لا يتميزُ مَن يكتب عَمَّن لا يكتب، وأصبحت الدعوةُ إلى الله يشترك فيها الجميع، وخيرٌ للدَّعوة أن ينشرها كلُّ الصحابة مِن أن يَقتصر أمرُها على عددٍ من الكُتَّاب.
[اختلاف الأمر في تدوين القرآن]
فإن قُلْتَ: إن كان الأمر كذلك فَلِمَ أَذِن لهم الرسولُ ﷺ بكتابة القرآن؟
قلت: إن تبليغَ القرآنِ لا يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على تبليغ غيره، فلن يعتقد الأُميُّون منهم أن تبليغه واجب على الكُتَّاب فحسب، فهم يَقرؤونه سِرًّا وجهرًا في بيوتهم وفي مساجدهم، وفي خَلَواتِهم وفي مجتمعهم وفي صلواتهم؛ فلتبليغه وسائلُ كثيرةٌ لا تتحقق لغيره، ولا تقتصر على الكُتَّاب دون الأُمِّيين، فالجميع يتلوه ويقوم به آناء الليل وأطراف النهار، فلن يَتَّكِلَ الأُمِيُّون في تبليغه على الكُتَّاب؛ لإدراكهم أن الجميع مكلَّف بتلاوته في السطور وحفظه في الصدور.
ولهذا تَغَلَّب الصحابة -رضوان الله عليهم- على الأسباب السابقة المانعة من تدوين علوم القرآن بما حَقَّقُوه للقرآن، وذلك بالاعتماد على قوة الحافظة؛ فحفظوا علوم القرآن كما يحفظون الآيات.
أخرج الطبريُّ عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: «كان الرجلُ مِنَّا إذا تَعَلَّمَ عَشْرَ آياتٍ لم يجاوزهنَّ حتى يَعرف معانِيهِنَّ والعملَ بِهِنَّ»[2].
وروى أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: «حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تَعَلَّمُوا عشر آيات لم يُخَلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل؛ فتَعَلَّمْنا القرآنَ والعملَ جميعًا»[3].
ويقول عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه: «واللهِ الذي لا إله غيره، ما نزلت سورةٌ من كتابِ الله إلا أنا أعلمُ أين نزلت، ولا أُنزلت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم فِيمَ أُنزلت؟ ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله -تَبْلُغُه الإبلُ- لركبتُ إليه»[4].
ويقول عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه وهو على المنبر: «سَلُوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتُكم، وسَلُوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أَبِلَيْلٍ نَزَلَتْ أم بنهارٍ، أم في سَهْلٍ أم في جَبَلٍ؟»[5].
والنصوص في ذلك كثيرة كلها تثبت أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لم يكتفوا بحفظ نصوص القرآن الكريم فحسب؛ بل حفظوا معها علومه ومعارفه.
واشتهر كثيرٌ من الصحابة بتفسير القرآن؛ منهم: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وابن الزُّبير، وأُبَيُّ بن كَعْبٍ، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وعائشة[6] رضي الله عنهم.
وكثرت الرواية في التفسير عن عليِّ بن أبي طالب وابنِ عباس وابنِ مسعود وأُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه.
ولم يتكلف الصحابةُ -رضوان الله عليهم- التفسيرَ، ولم يخوضوا فيما لا فائدة كبيرة في تحصيله، ولم يكن تفسيرُهم يشملُ القرآنَ كلَّه؛ فبعض الآيات من الوضوح لديهم بحيث لا تحتاج إلى بيانٍ؛ لمعرفتهم للغة وأحوال المجتمع وأسباب النزول وغير ذلك، وقد كانوا يهتمون بنشر علوم القرآن بالرواية والتلقين لا بالكتابة والتدوين.
في عهد التابعين رحمهم الله تعالى:
وحين اتَّسَعتِ الفتوحات الإسلامية انتشر الصحابة -رضوان الله عليهم- في البُلدان المفتوحة؛ يُعَلِّمون أهلَها القرآنَ، ويفسِّرون لهم معانيه، وينشرون لهم علومه ومعارفه؛ فبَذَلَه لهم الصحابةُ، وفتحوا لهم صدورهم، وأفسحوا لهم مجالسهم؛ فنشأتْ ما يصحُّ أن نُطلق عليها بالمعنى الحديث (مدارس التفسير)، وهي كثيرة، وأشهرها ثلاثُ مدارس:
مدرسة ابن عباس رضي الله عنهما في مكة:
وهو حَبْرُ هذه الأُمَّةِ وترجمان القرآن، وهو الذي دعا له الرسول ﷺ بقوله: «اللهم فَقِّهه في الدِّين، وعَلِّمْهُ التأويلَ»[7].
