الإعجازُ العلميُّ:
القرآنُ الكريمُ كلامُ اللهِ، والكونُ كلُّه من خلقِ اللهِ، ولا يشكُّ مؤمنٌ في التطابقِ التامِّ بين كلامِ اللهِ تعالى وبينَ حقائقِ هذا الكونِ ونظامِه.
ولا ريبَ أن المؤمنَ حين يقرأُ اكتشافًا علميًّا جديدًا أثبتَه العلماءُ بالبرهانِ القاطعِ، ثم يجدُ ذلك مذكورًا في القرآنِ أو ما يوافقُه؛ فإنه يشعرُ بزيادةِ الطمأنينةِ القلبيةِ كالتي طلبَها إبراهيمُ عليه السلام، وبفرحٍ وسرورٍ كفرحِ الرسولِ ﷺ بحديثِ الجساسةِ[1].
لكنَّ هذه المقارنةَ أو التوفيقَ بينَ النصِّ القرآنيِّ الكريمِ والاكتشافِ العلميِّ الجديدِ -ينبغي أن تكونَ له ضوابطُه، وأن تكونَ له موازينُه؛ ولهذا وقعَ الاختلافُ بين العلماءِ في التفسيرِ العلميِّ للقرآنِ الكريمِ بينَ مؤيدٍ ومعارضٍ.
يُرَادُ بالتفسيرِ العلميِّ: (اجتهادُ المفسرِ في كشفِ الصلةِ بينَ آياتِ القرآنِ الكريمِ ومكتشفاتِ العلمِ التجريبيِّ، والربطُ بينَهما بوجهٍ من الوجوهِ).
وهذا تعريفُه بما هو عليه، أمَّا تعريفُه بما ينبغي أن يكونَ عليه فهو: (كشفُ الصلةِ بينَ النصوصِ القرآنيةِ وحقائقِ العلمِ التجريبيِّ).
والفرقُ بينَهما أن في الأولِ خلطًا بينَ النظرياتِ والحقائقِ، بحيثُ نجدُ كثيرًا من المفسرين يفسرون القرآنَ بهما من غيرِ تحقيقٍ، وما ينبغي أن يكونَ هو التمييزُ بينَ النظرياتِ والحقائقِ، والاقتصارُ على الثانيةِ دونَ الأولى في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ.
أقوالُ العلماءِ في الإعجازِ العلميّ[2]:
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ مثلَ هذا اللونِ من التفسيرِ في جِدَّتِه وتجددِهِ سيكونُ له خصومٌ، وسيكونُ له أنصارٌ، يلتمسُ كلٌّ منهم دليلًا، ينصرُ به رأيَه، ويؤيدُه به، ثم يكرُّ على دليلِ الخصمِ فيبطلُه.
وقد كانَ هذا الأمرُ في التفسيرِ العلميِّ للقرآنِ الكريمِ منذُ لحظاتِ بزوغِه، ونحن وإن كنَّا لا نعرفُ هذا الحدثَ باليومِ أو بالسنةِ، إلا أن العلماءَ اتفقوا على أنَّ الإمامَ الغزاليَّ (تـ: 505هـ) من أوائلِ المتكلمين في هذا النوعِ من التفسيرِ، وعلى هذا فيكونُ ظهورُه على وجهِ التقريبِ في أواخرِ القرنِ الخامسِ الهجريِّ، واتفقوا أيضًا على أن الغزاليَّ نفسَه أكثرُ منِ استوفى بيانَ هذا القولِ إلى عهدِه[3].
وممَّا لا شكَّ فيه أن الغزاليَّ لم يكنْ وحيدًا في الميدانِ يجولُ ويصولُ، فقد نزلَ معه أنصارٌ ونازلَه خصومٌ، وما زالت المعركةُ قائمةً لم يهدأْ لها بالٌ، ولم تقعدْ لها قائمةٌ، وانقسموا إلى فريقين أو ثلاثةٍ:
1- المؤيدون للتفسيرِ العلميِّ.
2- المعارضون.
3- المعتدلون.
