حجم الخط:

محتوى الدرس (43)

المطلـقُ والمقـيدُ

[تمهيد]

جاءتْ بعضُ الأحكامِ الشرعيةِ في القرآنِ الكريمِ والسنةِ النبويةِ مطلقةً غيرَ مقيدةٍ بشرطٍ أو وصفٍ أو غيرِ ذلك، وجاءَ بعضُها مقيدًا بوصفٍ أو شرطٍ أو غيرِهما.

والأصلُ في المطلقِ أن يبقى على إطلاقِه، إلا إذا صحَّ الدليلُ على تقييدِه؛ لأنَّ الإطلاقَ لحكمةٍ كما أن التقييدَ لحكمةٍ، وفي كلٍّ منها رعايةٌ لمصلحةِ العبادِ في الدنيا والآخرةِ.

والدليلُ على تقييدِ المطلقِ أحيانًا يكونُ بالنصِّ، وهذا ظاهرٌ لا خلافَ فيه، وأحيانًا لا يصرحُ بالقيدِ، وإنما تدلُّ عليه الأحوالُ والقرائنُ من نصوصٍ أخرى جاءَتْ مقيدةً.

ومن العلماءِ من يحملُ المطلقَ منها على المقيدِ، ومنهم من لا يحملُه، وعلى هذا قولُ الشافعيِّ رحمه الله: (اللفظُ بيِّنٌ في مقصودِه، ويُحْتَمَلُ في غيرِ مقصودِه)[1]، وهو ما يدرسُه العلماءُ في بابِ المطلقِ والمقيدِ في كتبِ الأصولِ وعلومِ القرآنِ والحديثِ.

تعريفُ المطلقِ:

المطلقُ في اللغةِ هو: المنفكُّ من كلِّ قيدٍ حسيًّا كانَ أو معنويًّا، تقولُ: (أطلقْتُ الدابةَ)، إذا فككْتَ قيدَها وسرحتَها، وهذا إطلاقٌ حسيٌّ.

ويقالُ: (طلقَ الرجلُ زوجتَه)، إذا فكَّ قيدَها من الارتباطِ به، وهذا إطلاقٌ معنويٌّ.

المطلقُ في الاصطلاحِ:

ذكرَ العلماءُ تعريفاتٍ كثيرةً، منها:

المطلقُ هو: ما دلَّ على الماهيةِ بلا قيدٍ من حيثُ هي هي[2].

وقالَ ابنُ قدامةَ هوَ: (المتناولُ لواحدٍ لا بعينِه باعتبارِ حقيقةٍ شاملةٍ لجنسِه)[3].

وقالَ ابنُ فارسٍ: (أما الإطلاقُ: فأن يُذْكَرَ الشيءُ باسمِه لا يُقْرَنُ به صفةٌ، ولَا شرطٌ، ولا شيءٌ يشبهُ ذلك)[4].

وعند الآمديِّ: المطلقُ هو (النكرةُ في سياقِ الإثباتِ)[5].

قالَ القرافيُّ: (كلُّ شيءٍ يقولُ الأصوليون: إنه مطلقٌ، يقولُ النحاةُ: إنه نكرةٌ... وكلُّ شيءٍ يقولُ النحاةُ: إنه نكرةٌ، يقولُ الأصوليون: إنه مطلقٌ... فكلُّ نكرةٍ في سياقِ الإثباتِ مطلقٌ عند الأصوليين، فما أعلمُ موضعًا ولا لفظًا من ألفاظِ النكراتِ يختلفُ فيها النحاةُ والأصوليون، بل أسماءُ الأجناسِ كلُّها في سياقِ الثبوتِ هي نكراتٌ عند النحاةِ، ومطلقاتٌ عند الأصوليين)[6].

ومن المعلومِ أن النكرةَ عند النحاةِ: هي كلُّ اسمٍ شائعٍ في جنسِه، لا يختصُّ به واحدٌ دونَ آخرَ، مثلَ: رجلٍ، كتابٍ، فرسٍ[7].

ولهذا قالَ الآمديُّ بعدَ ذلك: وإن شئتَ قلتَ: (هو اللفظُ الدالُّ على مدلولٍ شائعٍ في جنسِه)[8].

وعرفَ ابنُ الحاجبِ وغيرُه من الأصوليين المطلقَ بأنه: (ما دلَّ على شائعٍ في جنسِه)[9].

