أقسامُ المتشابهِ:
والتشابهُ في بعضِ آياتِ القرآنِ الكريمِ ثلاثةُ أنواعٍ:
الأولُ: التشابهُ من جهةِ اللفظِ.
الثاني: التشابهُ من جهةِ المعنى.
الثالثُ: التشابهُ من جهةِ اللفظِ والمعنى.
الأولُ: التشابهُ من جهة ِاللفظِ:
وهو ما كانَ خفاءُ معناه ناشئًا من جهةِ اللفظِ، وهو نوعان:
أ- تشابهٌ لفظيٌّ يرجعُ إلى المفرداتِ.
إما لغرابتِها وقلةِ استعمالِها، مثلَ: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ [عبس: 31]، وكقولِه: ﴿ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ﴾ [الصافات: 94]، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114]، ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ [الحاقة: 36]، كما رويَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: «لا أدري ما الأواهُ وما الغسلينُ»[1].
وإما لجهةِ الاشتراكِ اللفظيِّ، كالقُرْءِ في قولِه: ﴿ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ ﴾ [البقرة: 228]؛ حيث يُطْلَقُ على الحيضِ والطهرِ، ومثلَ: ﴿ عَسْعَسَ ﴾ في قولِه تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴾ [التكوير: 17]، فإنه يُطْلَقُ على إقبالِ الليلِ وإدبارِه.
ب- تشابهٌ لفظيٌّ يرجعُ إلى التركيبِ للألفاظِ، وهي الجملُ:
وهو ثلاثةُ أقسامٍ:
أحدُها: لاختصارِ الكلامِ، كقولِه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ ﴾ [النساء: 3]، والمعنى: ألا تقسطوا في اليتامى إذا تزوجتموهن.
ثانيها: بسطُ الكلامِ، كقولِه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ ﴾ [الشورى: 11]، ففي ذكرِ الكافِ بسطٌ للكلامِ، ولو قال: (ليسَ مثلَه شيءٌ) لظهرَ المعنى، فاشتبهَ المرادُ بذكرِها مع ظهورِ المعنى بدونِها.
ثالثُها: نظمُ الكلامِ، كقولِه: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ ١ قَيِّمًا ﴾ [الكهف: 1، 2]، فجاءَتْ جملةُ: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ۜ ﴾ فاصلةً بين الصفةِ والموصوفِ، وأصلُ الكلامِ: أنزلَ على عبدِه الكتابَ قيمًا، ولم يجعلْ له عوجًا.
وكقولِه: ﴿ إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ ﴾ [الطارق: 8، 9]، ففصلَ بينَ المصدرِ ومعمولِه، وأصلُ الكلامِ: وإنه على رجعِه يومَ تُبْلَى السرائرُ لقادرٌ.
الثاني: التشابهُ من جهةِ المعنى:
ويتعلقُ هذا النوعُ بالغيبياتِ؛ إذ لا يمكنُ للإنسانِ أن يتصورَ ما غابَ عن حواسِّه على حقيقتِه، فالتخيلُ والتصورُ عنده لا يبتعدُ عن المحسوساتِ، فلا تُدْرَكُ[2] صفاتُ اللهِ تعالى ولا ما في الجنةِ من النعيمِ، ولا ما في النارِ من عذابٍ إلا على سبيلِ التقريبِ.
الثالثُ: التشابهُ من جهةِ اللفظِ والمعنى:
وهو خمسةُ أنواعٍ:
الأولُ: من جهةِ الكميةِ كالعمومِ والخصوصِ، نحوَ: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 5].
الثاني: من جهةِ الكيفيةِ كالوجوبِ والندبِ، كقولِه تعالى: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ ﴾ [النساء: 3].
الثالثُ: من جهةِ الزمانِ؛ كالناسخِ والمنسوخِ؛ نحوَ قولِه تعالى: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [آل عمران: 102].
الرابعُ: من جهةِ المكانِ؛ كقولِه تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ﴾ الآيةَ [البقرة: 189]، وكقولِه: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ ﴾ [التوبة: 37]، فإن من لا يعرفْ عادةَ أهلِ الجاهليةِ في ذلك، يتعذرْ عليه تفسيرُ هذه الآيةِ.
الخامسُ: من جهةِ الشروطِ التي يصحُّ بها الفعلُ أو يفسدُ كشروطِ الصلاةِ والنكاحِ[3].
قالَ الراغبُ الأصفهانيُّ بعدَ ذكرِه لهذه الأقسامِ: (وهذه الجملةُ إذا تُصُوِّرَتْ، عُلِمَ أنَّ كلَّ ما ذكرَه المفسرون في تفسيرِ المتشابهِ لا يخرجُ عن هذه التقاسيمِ)[4].