ومن المؤيدين للتفسيرِ العلميِّ: الإمامُ الغزاليُّ، الفخرُ الرازيُّ، الزركشيُّ، السيوطيُّ، البيضاويُّ، نظامُ الدينِ النيسابوريُّ، ومنَ المعاصرين: الألوسيُّ، وطنطاويُّ الجوهريِّ، والإسكندرانيُّ، والكواكبيُّ، ومحمدُ فريدِ وجدي، والرافعيُّ، والقاسميُّ، وغيرُهم.
من أدلةِ المؤيدين للتفسيرِ العلميِّ:
استدلَّ المؤيدون للتفسيرِ العلميِّ بأدلةٍ كثيرةٍ، منها[4]:
1- الاستدلالُ بظاهرِ عمومِ بعضِ الآياتِ:
كقولِهِ تعالَى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ﴾ [الأنعام: 38]، وقولِه سبحانَه: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89]، وقولِه تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ [ق: 6]، وقولِه سبحانَه: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ ﴾ [فصلت: 52]، وغيرِ ذلك من الآياتِ الداعيةِ إلى التفكرِ والتدبرِ في خلقِ اللهِ عزَّ شأنُه.
2- الاستدلالُ بظاهرِ عمومِ بعضِ الأحاديثِ والآثارِ:
كحديثِ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ستكونُ فتنٌ» قيلَ: وما المخرجُ منها؟ قالَ: «كتابُ اللهِ، فيه نبأُ ما قبلَكم وخبرُ ما بعدَكم...» الحديثَ[5].
وما أخرجَه سعيدُ بنُ منصورٍ، عنِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنه قالَ: «من أرادَ العلمَ فعليهِ بالقرآنِ؛ فإن فيه خبرَ الأولين والآخرين»[6].
3- [الاستدلال على صفات الله بالنظر في الكون]
وقالوا: إن اللهَ عز وجل ملأَ كتابَه من الاستدلالِ على العلمِ والقدرةِ والحكمةِ بأحوالِ السمواتِ والأرضِ، وتعاقبِ الليلِ والنهارِ، وكيفيةِ أحوالِ الضياءِ والظلامِ، وأحوالِ الشمسِ والقمرِ والنجومِ، وذكرَ هذه الأمورَ في أكثرِ السورِ، وكررَها، وأعادَها مرةً بعدَ أخرى، فلو لم يكنِ البحثُ عنها والتأملُ في أحوالِهم جائزًا، لما ملأَ اللهُ كتابَه منها[7].
4- أن العلمَ الحديثَ قد يكونُ ضروريًّا لفهمِ بعضِ المعاني القرآنيةِ:
وليسَ هناك ما يمنعُ من أن يكونَ فهمُ بعضِ الآياتِ فهمًا دقيقًا متوقفًا على تقدمِ بعضِ العلومِ، فتكونُ الحقيقةُ العلميةُ من قواعدِ الترجيحِ في التفسيرِ إذا كانَ للآيةِ أكثرُ من معنًى، فيتعينُ أن يُؤْخَذَ بالمعنى الذي تؤيدُه الحقائقُ العلميةُ.
5- تحققُ فوائدَ كثيرةٍ ومنافعَ كبيرةٍ من التفسيرِ العلميِّ:
منها[8]:
أ- إدراكُ وجوهٍ جديدةٍ للإعجازِ في القرآنِ الكريمِ بإثباتِ التوافقِ بينَ حقائقِ القرآنِ الكريمِ وحقائقِ العلمِ.
ب- استمالةُ غيرِ المسلمين إلى الإسلامِ، وإقناعُهم به ببيانِ إعجازِ القرآنِ العلميِّ، وإقامةُ الحجةِ عليهم بذلك.
جـ- امتلاءُ النفوسِ إيمانًا بعظمةِ اللهِ B وعظيمِ سلطانِه وقدرتِه بعدَ الوقوفِ على أسرارِ الكونِ التي كشفَها القرآنُ.
ومنَ المعارضين للتفسيرِ العلميِّ: أبو حيانَ الأندلسيُّ، والشاطبيُّ، ومحمودُ شلتوتٍ، وأمينُ الخوليِّ، وغيرُهم.
