ترتيب سور القرآن الكريم وآياته
هذا مبحث مهم من المباحث الجليلة أَوْلَاه العلماءُ اهتمامهم وعنايتهم، وزادت قيمته ومكانته حين ظهر الاتجاه الحديث في الدراسات القرآنية بتناول السور القرآنية مُستقلة بناء على الوحدة الموضوعية، وأنَّ كلَّ سورةٍ ذاتُ هدفٍ مُعيَّنٍ وغرض أساس أُنزِلت لأجله، وأكَّدُوا على هذا المعنى باعتباره مدخلًا لفهم معانيها وكشف أسرارها وحِكَمِها، ثم بنوا على ذلك الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم، وبيان المناسبات بين الآيات والسور.
وتقسيمُ القرآن إلى سور وآيات من خصائصه التي لا يشاركه فيها كتاب آخر؛ قال الجاحظ: (سَمَّى اللهُ كتابه اسمًا مخالفًا لما سمَّى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل؛ سمى جُملته قرآنًا، كما سمَّوْا دِيوانًا، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضها آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية)[1].
السُّور: جمع سُورة، وفي نطق (السورة) لغتان:
أولاهما: (السُّؤْرة) بالهمزة مشتقة من (أسأر) أي: أبقَى، (والسُؤر): البقية التي تبقى من شرب الشارب في الإناء، وسُمِّيت سُؤرة كأن السؤرة بقية جملة القرآن وقطعة منه.
ثانيهما: (السورة) بدون همز، ومعناها في اللغة: المَنزلة والشَّرف، وما طال من البناء وحسن، والعلامة، وسُميت السورةُ سورة؛ لارتفاعها وشرفها وكونها علامة على صدق مَن جاء بها، ودليلًا على أنَّ هذا القرآن من عند الله، وهي تُشْبِه السُّورَ من وجهين:
الأول: أنَّ السُّور له عُلُوٌّ حسِّيٌّ، والسورة لها عُلُوٌّ معنويٌّ.
الثاني: أنَّ السُّورَ يقوم بناؤه على لَبِنَات بعضها فوق بعض، والسورة يقوم بناؤها على آياتٍ يتبع بعضها بعضًا.
أمَّا في الاصطلاح: فهي طائفة مستقلة من آيات القرآن ذات مطلع ومقطع.
معرفة سور القرآن الكريم من حيث بداية كل سورة ونهايتها توقيفيٌّ لا مجال للاجتهاد فيه.
قال الزركشيُّ رحمه الله: (اعلم أنَّ عدد سور القرآن العظيم باتفاق أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ مائة وأربع عشرة سورة كما هي في المصحف العثماني، أولها الفاتحة وآخرها الناس، وقال مجاهد: وثلاث عشرة بجعل الأنفال والتوبة سورة واحدة لاشتباه الطرفين وعدم البسملة، ويَرُدُّه تسميةُ النبي ﷺ كلًّا منهما)[2].
تنقسم سور القرآن من حيث تعدد الاسم وعدمه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما له اسمٌ واحدٌ، وهو أكثر سور القرآن؛ مثل: النساء، الأعراف، الأنعام، مريم، وغيرها.
الثاني: ما له أكثرُ من اسمٍ، ويشمل هذا النوع سورًا لها اسمان؛ كسورة (محمد) ﷺ حيث تُسمى (القتال)، وسورة (الجاثية) تسمى (الشريعة)، وسورة (النحل) تسمى (النِّعم)؛ لما عَدَّد الله فيها من النِّعم على عباده[3].
ويشمل سورًا لها ثلاثة أسماء مثل: (المائدة) وتسمى (العقود) و(المنقذة)[4]، ومثل سورة غافر وتسمى (الطَّوْل) و(المؤمن)[5].
ويشمل سورًا لها أكثر من ثلاثة أسماء مثل: سورة التوبة، ومن أسمائها (براءة) و(الفاضحة) و(الحافرة)، وقال حذيفة: «هي سورة العذاب»، وقال ابن عمر: «كنا ندعوها: المُشقْشِقَة»، وقال الحارث بن يزيد: كانت تُدعى (المُبَعْثِرة)، ويقال لها: (المُسَوّرة) ويقال لها: (البَحُوث)[6].
وكسورة الفاتحة فقد ذكر السيوطيُّ لها خمسة وعشرين اسمًا؛ منها: (أمُّ الكتاب)، و(أمُّ القرآن)، و(السبع المثاني)، و(الصلاة)، و(الحمد) و(الوافية)، و(الكنز)، و(الشافية)، و(الشفاء)، و(الكافية) و(الأساس)[7].
الثالث: أن تُسمَّى عِدَّةُ سورٍ باسم واحدٍ، ومن ذلك تسمية البقرة وآل عمران بـ(الزَّهْرَاوَيْن)، وتسمية سُورَتَي الفلق والناس بـ(المُعَوِّذتين)، وتسمية السور المبدوءة بـ(حم) بـ(الحواميم).
اختلف العلماءُ في مصدر أسماء سور القرآن الكريم:
1- قيل: إنها اجتهادية، واستبعد الزركشيُّ ذلك[8].
2- قيل: إنها توقيفية، وهو الراجح؛ قال السيوطي: (وقد ثبت جميعُ أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار)[9].
روى واثلةُ بن الأَسْقَع أن النبي ﷺ قال: «أُعطيت مكان التوراة السَّبْعُ، وأُعطيت مكان الزَّبُور المِئِين، وأُعطيت مكان الإنجيل المَثاني، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّل»[10].
وعلى هذا، فإن سور القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام:
- الأول: الطِّوال، وهي سبع:
البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، واختُلف في السابعة فقيل: (الأنفال والتوبة) معًا؛ لأنهم كانوا يَعدونها سورة واحدة لعدم الفصل بينهما بالبسملة، وقيل: إنَّ السابعة هي سورة يونس؛ والصواب أن سورة التوبة وحدها أولى من سورة يونس.
- الثاني: المِئون:
وهي ما يلي السبع الطوال، سُميت بذلك؛ لأنَّ كل سورة منها تزيد على مائة آية أو تقاربها.
- الثالث: المثاني:
وهي ما يلي المِئين، وسُميت بذلك؛ لأنها تُثَنَّى في الصلاة وتُكَرَّر أكثر من الطِّوَال والمِئين.
- الرابع: المُفصَّل:
وهو ما يلي المثاني من قِصار السور إلى آخر القرآن، وسُمِّي بالمُفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة، وقيل: لقلَّة المنسوخ منه، ولهذا يُسمى بالمُحْكَم أيضًا، كما روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: «إن الذي تَدْعُونه المُفصَّل هو المُحْكَم»[11].
وقد اختلف العلماءُ في أوله فقيل: من أول سورة (قٓ)، وقيل: من أول (الحجرات)، وقيل: من أول (القتال)، وذكر الزركشي والسيوطي اثني عشر قولًا في ذلك[12].
وينقسم المفصل إلى ثلاثة أقسام:
أ- الطوال: من أوله إلى سورة (البروج).
ب- وأوسـاطه: من سورة (الطارق) إلى سورة (البينة).
جـ- وقصاره: من (الزلزلة) إلى آخر القرآن.
وفي سورة الفاتحة خلاف؛ فقيل: من أوله، وقيل: من المفصل[13].