[ورودها]
وردَتْ (لا) وهي أداةُ نفيٍ مقترنةً مع فعلِ القسمِ (أقسمُ) في سبعةِ مواضعَ منَ القرآن الكريمِ، هي:
1- قولُه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ [الواقعة: 75].
2- قولُه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ ﴾ [الحاقة: 38، 39].
3- قولُه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ﴾ [المعارج: 40].
4- قولُه تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ١ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ٢ ﴾ [القيامة: 1، 2].
5- قولُه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾ [التكوير: 15].
6- قولُه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ﴾ [الانشقاق: 16].
7- قولُه تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَٰذَا الْبَلَدِ ﴾ [البلد: 1].
واختلفَ العلماءُ في (لا) على أقوالٍ:
1- أنها نافيةٌ للقسمِ:
فَقِيلَ: إنَّ المعنى أنَّ الأمرَ من الوضوحِ والظهورِ بحيثُ لا يحتاجُ إلى قسمٍ فلا أقسمُ.
وهذا مردودٌ بقولِه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ٧٥ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦ ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فأثبتَ القسمَ.
2- أنها صلةٌ، أي: زائدةٌ:
ثم اختلفوا في توجيهِها:
فقيلَ: إن (لا) زائدةٌ؛ لتوكيدِ القسمِ، والمعنى: أقسمُ.
قالَه ابنُ خالويه[1] والزمخشريُّ[2]، وأجازَه أبو عليِّ الفارسيُّ[3]، وغيرُهم.
وهذا مردودٌ؛ لأنَّ حكمَ التوكيدِ لا يتقدمُ على المؤكَّدِ، بل يتأخرُ عنه[4]، ولا يصحُّ أن يبدأَ بجحدٍ، ثم يجعلَ صلةً؛ لأن هذا لو كانَ كذلك لم يُعْرَفْ خبرٌ فيه جحدٌ من خبرٍ لا جحدَ فيه[5].
وقيلَ: إنها زيدَتْ توطئةً وتمهيدًا لنفيِ جوابِ القسمِ.
ففي قولِه تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القيامة: 1] يكونُ المعنى: لا أقسمُ بيومِ القيامةِ لا يتركون سدى[6].
وهذا مردودٌ بمثلِ قولِه تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ [الواقعة: 75]، فإن جوابَه: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ [الواقعة: 77]، وهو مثبتٌ، وليسَ بمنفيٍّ.
3- وقيلَ: إنها نافيةٌ لمحذوفٍ يناسبُ المقامَ لا للقسمِ:
ومثالُ ذلك ما قالَه القرطبيُّ في قولِه تعالى: ﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [القيامة: 1]: (وقالَ بعضُهم: (لا) ردٌّ لكلامِهم حيثُ أنكروا البعثَ، فقالَ: ليسَ الأمرُ كما زعمْتُم.
قلتُ: وهذا قولُ الفرَّاءِ)[7].
4- أن (لا أقسمُ) صيغةٌ من صيغِ القسمِ:
وذلك أن القسمَ المسبوقَ بالنفيِ عبارةٌ من عباراتِ القسمِ، وليسَتْ لا نافيةً للقسمِ، وليسَتْ بصلةٍ، وإنما لتأكيدِ القسمِ.
وتأكيدُ الأمرِ عن طريقِ النفيِ مألوفٌ في لغةِ العربِ، فإنك إذا قلتَ لصاحبِك: لا أوصيك بفلانٍ، فإنما تريدُ تأكيدَ التوصيةِ به، وتبالغُ في الاهتمامِ به، فتبلغُ بالنفيِ ما لا تبلغُه بالأسلوبِ الصريحِ المباشرِ[8].
فإن قلت: إذًا لا يُعْرَفُ خبرٌ فيه نفيٌ من خبرٍ لا نفيَ فيه -كما قالَ القرطبيُّ- قلتُ: إن دلالةَ القرينةِ كافيةٌ لمعرفةِ ذلك والتفريقِ بينهما، وذلك كقولِه سبحانَه: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 76] بعدَ قولِه سبحانَه: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ [الواقعة: 75].
وكما ترى، فإنَّ القولين الثالثَ والرابعَ أقوى الأقوالِ، وإن كنتُ أميلُ إلى الثالثِ منهما، واللهُ أعلمُ.