واستدلَّ المعارضون للتفسيرِ العلميِّ بأدلةٍ، منها:
1- أنَّ للتفسيرِ شروطًا وقيودًا قرَّرَها العلماءُ ينبغي الالتزامُ بها، فلا يكونُ تفسيرُ القرآنِ مباحًا لكلِّ مَنْ حصلَ علمًا من العلومِ، وغابتْ عنه علومٌ أخرى لا بدَّ منها للمفسرِ، ومن ذلك: عدمُ تحميلِ ألفاظِ القرآنِ معانيَ وإطلاقاتٍ لم توضعْ لها، ولم تُسْتَعْمَلْ فيها.
2- أن القرآنَ الكريمَ كتابُ هدايةٍ وإرشادٍ، وليسَ بكتابِ تفصيلٍ لمسائلِ العلومِ ونظرياتِه، ودقائقِ الاكتشافاتِ والمعارفِ، ومن طلبَ ذلك من القرآنِ، فقد أساءَ فهمَ طبيعةِ هذا القرآنِ ووظيفتِه.
3- أن التفسيرَ العلميَّ مدعاةٌ إلى الزللِ لدى أكثرِ الذين خاضوا فيه منَ المعاصرين؛ لأن عمليةَ التوفيقِ تفترضُ غالبًا محاولةً للجمعِ بينَ موقفينِ يتوهَّمُ أنهما متعاديانِ ولا عداءَ، أو يظنُّ أنهما متلاقيانِ ولا لقاءَ[10].
4- أن تناولَ القرآنِ بهذا المنهجِ يضطرُّ المفسرَ إلى مجاوزةِ الحدودِ التي تحتملُها ألفاظُ النصِّ القرآنيِّ؛ لأنه يحسُّ بالضرورةِ متابعةَ العلمِ في مجالاتِه المختلفةِ، فيتعجلُ تلمسَ المطابقةِ بين القرآنِ والعلمِ تعجلًا غيرَ مشروعٍ.
5- أن ما يُكْشَفُ من العلومِ إنما هو نظرياتٌ وفروضٌ قابلةٌ دائمًا للتغييرِ والتبديلِ، والتعديلِ، والنقضِ، والإضافةِ، بل قابلةٌ لأنْ تنقلبَ رأسًا على عقبٍ؛ ومِنْ ثَمَّ فلا يصحُّ أن نعلِّقَ الحقائقَ القرآنيةَ النهائيةَ بمثلِ تلك النظرياتِ؛ حتى لا نقفَ محرجينَ عند ثبوتِ بطلانِ تلك النظريةِ.
قبلَ أن نذكرَ ما نراه صوابًا يجبُ أن نذكرَ حقيقةً ينبغي إدراكُها، وهي التفريقُ بين التفسيرِ العلميِّ والإعجازِ العلميِّ، فالأولُ هو مثارُ البحثِ والمناقشةِ، وأما الثاني فقضيةٌ مُسَلَّمَةٌ لا نزاعَ فيها.
ذلكم أن المؤيدين للتفسيرِ العلميِّ والمعارضين له أيضًا، كلَّهم بلا استثناءٍ يقرون ويعترفون أن القرآنَ الكريمَ لم ولن يصادمَ حقيقةً علميةً.
لم يقولوا هذا عن عاطفةٍ مجردةٍ، ولم يقلْه أتباعُ القرآنِ فحسبُ، وإنما قالَه أولئك، وقالَه خصومُه أيضًا، بعدَ أن تناولوا آياتٍ عديدةً منه، وقلَّبوها دراسةً وتأملًا وتدبرًا، ونظروا فيما بين أيديهم من النظرياتِ والحقائقِ العلميةِ، حتى انتهوا إلى ما انتهوا إليه.
وقد يحسِبُ أحدٌ أن السلامةَ من مصادمةِ الحقائقِ العلميةِ أمرٌ هينٌ، فما على المتكلمِ إلا أن يتجنبَ الخوضَ في مجالاتِها، ويحذرَ من الوقوعِ في مبهماتِ العلومِ، وغوامضِ المعارفِ، وأسرارِ الكونِ وخفايا العلمِ، وبذا يظفرُ بهذه السمةِ.