ومن أشهر تلاميذه: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جَبْر، وعكرمة مولى ابن عباس، وطاوس، وعطاء بن أبي رباح.
مدرسة أبَي بن كعب رضي الله عنه بالمدينة:
وقد كان رضي الله عنه أحدَ كُتَّاب الوحيِ وإمامَ القُرَّاءِ، شهد له الرسول ﷺ بقوله: «أَقْرَؤُهم أُبَيُّ بن كعبٍ»[8].
ومن أشهر تلاميذه: زيد بن أَسْلَم، وأبو العالية الرِّياحي، ومحمد بن كعب القُرَظي.
مدرسة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الكوفة:
وهو أول مَن جهر بالقرآن بمكة وأسمعه قريشًا بعد الرسول ﷺ، قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحَبَّ أن يقرأ القرآنَ غَضًّا كما أُنْزِل فَلْيَقْرَأْهُ على قِراءةِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ»[9]، يعني: ابنَ مسعودٍ.
وأخبر هو عن نفسِه فقال: «واللهِ لقد أخذتُ مِن فِي رسولِ الله ﷺ بِضْعًا وسَبْعِين سُورةً»[10].
ومن أشهر تلاميذه: علقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن شرحبيل، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي.
وأهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الكوفة هم أعلم الناس بالتفسير، كما يقول ابن تيمية رحمه الله: (وأما التفسير فإنَّ أعلمَ الناس به أهلُ مكة؛ لأنهم أصحابُ ابن عباس؛ كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير، وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن ذلك ما تمَيَّزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل زيدِ بن أَسْلَم)[11].
ولم يكن تفسير هؤلاء وغيرهم من الصحابة والتابعين مقتصرًا على علم التفسير بمعناه الخاص، بل كان يشمل مع هذا علمَ غريب القرآن وعلمَ أسباب النزول وعلمَ الناسخ والمنسوخ وعلمَ المكي والمدنيِّ ونحوَ ذلك.
كما لم يكن شاملًا للقرآن الكريم ولا مُدَوَّنًا، وإنما كان بالرِّواية والتلقين.
لم تكن علومُ القرآن بخافيةٍ على العلماءِ المُبَرَّزِين قبل التدوين، بل كانت مجموعة في صدورهم، إلا أن اصطلاح (علوم القرآن) لم يظهر في عناوين مؤلفاتهم إلا في فترة متأخرة؛ حيث ظهر هذا الاصطلاحُ أول ما ظهر في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع الهجري، حيث أَلَّفَ محمدُ بن خلف بن المَرْزُبان (تـ: 309هـ) كتابه (الحاوي في علوم القرآن)[12].
واعتقد بعضُ الباحثين أن أول عهد لظهور اصطلاح (علوم القرآن) هو بداية القرن الخامس حين أَلَّف عليُّ بن إبراهيم الحَوْفِي (تـ: 430هـ) كتابه (البرهان في علوم القرآن) وهذا غير صحيح؛ لأن اسم كتاب الحَوْفِي (البرهان في تفسير القرآن)[13]، ولأنه ظهرت كتبٌ في القرن الذي قبله تناولت علوم القرآن بمعناها المُدَوَّن، وأسبقها ما ذكرت لابن المَرْزُبان وغيره.
أهم المؤلفات في علوم القرآن (كَفَنٍّ مُدوَّن) قديمًا:
وقد ظهرت مؤلفاتٌ كثيرة بعد ذلك في علوم القرآن كَفَنٍّ مُدَوَّنٍ؛ ففي القرن الرابع الهجري[14] ألَّف أبو الحسن الأشعري (تـ: 324هـ) كتابه (المُختزن في علوم القرآن)[15]، وألَّف عبيدُ الله بن جَرْوٍّ الأسدي (تـ: 387هـ) كتابه (الأَمَد في علوم القرآن)[16]، وألَّف محمد بن علي الأُدْفُوِي (تـ: 388هـ) كتابه (الاستغناء في علوم القرآن)[17].