يقولُ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (والمقسمُ عليه يرادُ بالقسمِ توكيدُه وتحقيقُه، فلا بدَّ أن يكونَ مما يحسنُ فيه ذلك كالأمورِ الغائبةِ والخفيةِ إذا أقسمَ على ثبوتِها، فأما الأمورُ المشهودةُ الظاهرةُ كالشمسِ والقمرِ، والليلِ والنهارِ، والسماءِ والأرضِ، فهذه يُقسمُ بها، ولا يُقسمُ عليها)[9].
إلى ما يحويه الكونُ من أسرارٍ عجيبةٍ، وآياتٍ عظيمةٍ، وما فيه من نظامٍ بديعٍ محكمٍ، والدلالةُ على عظمةِ خالقِها، ولهذا يتبعُ المقسمَ به قولُه مثلًا: ﴿ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾ [الفجر: 5]، وقولُه: ﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 76]، كما يتبعُ قولُه: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [النحل: 12][10] الآياتِ الكونيةَ، وهذا أمرٌ زائدٌ على جوابِ القسمِ.
3- إقامةُ الحجةِ على المشركين:
وإثباتُ صدقِ الرسولِ ﷺ، وذلك أن العربَ تعتقدُ أن الأيمانَ الكاذبةَ تهلكُ صاحبَها، وقد أكثرَ الرسولُ ﷺ من الأيمانِ ولم يُصبْ بمكروهٍ، بل ارتفعَ شأنُه، وعلا ذكرُه، فكانَ ذلك دليلًا على صدقِه.
4- إظهارُ فضلِ المقسمِ به وعظمتِه:
كما قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (وإقسامُه ببعضِ المخلوقاتِ دليلٌ على أنه من عظيمِ آياتِه)[11].
5- امتناعُ إنكارِ الخصمِ في القسمِ:
وبيانُ ذلك أن القسمَ يتكونُ من جملتين: إنشائيةٍ وهي المقسمُ به، وخبريةٍ أو إنشائيةٍ وهي جوابُ القسمِ، والجملةُ الإنشائيةُ لا يتطرقُ إليها التكذيبُ أو الإنكارُ؛ ولذا نرى في المقسمِ به حشدًا من قضايا العقيدةِ تُساقُ مساقَ الجملةِ الإنشائيةِ التي لا يمكنُ تكذيبُها.
بل يحذفُ -أحيانًا- جوابَ القسمِ وهو جملةٌ خبريةٌ، ويكتفي بالمقسمِ به ليبادرَهم بكلامٍ آخرَ مؤيدٍ لجوابِ القسمِ المحذوفِ؛ لكيلا يجدَ الخصمَ فرصةً لتحويلِ الإنشاءِ إلى الخبرِ فينازعَ فيه، وكأنَّ المقسمَ بهذا يهيئُ فرصةً للسماعِ وانتظارِ الجوابِ، فيهجمُ عليه بما يؤيدُ جوابَ القسمِ المحذوفِ، كقولِه تعالى: ﴿ ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ٢ ﴾ [ص: 1، 2]، فاكتفى بالمقسمِ به: ﴿ وَالْقُرْآنِ ۚ ﴾ ، واستغنى عنِ الجوابِ بما ذكرَه من صفةِ القرآنِ: ﴿ ذِي الذِّكْرِ ﴾ ، وفي الوقتِ الذي ينتظرُ فيه المخاطبُ جوابَ القسمِ يأتيه ما يؤكدُ معناه: ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ فكأنه يقولُ: والقرآنِ ذي الذكرِ إنه لحقٌّ، ولكنَّ الكفارَ استكبروا عن قبولِه.
6- بلاغةُ الإيجازِ في القسمِ:
فهو يجمعُ بين عدةِ أدلةٍ متتابعةٍ في جملٍ قصيرةٍ موجزةٍ، كما ترى في القسمِ في سورةِ الطورِ والفجرِ والبلدِ والشمسِ والليلِ والتينِ، فذكرَ في الأخيرةِ مثلًا التينَ، والزيتونَ، وطورَ سينينَ، والبلدَ الأمينَ.
7- حسنُ المطلعِ في السورِ المبدوءةِ بالقسمِ:
وهو وجهٌ من أوجهِ البلاغةِ؛ وذلك أن أسلوبَ القسمِ يعطي أوائلَ السورِ من نضرةِ بهجتِها، ورونقِ ديباجتِها، فتلمعُ الأقسامُ في قسماتِ السورِ كالغرةِ البارقةِ، وفي ذلك تهيئةٌ نفسيةٌ لقبولِ ما بعدَها، وشتانَ بين قولِه: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ وقولِك: ﴿ وَالضُّحَىٰ ١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ ﴾ [الضحى: 1 - 3][12].