والأمرُ حقٌّ لو كانَ القرآنُ سلكَ هذا المسلكَ، لكنه وقد أُنزلَ قبلَ أربعةَ عشرَ قرنًا من الزمنِ، عرضَ لكثيرٍ من مظاهرِ هذا الكونِ كخلقِ السمواتِ والأرضِ، وخَلْقِ الإنسانِ، وسَوْقِ السحبِ وتراكمِه، ونزولِ المطرِ، وجريانِ الشمسِ، وتحدثَ عن القمرِ والنجومِ والشهبِ وأطوارِ الجنين، وعن النباتِ والبحارِ وغيرِ ذلك كثير، ومع ذلك كلِّه لم يُسقطِ العلمُ كلمةً من كلماتِه، ولم يصادمْ جزئيةً من جزئياتِه[12]، فإذا كانَ الأمرُ كذلك، فإن هذا بحدِّ ذاتِه يُعتبرُ إعجازًا علميًّا للقرآنِ، حتى ولو لم يتمَّ الربطُ بينَ الآيةِ والاكتشافِ العلميِّ الحديثِ.
وهذا أمرٌ يدركُه ويقرُّه كلُّ العلماءِ، لا ينكرُه أحدٌ، فالإعجازُ العلميُّ في القرآنِ متحققٌ مُدْرَكُ ثابتٌ، لا خلافَ فيه.
ثم انقسمَ العلماءُ بعد ذلك إلى قسمين: فمنهم من قالَ: ما دام الإعجازُ العلميُّ متحققًا في القرآنِ وثابتًا، فما علينا أن نطبقَه بينَ آياتِه واحدة واحدة وبينَ الحقائقِ العلميةِ واحدة واحدة؟
وامتنعتْ طائفةٌ أخرى عن تطبيقِه، لا خوفًا عليه من النقضِ، وليسَ لخشيةٍ على حقائقِه؛ ولكن لعدمِ الثقةِ في مدارِكنا نحنُ البشرَ، فقد نحسبُ نظريةً علميةً حقيقةً علميةً، فما تلبثُ إلا قليلًا حتى تتقوضَ بعد رسوخٍ، وتتزعزعَ بعد ثبوتٍ، ولاتَ حينَ مناصٍ، نقعُ في الحرجِ الشديدِ، فيُكَذَّبُ القرآنُ وهو الصادقُ، فتكونُ البليةُ، فالعيبُ والنقصُ في مداركِنا، وليس في حقائقِ القرآنِ.
وبهذا تدركُ أن الجميعَ يقولُ بالإعجازِ العلميِّ في القرآنِ، لكن منهم من قالَ بجوازِ التفسيرِ العلميِّ، ومنهم من منعَه، والذي نراه صوابًا هو الوسطُ بينَ الفريقينِ.
فلا رفضَ ولا إنكارَ للتفسيرِ العلميِّ يمنعُ من إدراكِ وجوهِ الإعجازِ الجديدةِ، ويدفعُ مزاعمَ القائلين بالعداوةِ بينَ الدينِ والعلمِ، ويمنعُ من استمالةِ غيرِ المسلمين، أو يحثُّ على الانتفاعِ بقوى الكونِ.
ولا تسليمَ مطلقٌ للتفسيرِ العلميِّ؛ لأن إعجازَ القرآنِ ثابتٌ، وغنيٌّ عن أن يسلكَ في بيانِه هذا المسلكَ، كما أن الدعوةَ إلى النظرِ في الكونِ دعوةٌ لمواضعِ العبرةِ والعظةِ، وليسَ بالضرورةِ إلى بيانِ دقائقِها وكشفِ علومِها، ولأن التفسيرَ العلميَّ مدعاةٌ إلى الزللِ لدى أكثرِ الذين خاضوا فيه، وأنَّ تناولَ القرآنِ بهذا المنهجِ يضطرُّ المفسرَ إلى مجاوزةِ الحدودِ التي تحتملُها ألفاظُ القرآنِ، ويُحَمِّلُها ما لا تحتملُ، فضلًا عن أنَّ ما يُكْشَفُ من العلومِ إنما هو فروضٌ ونظرياتٌ قابلةٌ دائمًا للتغييرِ والتعديلِ والنقصِ والإضافةِ.
إذًا فلا رفضَ مطلقٌ، ولا قبولَ مطلقٌ، بل وسطًا بينَ طرفينِ، وجمعًا بين حقيقتين: حقيقةٍ قرآنيةٍ ثابتةٍ بالنصِّ الذي لا يقبلُ الشكَّ، وحقيقةٍ علميةٍ ثابتةٍ بالتَّجرِبةِ والمشاهدةِ القطعيَّيْنِ.