وفي القرن السادس الهجري ألَّف ابنُ الجوزي (تـ: 597هـ) كتابه (فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن)[18]، و(المُجْتَبى في علوم القرآن)[19]، و(المُجْتَنَى من المُجْتَبى)[20].
وفي القرن السابع الهجري ألَّف القَزْوِينيُّ (تـ: 625هـ) كتابه (الجامع الحَرِيزُ الحاوي لعلوم كتاب الله العزيز)[21]، وألَّف أبو شامَة المقدسي (تـ: 665هـ) كتابه (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز)[22].
وفي القرن الثامن الهجري ألَّف بدر الدين الزَّرْكَشي (تـ: 794هـ) كتابه (البرهان في علوم القرآن)، وطبع في أربعة مجلدات بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، وهو من أفضل المؤلفات في علوم القرآن الكريم، ومن أحسنها تنظيمًا وتبويبًا وأسلوبًا، وألَّف ابنُ تيمية (تـ: 728هـ) كتابه (مقدمة في أصول التفسير) وهي مع إيجازها قيمة جدًّا، وطُبِعت مِرَارًا.
وفي القرن التاسع الهجري ألَّف أبو علي الحسين بن علي بن طلحة الرجراجي الشوشاوي كتابه (الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة)؛ طبع في جزء بتحقيق إدريس عزوزي.
وفي القرن العاشر الهجري ألَّف جلال الدين السيوطي (تـ: 911هـ) كتابه (التحبير في علوم القرآن)[23] ذكر فيه (102) نوعًا من علوم القرآن، ثم ألَّف كتابه القيم (الإتقان في علوم القرآن) ذكر فيه ثمانين نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال والدمج، ثم قال بعد سردها: (ولو نَوَّعت باعتبار ما أدمجته في ضمنها لزَادَتْ على الثلاثمائة)[24]، وقد طُبِع الكتاب عدة مرات[25]، ويُعَدُّ هذا الكتاب أصلًا من الأصول المؤلَّفة في هذا العلم، ولئن قيل: إن المفسرين عيالٌ على تفسير الطبري؛ فإنَّ علماءَ علوم القرآن عيالٌ على (الإتقان)، وقد استفاد السيوطيُّ كثيرًا من كتاب (البرهان) للزركشي.
وفترت همَّةُ التأليف بعد ذلك، بل قال بعض العلماء: إن التأليف في تلك الفترة تَوَقَّفَ أو كاد[26]، وظهرت مؤلفاتٌ معدودة مثل: (الفوز الكبير في أصول التفسير) تأليف ولي الله الدهلوي (تـ: 1176هـ)[27]، وألَّف ابنُ عَقيلَة (تـ: 1150هـ) كتابه (الزِّيادة والإحسان في علوم القرآن)[28].
المؤلفات في علوم القرآن بمعناه المُدَوَّن في العصر الحديث:
وقد نشط التأليفُ في العصر الحديث؛ فصَدَرت مؤلفاتٌ كثيرة وأبحاث عديدة ليس المقامُ مقامَ إيرادها ولا حصرها، ولعلَّ من أشهرها:
1- (مناهل العرفان في علوم القرآن): للشيخ محمد عبد العظيم الزُّرقاني، وطُبِع في مجلدين، وهو بحقٍّ مِن أفضل المؤلفات في هذا العلم، فهو إضافة إلى اشتماله على كثير من علوم القرآن؛ فقد اعتنى صاحبه بالردِّ على الشبهات الواردة في كل عِلْمٍ قديمًا أو حديثًا، وهو حين يُوردها يسوق حُججها وبراهينها ثم يَكُرُّ عليها فلا يُبقي لها أثرًا، وإضافة إلى هذا فإنه يقدم هذه العلوم بأسلوب أدبيٍّ يشدُّك إليه شدًّا حتى لتحسب نفسك -وأنت تخوض عويص القضايا- تقرأ قطعة أدبية، ولست أعني بهذا سلامته من كل عيب؛ ففيه أخطاء علمية وانحرافات عقدية تَتَبَّعها أحدُ الباحثين[29] في رسالة علمية، إضافة إلى تقريره المذهب الأشعري.