وبهذا يتبينُ أنه لا فرقَ بين المطلقِ والنكرةِ غيرِ المستغرقةِ في سياقِ الإثباتِ، بل هما بمعنًى واحدٍ في عرفِ النحاةِ والأصوليين[10].

ومثالُ المطلقِ: الرقبةُ في قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ [المجادلة: 3].

[تعريف المقيد]

المقيدُ لغةً:

هو ما يقابلُ المطلقَ في اللغةِ، فالقيدُ هو الربطُ حسيًّا كانَ أو معنويًّا، تقولُ: قيدْتُ الدابةَ إذا ربطتُها بحبلٍ ونحوِه، وهذا قيدٌ حسيٌّ، وفي الحديثِ: «الإيمانُ قَيَّدَ الفتكَ، لا يفتكُ مؤمنٌ»[11].

قالَ ابنُ منظورٍ: (معناه أن الإيمانَ يمنعُ عن الفتكِ بالمؤمنِ)[12].

ومنه قولُ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه: «قيِّدوا العلمَ بالكتابِ»[13].

قلتُ: وهذا وذاك قيدٌ معنويٌّ.

والمقيدُ اصطلاحًا:

ذكرَ العلماءُ له تعريفاتٍ كثيرةً، وهو ما يقابلُ المطلقَ على اختلافِ التعريفاتِ:

فقيلَ: هو ما دلَّ على الماهيةِ بقيدٍ[14].

وقيلَ: هو المتناولُ لمعينٍ، أو لغيرِ معينٍ موصوفٍ بأمرٍ زائدٍ على الحقيقةِ الشاملةِ لجنسِه[15].

ومثالُ المقيدِ: الرقبةُ في قولِه تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92]، فاشترطَ في الرقبةِ أن تكونَ مؤمنةً، وهذا قيدٌ لها، ولو لم يشترطْ لكانتِ الرقبةُ مطلقةً.

الفرقُ بين العامِّ والخاصِّ والمطلقِ والمقيدِ:

يبحثُ الأصوليون المطلقَ والمقيدَ في كتابِ العامِّ والخاصِّ.

قالَ القرافيُّ: (وإنما وضعَ الأصوليون حملَ المطلقِ على المقيدِ في كتابِ الخصوصِ والعمومِ؛ بسببِ أنَّ المطلقَ هو (قسيمُ) العامِّ والتقييدَ (قسيمُ) الخاصِّ.

وهذه الأقسامُ تلتبسُ جدًّا على كثيرٍ من الفضلاءِ، وربما اعتقدوا المطلقَ عامًّا.. والتبسَ التقييدُ بالتخصيصِ...)[16].

وقالَ في موضعٍ آخرَ: (إن مدلولَ المطلقِ فائتٌ ومتعذرٌ، ولم أرَ أحدًا تعرضَ لذلك، بل يسوونَ في الأصولِ والفروعِ بين هذه المثلِ، ويجعلون البحثَ واحدًا، وليسَ كذلك)[17].

وقالَ عن العمومِ: (اعلمْ أنَّ مسمَّى العمومِ في غايةِ الغموضِ والخفاءِ، ولقد طالبتُ بتحقيقِه جماعةً من الفضلاءِ، فعجزوا عن ذلك)[18].

ومع هذا فقد عقدَ في كتابِه: (العقدِ المنظومِ في الخصوصِ والعمومِ) بابًا خاصًّا في الفرقِ بين العامِّ والمطلقِ[19]، إضافةً إلى ذكرِه الفروقَ بينَهما في تعريفِه للعامِّ، ومن أظهرِ الفروقِ:

أن المطلقَ يقتصرُ بحكمِه على فردٍ من أفرادِه دون الجميعِ كإعتاقِ الرقبةِ، فإنه إذا أعتقَ رقبةً لا يلزمُه إعتاقُ الباقي، أما العمومُ فإنَّ حكمَه يعمُّ جميعَ أفرادِه بالتساوي، فإذا قتلْنا مشركًا ثم وجدْنا آخرَ، وجبَ قتلُه أيضًا[20].

بمعنى أن الحكمَ في العامِّ يثبتُ لكلِّ أفرادِه، أما المطلقُ فيثبتُ لأحدِ أفرادِه بلا تخصيصٍ، فإذا قامَ في أحدِها، انقطعَ عن الباقي.

