التفسير بالرأي وأهم المؤلفات فيه
تعريفه: هو تفسير القرآن بالاجتهاد.
أقسامه: ينقسم التفسير بالرأي إلى قسمين:
الأول: التفسير بالرأي المحمود:
وهو التفسير المُستَمدُّ من القرآن ومن سُنَّةِ الرسول ﷺ، وكان صاحبه عالمًا باللغة العربية وأساليبها وبقواعد الشريعة وأصولها.
حكمه:
أجاز العلماء رحمهم الله تعالى هذا النوع من التفسير، ولهم أدلة كثيرة على ذلك منها:
1- قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24] وغيرها من الآيات التي تدعو إلى التدبر في القرآن.
2- دعاء الرسول ﷺ لابن عباس بقوله: «اللهم فَقِّهْهُ في الدِّينِ، وعَلِّمْه التأويلَ»، ولو كان التفسير مقصورًا على النقل ولا يجوز الاجتهاد فيه لما كان لابن عباس مَزِيَّة على غيره.
3- أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في التفسير على وجوه؛ فدلَّ على أنه من اجتهادهم.
وبهذا يظهر أن التفسير بالرأي المحمود جائز، والله أعلم.
الثاني: التفسير بالرأي المذموم:
هو التفسير بمجرد الرأي والهوى.
وأكثر الذين فَسَّروا القرآن بمجرد الرأي هم أهل الأهواء والبدع؛ الذين اعتقدوا معتقدات باطلة ليس لها سند ولا دليل، ففسروا آيات القرآن بما يُوافق آراءهم ومعتقداتهم الزائفة، وحملوها على ذلك بمجرد الرأي والهوى، وهذا النوع من التفسير حرام لا يجوز؛ قال ابن تيمية رحمه الله: (فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرامٌ)[1]، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
1- قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 169]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ ﴾ [الإسراء: 36].
2- حديث: «مَن قال في القرآن بغير علمٍ فليتبوأ مقعده من النار»[2]، وحديث: «مَن قال في القرآن برأيه فأصابَ فقد أخطأ»[3].
أهم المؤلفات في التفسير بالرأي:
والمؤلفات في التفسير بالرأي كثيرة منها:
أولًا: الكَشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري:
مؤلفه:
هو أبو القاسم؛ محمود بن عمر الزمخشري[4] المعتزلي، المُلَقَّب بجار الله، وُلِد سنة (467هـ) في زمخشر من قرى خُوارزم، وبعد أن تلقى العلم رحل إلى مكة، وألَّف فيها تفسيره (الكشاف) ثم عاد إلى خوارزم، وتوفي فيها سنة (538هـ)، وهو إمام من أئمة اللغة، لا يَأنف من انتمائه إلى الاعتزال بل يُجاهر به، ويدعو إليه، ومن مؤلفاته: (أساس البلاغة) و(الفائق في غريب الحديث) و(المُفصَّل) في النحو وغيرها.
تفسيره:
اعتنى الزمخشريُّ في تفسيره هذا ببيان وجوه الإعجاز القرآني وإظهار جمال النظم وبلاغته، وخلا هذا التفسير من الحَشو والتطويل، وإيراد الإسرائيليات إلا القليل.
والزمخشري قليل الاستشهاد بالحديث، ويورد أحيانًا الأحاديث الموضوعة، خاصة في فضائل السور.
وملأ تفسيره بعقائد المعتزلة والاستدلال لها، وتأويل الآيات وَفْقَها، ويدسُّ ذلك دسًّا لا يُدركه إلا حاذق، حتى قال البُلْقِيني: (استخرجتُ من الكشاف اعتزالًا بالمَناقيش)[5].
وهو شديدٌ على أهل السنة والجماعة، ويَذكرهم بعبارات الاحتقار، ويرميهم بالأوصاف المُقذعة، ويَمزج حديثه عنهم بالسخرية والاستهزاء[6].
ولهذه الأمور وغيرها نبَّه كثيرٌ من العلماء إلى أخذ الحيطة والحذر عند المطالعة في تفسيره أو النقل منه؛ فقال الإمام الذهبي: (محمود بن عمر الزمخشري المفسر النحوي صالح؛ لكنه داعية إلى الاعتزال -أجارنا الله- فكُنْ حَذِرًا من كشَّافه)[7]، وقال عليّ القاري: (وله دسائسُ خَفِيت على أكثر الناس، فلهذا حرَّم بعضُ فقهائنا مطالعة تفسيره لما فيه من سوء تعبيره في تأويله وتعبيره)[8].