لهذا فلا بأسَ -فيما أرى- من إيرادِ الحقائقِ العلميةِ الثابتةِ في تفسيرِ القرآنِ بشروطٍ:
1- ألَّا تطغى تلك المباحثُ على المقصودِ الأولِ من القرآنِ، وهو الهدايةُ.
2- أن تُذْكَرَ تلك العلومُ لأجلِ تعميقِ الشعورِ الدينيِّ لدى المسلمِ والدفاعِ عنِ العقيدةِ ضدَّ أعدائِها.
3- أن تُذْكَرَ تلك الأبحاثُ على وجهٍ يدفعُ المسلمين إلى النهضةِ العلميةِ.
4- ألَّا تُذْكَرَ هذه الأبحاثُ على أنها هي التفسيرُ الذي لا يدلُّ النصُّ القرآنيُّ على سواه، بل تُذْكَرُ لتوسيعِ المدلولِ، وللاستشهادِ بها على وجهٍ لا يؤثرُ بطلانُها فيما بعدُ على قداسةِ النصِّ القرآنيِّ؛ ذلك أن تفسيرَ النصِّ القرآنيِّ بنظريةٍ قابلةٍ للتغييرِ والإبطالِ يثيرُ الشكوكَ حولَ الحقائقِ القرآنيةِ في أذهانِ الناسِ كلما تعرضَتْ نظريةٌ للردِّ أو البطلانِ[13].
فإذا تحققتْ هذه الشروطُ فلا مانعَ من إيرادِ الحقائقِ العلميةِ في كتبِ التفسيرِ، واللهُ أعلمُ.
منَ المؤلفاتِ في الإعجازِ العلميِّ:
هناك مؤلفاتٌ كثيرةٌ في الإعجازِ العلميِّ للقرآنِ الكريمِ، أذكرُ منها:
1- الجواهرُ في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ: طنطاوي جوهري.
2- كشفُ الأسرارِ النورانيةِ القرآنيةِ: محمدُ بنُ أحمدَ الإسكندرانيُّ.
3- القرآنُ ينبوعُ العلومِ والعرفانِ: عليُّ فكري.
4- ما دلَّ عليه القرآنُ مما يعضدُ الهيئةَ الجديدةَ القويمةَ البرهان: محمودُ شكري الألوسيِّ.
5- التفسيرُ العلميُّ للآياتِ الكونيةِ في القرآنِ: حنفي أحمدَ.
والمؤلفاتُ في ذلك كثيرةٌ جدًّا، وهناك محاضراتٌ وأفلامٌ على هذا النحوِ، كما أُنشِئتْ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ هيئةٌ للإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسنةِ تابعةٌ للمجلسِ الأعلى للمساجدِ، تعقدُ الندواتِ والمحاضراتِ، وتطبعُ الكتبَ المتعلقةَ بذلك.
والأمثلةُ على الحقائقِ العلميةِ والآياتِ القرآنيةِ التي توافقُها ولا تخالفُها كثيرةٌ، ليس بوسعِنا أن نوردَها بالتفصيلِ، بل نذكرَ الآيةَ وما تشيرُ إليه بإيجازٍ شديدٍ.
ومَنْ أرادَ التوسعَ فدونَه كتبَ الإعجازِ العلميِّ:
1- في قولِه تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ [يونس: 5] تفريقٌ بين الشمسِ والقمرِ، ثم أدركَه العلماءُ بعد ذلك.
2- في قولِه تعالى: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ٦ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ٧ ﴾ [النبأ: 6، 7] إشارةٌ إلى شكلِ الجبلِ الظاهرِ والباطنِ، وأدركَه العلماءُ بعد ذلك.
3- في قولِه تعالى: ﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14] إشارةٌ إلى مراحلِ خلقِ الإنسانِ في الرحمِ، ولم يدركْها العلماءُ إلا في العصورِ الحديثةِ.
4- في قولِه تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ ﴾ [الطارق: 5 – 7] إشارةٌ إلى موضعِ تَكَوُّنِ النطفةِ، وهو أمرٌ لم يدركْه العلماءُ إلا حديثًا.