فإن قلتَ: هذا هو التخصيصُ.

قلتُ: لا، فإن التخصيصَ قبله عمومٌ، ثم خرجَ بعضُ أفرادِه، وأما المطلقُ فالمرادُ به بعضُ أفرادِ العامِّ من أولِ الأمرِ.

فإذا قالَ رجلٌ: كلُّ زوجةٍ لي فهي طالقٌ.

فهذا اللفظُ عامٌّ يوجبُ طلاقَ زوجاتِه جميعًا.

وإذا قالَ: كلُّ زوجةٍ لي فهي طالقٌ إلا فلانةً.

فهذا تخصيصٌ يوجبُ استثناءَها من الطلاقِ بعد أن كانَ الحكمُ يشملُها.

وإذا قالَ: إحدى زوجاتي طالقٌ.

فهذا لفظٌ مطلقٌ يوجبُ طلاقَ إحدى زوجاتِه دونَ البقيةِ، فإذا طُلِّقَتْ واحدةٌ سلمتِ الأخرياتُ.

وإذا قالَ: زوجتي الوسطى أو الكبيرةُ أو الصغيرةُ طالقٌ.

فهذا تقييدٌ يوجبُ طلاقَها بعينِها من أولِ الأمرِ، ومن غيرِ أن يشملَ غيرَها، واللهُ أعلمُ.

صورُ حملِ المطلقِ على المقيدِ:

[مدخل]

إذا وردَ الخطابُ مطلقًا لا مقيدَ له، وجبَ حملُه على إطلاقِه، وإذا وردَ الخطابُ مقيدًا لا مطلقَ له، وجبَ حملُه على تقييدِه[21].

وإذا وردَ الخطابُ مطلقًا في موضعٍ ومقيدًا في آخرَ، فله أربعُ صورٍ:

الصورةُ الأولى: أن يتحدَ السببُ والحكمُ:

فقد وردَ تحريمُ (الدم) مطلقًا في قولِه تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: 3]، ووردَ تحريمُه مقيدًا بكونِه مسفوحًا في قولِه تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ [الأنعام: 145].

والحكمُ في الآيتينِ واحدٌ وهو (التحريمُ)، والسببُ واحدٌ، فاتحدَ الحكمُ والسببُ، فيُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ باتفاقٍ؛ لأن العملَ بالمقيدِ عملٌ بالآيتين، والعملَ بالمطلقِ عملٌ بإحدى الآيتين دونَ الأخرى، والعملُ بهما أولى من العملِ بإحداهِما، وبالعملِ بالآيتين يخرجُ المكلفُ من العهدةِ بيقينٍ[22].

وكقولِه تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ [النساء: 11] فإنه مطلقٌ، ووردَ القيدُ في قولِه تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ [النساء: 11]، فنصيبُه هنا مقيدٌ بأن يكونَ بعد الوصيةِ والدينِ، فيحملُ المطلقُ على المقيدِ في جميعِ المواريثِ، فلا يوزعُ شيءٌ من التركةِ على الورثةِ إلا بعد الوصيةِ والدينِ.

الصورةُ الثانيةُ: أن يختلفَ السببُ والحكمُ:

فإذا اختلفَ السببُ والحكمُ، فلا يحملُ المطلقُ على المقيدِ باتفاقٍ، فقولُه تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38] مطلقٌ في الأيدي من غيرِ تقييدٍ لأيِّ اليدين، أو إلى أيِّ حدٍّ يكونُ القطعُ، أما غسلُ الأيدي في قولِه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [سورة المائدة، الآية: 6] فمقيدٌ إلى المرافقِ، ولا يصحُّ هنا حملُ المطلقِ على المقيدِ؛ لاختلافِ السببِ (سرقةٍ في المطلقِ) و(وضوءٍ في المقيدِ)، ولاختلافِ الحكمِ (قطعٍ في المطلقِ) و(غسلٍ في المقيدِ)، فلا يحملُ المطلقُ على المقيدِ باتفاقٍ كما قالَ الشوكانيُّ، وحكاه الباقلانيُّ والجوينيُّ وإِلكِيا الهراس وابنُ برهانَ والآمديُّ وغيرُهم[23].