وينبغي لمن أراد أن يقرأ فيه أن يَرجع لكتاب (الإنصاف فيما تضمنه الكشَّاف من الاعتزال) لابن المنير، وهو مطبوع مع (الكشاف)، وفيه كشف لاعتزالِيَّاته وضلالته.
ثانيًا: مفاتيح الغيب لفخر الدين الرَّازي:
مؤلفه:
أبو عبد الله؛ محمد بن عمر الرَّازي، المُلَقَّب بفخر الدِّين[9]، وُلِد في الرَّي سنة (544هـ)، وتُوُفِّي في هَرَاة سنة (606هـ)، جمع كثيرًا من العلوم؛ فكان إمامًا في التفسير وعلوم الكلام، وكان طبيبًا حاذقًا، وقد ندم على الاشتغال بعلم الكلام، وكان يقول: ليتني لم أشتغل بعلم الكلام، ثم يبكي[10].
ومن مؤلفاته: (مفاتيح الغيب)، و(المحصول في علم الأصول)، و(نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز)، و(مسائل الطب)، وغير ذلك.
التفسير:
يُعدُّ تفسير (مفاتيح الغيب) أوسع التفاسير في علم الكلام؛ فقد تأثر كثيرًا بالعلوم العقلية، فتوسع فيها، وسلك في تفسيره مسلك الحكماء والفلاسفة وعلماء الكلام، واستطرد في العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية والمسائل الطبية، وملأ تفسيره بهذه العلوم، حتى قيل عنه: (فيه كل شيء إلا التفسير)[11].
ومما يُعاب عليه أنه يَبسط دلائل أهل البدع والفرق المخالفة لأهل السُّنَّة بَسْطًا لا مزيد عليه، ثم يرد عليها ردًّا غاية في الوهاء حتى قال بعض العلماء: إنه (يورد الشُّبَه نقدًا، ويَحُلُّها نَسِيئة)[12].
ولم يُتم الرازي تفسيره هذا، بل قيل: إنه بلغ في التفسير إلى سورة الأنبياء، ثم جاء تلميذه الخُوَيِّي فشرع في تكملته ولم يُتمه، وأتمه نجم الدين القَمُولي، وقيل: إن الخُوَيِّي أكمله، وكتب القَمُولي تكملة أخرى غيرها، ولا يكاد القارئ يَلحظ تفاوتًا بين أساليبهم[13].وقد طُبِع هذا التفسير في (32) جزءًا، وتقع في (16) مجلدًا كبيرًا.
ثالثًا: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنَّان لابن سعدي:
مؤلفه:
هو عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي[14]، ولد في عنيزة في القصيم سنة (1307هـ)، توفي والده وهو صبي فكفلته زوجة أبيه، وأدخلته مدرسة تحفيظ القرآن، فحفظه في الرابعة عشرة من عمره، واشتغل في طلب العلم؛ فقرأ الكتب، وحفظ المتون، ثم تصدَّى للتعليم ونشر العلم حتى ذاع صِيتُه.
ومن مؤلفاته: (تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن)، وهو خلاصة لهذا التفسير، و(القواعد الحِسان لتفسير القرآن) و(التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية من المباحث المنيفة) و(الفواكه الشهية في الخطب المنبرية)، توفي رحمه الله في عنيزة سنة (1376هـ).
التفسير:
يقع هذا التفسير في سبعة مجلدات، ثم طُبِع في مجلد واحد، ومع هذا فهو تفسير يَميل إلى الإيجاز مع وضوح المعنى، ويعتمد المعنى الإجمالي للآيات حيث يُورد مجموعة من الآيات، ثم يفسرها آية آية، وقد يتحدث عنها إجمالًا ثم تفصيلًا موجزًا، ويُعْرِض عن الإسرائيليات، ويستطرد أحيانًا في ذكر فوائد الآيات وما تدل عليه من الأحكام الشرعية والهدايات القرآنية.