5- في قولِه تعالى: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: 4] فِي تخصيصِ البنانِ بالذكرِ صفةٌ تميزُه عن غيرِه من أعضاءِ الجسمِ لم يكتشفْها العلمُ إلا حديثًا، وهو علمُ البصماتِ.
6- في قولِه تعالى: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ ﴾ [النساء: 56] إشارةٌ إلى مركزِ الحسِّ بالألمِ في الإنسانِ، وهو الجلدُ.
7- في قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ۖ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ۚ ﴾ [الأنعام: 125] إشارةٌ إلى ضيقِ صدرِ مَن يصعدُ إلى السماءِ، وهو أمرٌ لم يكتشفْه العلمُ إلا حديثًا، حيثُ يقلُّ الأوكسجينُ وينخفضُ الضغطُ.
8- وفي قولِه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ ﴾ [الواقعة: 75، 76] إشارةٌ إلى ما اكتشفَ العلمُ الحديثُ بعضَه من عظمةِ هذا الكونِ واتساعِه الذي يقصرُ عن إدراكِه إنسانٌ.
9- وفي قولِه تعالى: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴾ [النحل: 66] إشارةٌ إلى ما كانَ مجهولًا من تحديدِ مصدرِ اللبنِ في الأنعامِ.
10- وفي قولِه تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ٣٦ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَىٰ ٣٧ ﴾ [القيامة: 36 – 37] إشارةٌ إلى أن الإنسانَ يُخْلَقُ من جزءٍ ضئيلٍ جدًّا (نطفةٍ) منَ المنيِّ، وهذا ما كشفَه العلمُ الحديثُ.
وسبحانَ الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا.
والمرادُ بهذا الوجهِ: ذلكم (التشريعُ) الذي جاءَ به القرآنُ الكريمُ الشاملُ الكاملُ المحكمُ المتقنُ.
(شاملٌ) لكافةِ أوجهِ التشريعِ، سواءٌ ما يتعلقُ منها بالفردِ أو في المجتمعِ، وسواءٌ أكانَ في العقيدةِ، أو العبادةِ، أو المبادئِ والأخلاقِ، أو الاجتماعِ، أو الاقتصادِ، أو السياسةِ في السلمِ أو الحربِ، في السفرِ أو الحضرِ، في الليلِ أو النهارِ.
(كاملٌ) لاستيفائِه لدقيقِ المسائلِ وجليلِها، وصغيرِها وكبيرِها.
(محكمٌ متقنٌ) لا نقصَ فيه ولا عيبَ، ولا قصورَ ولا خللَ.
أحكمُ تشريعٍ، وأكملُ نظامٍ، عجزَ البشرُ -ولا زالوا عاجزين- عن الإتيانِ بمثلِ تشريعِه، أو الإتيانِ بمثلِ سياستِه أو نظامِه، فحينَ ننظرُ في التشريعاتِ البشريةِ والقوانينِ الوضعيةِ، نرى البونَ الشاسعَ بينَ هذا وذاك؛ ممَّا يكشفُ لنا وجهَ الإعجازِ التشريعيِّ في القرآنِ الكريمِ.
فهذا التشريعُ بشمولِه وكمالِه وإحكامِه أكبرُ من أن تحيطَ به العقولُ البشريةُ في جيلٍ واحدٍ، أو في مجموعةٍ من الأجيالِ، فضلًا عن أن يحيطَ به عقلٌ بشريٌّ واحدٌ في جيلٍ واحدٍ.
وليسَ من السهلِ أن نرسمَ في أسطرٍ معالمَ هذا التشريعِ المعجزِ، ولكنَّها إشارةٌ مجردَ إشارةٍ بأصبعٍ صغيرٍ إلى شيءٍ عظيمٍ، فنشيرُ إلى أنَّ القرآنَ نزلَ في مجتمعٍ جاهليٍّ سادَتْ فيه الجاهليةُ العقديةُ، والاجتماعيةُ، والاقتصاديةُ، والسياسيةُ، وليسَ من السهلِ في مثلِ هذا المجتمعِ نقدُ أمرٍ من أمورِها، فضلًا عن تغييرِه، أو قلبِ الأمورِ كلِّها، فسلكَ القرآنُ مسلكًا عجيبًا.