2- (المدخل لدراسة القرآن الكريم): للدكتور محمد محمد أبو شُهبة، ألَّفه لطلبة الدراسات العليا في الجامعة الأزهرية، ويقع في مجلد تَبلغ صفحاتُه نحو خمسمائة صفحة.
3- (مباحث في علوم القرآن): للدكتور صبحي الصالح، ألَّفه لطلبة كلية الآداب بجامعة دمشق، ويقع في نحو ثلاثمائة صفحة.
4- (مباحث في علوم القرآن) للشيخ مَنَّاع القَطَّان، ويقع في نحو ثلاثمائة صفحة، وقال في مقدمته: (كانت طبعته الأولى استجابة لرغبة بعض إخواننا في تقديم أبحاث مختصرة عن أهمِّ مباحث علوم القرآن، يستطيع شبابنا المسلم الذي لا يتيسر له التعمق في الدراسات الإسلامية أن يجد فيها من الثقافة اللازمة له ما يَكفيه مؤنة البحث في مراجع هذا العلم، ويُجَنِّبه عناءَ فهم أساليبها)[30]، وقد أصاب وَفَّقَه الله؛ فقد سدَّ كتابُه هذا ثغرةً في حاجة طلبة العلم.
5- (التِّبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن على طريقة الإتقان): تأليف الشيخ طاهر الجزائري، وهي مباحث انتخبها الجزائريُّ انتخابَ العالمِ الذَّوَّاقة والمُحَقِّق المُتْقِن، اعتنى بنشرها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.
6- (منهج الفرقان في علوم القرآن): تأليف الشيخ محمد علي سلامة؛ ألَّفه لطلابه في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وطُبِع في جزءين صغيرين بتحقيق: د. محمد سيد أحمد المسير، تبلغ صفحاتهما نحو (360) صفحة.
7- (علوم القرآن) للدكتور عدنان زرزور، وهو محاضرات ألقاها على طلابه، ويقع في مجلدٍ تبلغ صفحاته (460) صفحة.
هذه بعض المؤلفات في العصر الحديث في علوم القرآن كَفَنٍّ مُدوَّنٍ، والمؤلفات غيرها كثيرة، ولعلك تلاحظ أن أغلبها قد أَلَّفها أصحابُها لطلابهم، وأحسب أن هذا يؤدي إلى الإجمال في الحديث وتيسير المادة وعدم الخوض في دقائق المسائل ووَعِرِ المسالك، واختيار السبيل الأسهل والأيسر، وهذا المنهج يَحرم الباحثين المتخصصين من نَيْلِ مُرادهم والحصول على بُغيتهم، كما يحرم المؤلفين من الإبداع في القول ومن إعمال الذهن والتجديد في الآراء، بل أَدَّى بهم إلى التسليم في كثيرٍ من المسائل والقضايا ونَقْلِها كما هي من غير تمحيصٍ؛ خشيةَ من الدخول في تفاصيل تخرج به عن هدفه من التأليف.
والحقُّ أن كثيرًا من المباحث في علوم القرآن لا تزال بحاجة إلى النظر في مسائلها، وإعادة الكتابة فيها، وعدم الاكتفاء والتَّسْليم بما قاله فُلَانٌ وفُلَانٌ من غير دليل، وعلوم القرآن أوسعُ من أن يُحيط بها أبناءُ جِيلٍ أو أجيال من البشر.
ومما لا شكَّ فيه أن التاريخ كلَّه لا يعرف كتابًا دَرَسه الدَّارسِون وأَلَّف في علومه المؤلفون وصنَّفَ فيه المُصَنِّفون مثل القرآن الكريم، ولا تزال المؤلفاتُ تُدَوَّن، ولا يزال العلماء يبحثون ويتدبرون، ولا يزال القرآن نقيًّا لم تُكَدِّرْه الدِّلاءُ، وفائضًا لم تَنْقُصْه كثرةُ الوارِدين، وسيظل نورًا يَستضيء به طُلَّابُ الحقيقة وهُدًى يَهتدي به الناسُ إلى يوم القيامة.