الصورةُ الثالثةُ: أن يتحدَ السببُ ويختلفَ الحكمُ:

فغسلُ الأيدي في الوضوءِ مقيدٌ إلى المرافقِ في قولِه تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة: 6].

ومسحُ الأيدي في التيممِ مطلقٌ في قولِه تعالى: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ۚ [المائدة: 6].

ولو نظرْنا في الآيتين لوجدْنا سببَ الوضوءِ والتيممِ واحدًا، وهو (الحدثُ)، ولكنَّ الحكمَ مختلفٌ، ففي الآيةِ الأولى الحكمُ (الغسلُ) وفي الثانيةِ (المسحُ).

وفي هذه الصورةِ لا يُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ.

قالَ الشوكانيُّ رحمه الله: (لا خلافَ في أنه لا يُحْمَلُ أحدُهما على الآخرِ بوجهٍ من الوجوهِ، سواءٌ كانا مثبتين أو منفيين أو مختلفين، اتحدَ سببُهما أو اختلفَ، وقد حكى الإجماعَ جماعةٌ من المحققين آخرُهم ابنُ الحاجبِ)[24].

الصورةُ الرابعةُ: أن يختلفَ السببُ ويتحدَ الحكمُ:

[مدخل]

وإذا كانَ العلماءُ في الصورِ الثلاثِ السابقةِ اتفقوا أو كادوا على حكمِ كلِّ صورةٍ، فإنهم في هذه الصورةِ قد اختلفوا.

ولهذه الصورةِ حالتان:

الأولى: أن يكونَ القيدُ واحدًا.

فالرقبةُ (مطلقةٌ) في كفارةِ الظهارِ في قولِه تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ [المجادلة: 3].

ومطلقةٌ في كفارةِ اليمينِ في قولِه تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ [المائدة: 89].

ومقيدةٌ بالإيمانِ في كفارةِ القتلِ الخطإِ في قولِه تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: 92].

وإذا نظرْنا إلى أسبابِ الكفارةِ في الآياتِ الثلاثِ، وجدناها مختلفةً، فالسببُ في الآيةِ الأولى: (الظهارُ)، وفي الثانيةِ: (الحنثُ باليمينِ)، وفي الثالثةِ: (قتلُ المؤمنِ خطأً).

وإذا نظرْنا إلى الحكمِ، وجدناه واحدًا وهو عتقُ الرقبةِ، لكنه في الظهارِ واليمينِ مطلقٌ، وفي القتلِ مقيدٌ، فهل يُحْمَلُ المطلقُ في هذه الصورةِ على المقيدِ، فنوجب في كفارةِ الظهارِ واليمينِ أن تكونَ الرقبةُ مؤمنةً أيضًا؟ هذا ما وقعَ الخلافُ فيه بينَ العلماءِ.

فذهبَ الأحنافُ وأكثرُ المالكيةِ ورويَ عنِ الإمامِ أحمدَ إلى أنه لا يُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ، فيجوزُ في كفارةِ الظهارِ واليمينِ عتقُ الرقبةِ الكافرةِ، ولا يجوزُ في كفارةِ القتلِ إلا الرقبةُ المؤمنةُ.

وذهبَ أكثرُ الشافعيةِ والحنابلةِ إلى حملِ المطلقِ على المقيدِ، فيجبُ أن تكونَ الرقبةُ مؤمنةً في جميعِ الكفاراتِ.

الثانيةُ: أن يكونَ القيدُ متعددًا.

فالصومُ (مطلقٌ) في كفارةِ اليمينِ في قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ [المائدة: 89]، وفي قضاءِ رمضانَ: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ [البقرة: 184].

ومقيدٌ بالتتابعِ في كفارةِ القتلِ في قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ۗ [النساء: 92]، وكذلك في كفارةِ الظهارِ في قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۖ [المجادلة: 3].

ومقيدٌ بالتفريقِ في صومِ المتمتعِ بالحجِّ في قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ [البقرة: 196].

واتفقَ العلماءُ على أنه لا يُحْمَلُ المطلقُ على المقيدِ؛ لاختلافِ القيدِ وعدمِ وجودِ مرجحٍ لأحدِ القيودِ.

وحملُه على أحدِهما دونَ الآخرِ بلا دليلٍ تَحَكُّمٌ، فليسَ أحدُهما بأولى منَ الآخرِ[25].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة