حجم الخط:

محتوى الدرس (44)

[تمهيد]

حينَ تريدُ نقلَ معنًى من ذهنٍ إلى ذهنٍ، فإن الوسيلةَ لذلك هي الكلماتُ والألفاظُ، فالألفاظُ هي قوالبُ المعاني، أو الظروفُ الحاملةُ للمعاني، فكلُّ لفظٍ ينقلُ جزءًا من المعنى حتى يتمَّ نقلُ المعنى كاملًا.

ودلالةُ الألفاظِ على المعاني، إما أنْ تُسْتَفَادَ من جهةِ النطقِ والتصريحِ، أو من جهةِ التعريضِ والتلويحِ، ومن التصريحِ ما يخفى حتى يكادَ أن يكونَ تلويحًا، ومن التلويحِ ما يظهرُ حتى يكادَ أن يكونَ تصريحًا، وتحتَ هذه الحالاتِ يدرسُ العلماءُ المنطوقَ والمفهومَ.

المنطـوقُ

[تعريفه]

وهو ما دلَّ عليه اللفظُ في محلِّ النطقِ[1]، أو دلالةُ اللفظِ على حكمٍ نطقَ به مطابقةً أو تضمنًا أو التزامًا[2].

وينقسمُ المنطوقُ إلى قسمين:

الأولُ: منطوقٌ صريحٌ.

الثاني: منطوقٌ غيرُ صريحٍ.

الأولُ: منطوقٌ صريحٌ:

[معناه]

ويرادُ به دلالةُ اللفظِ على الحكمِ مطابقةً أو تضمنًا.

وقيل: هو ما وُضِعَ له اللفظُ[3]، وهو ثلاثةُ أنواعٍ:

الأولُ: النصُّ:

وهو ما أفادَ بنفسِه معنًى صريحًا لا يحتملُ غيرَه، وقيلَ: (ما لا يحتملُ التأويلَ)[4]، وقيلَ: ما أفادَ معنًى لا يحتملُ غيرَهُ[5].

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ [البقرة: 196]، فإن قولَه: (عشرةٌ) دفعَ توهمَ دخولِ الثلاثةِ في السبعةِ، وقولَه: (كاملةٌ) تأكيدٌ لهذا المعنى ودفعٌ لأيِّ احتمالٍ آخرَ غيرِ العشرةِ.

وقالَ قومٌ بندرةِ هذا النوعِ في الكتابِ والسنةِ، ويجابُ: بأن هذا إن عَزَّ حصولُه بوضعِ الصيغِ ردًّا إلى اللغةِ فما أكثرَه مع القرائنِ الحاليةِ والمقاليةِ[6].

الثاني: الظاهرُ:

وهو ما أفادَ بنفسِه معنًى صريحًا، واحتملَ غيرَه احتمالًا مرجوحًا.

وقيلَ: (ما يسبقُ إلى الفهمِ منه عند الإطلاقِ معنًى مع احتمالِ غيرِه احتمالًا مرجوحًا)[7].

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ [البقرة: 222] فإنه يقالُ لانقطاعِ الدم: طهرٌ، وللاغتسالِ منه: طهرٌ، والثاني أظهرُ، وهو الراجحُ.

الثالثُ: المؤوَّلُ:

وهو ما حُمِلَ لفظُه على المعنى المرجوحِ لدليلٍ.

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء: 24]، فالظاهرُ من كلمةِ جناحٍ هو جناحُ الريشِ، ويستحيلُ حملُه على الظاهرِ؛ لاستحالةِ أن يكونَ للإنسانِ أجنحةٌ، فيحملُ على الخضوعِ وحسنِ الخلقِ[8]، وبهذا صُرِفَ اللفظُ عن المعنى الراجحِ إلى المعنى المرجوحِ لدليلٍ، وهو هنا الاستحالةُ.

الثاني: منطوقٌ غيرُ صريحٍ:

[معناه]

ويرادُ به دلالةُ اللفظِ على الحكمِ التزامًا، وهو نوعان:

الأولُ: دلالةُ الاقتضاءِ:

وهو ما توقفتْ دلالةُ اللفظِ فيه على إضمارٍ.

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ [البقرة: 184]، فإن دلالةَ اللفظِ على المعنى تلزمُ إضمارَ كلمةِ (فأفطرَ)، والمعنى: فمن كانَ منكم مريضًا أو على سفرٍ فأفطرَ، فعدةٌ من أيامٍ أخرَ؛ لأن قضاءَ الصومِ إنما يجبُ إذا أفطرَ، وليسَ لمجردِ السفرِ أو المرضِ.

وكقولِه تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء: 23] فإن دلالةَ اللفظِ على المعنى تلزمُ إضمارُ كلمةِ (وطءٍ) أو (نكاحٍ)؛ لأنَّ التحريمَ ليسَ لأعيانِ الأمهاتِ، فلزمَ إضمارُ فعلٍ يتعلقُ به التحريمُ.

وكقولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة: 196]، أي: فحلقٌ ففديةٌ؛ لأنَّ الفديةَ إنما تجبُ إذا حلقَ، وليسَ لمجردِ المرضِ أو الأذى.

وهذا النوعُ من بابِ إيجازِ القصرِ في علومِ البلاغةِ.

وسُمِّيَ دلالةَ اقتضاءٍ؛ لاقتضاءِ الكلامِ لفظًا زائدًا على المنطوقِ[9].

الثاني: دلالةُ الإشارةِ:

وهو: ما دلَّ لفظُه على ما لم يقصدْ به قصدًا أوليًّا، بل من لازمِه.

ومثالُه: قولُه تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ۖ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ [البقرة: 187]، فإنه يلزمُ من جوازِ الأكلِ والشربِ والجماعِ حتى الفجرِ بحيثُ لا يتسعُ الوقتُ للغسلِ من الجنابةِ أن يصبحَ الصائمُ على جنابةٍ، فتكونُ دلالةُ اللفظِ أشارت إلى جوازِ إصباحِ الصائمِ على جنابةٍ، وهو معنًى لم يقصدْ باللفظِ قصدًا أوليًّا، بل من لوازمِه.

قالَ السيوطيُّ: (وحُكِيَ هذا الاستنباطُ عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ)[10].

وكقولِه تعالى في بيانِ مصارفِ الغنيمةِ: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ [الحشر: 8]، ففي وصفِهم بأنهم فقراءُ -مع أن لهم أموالًا ودورًا في مكةَ- إشارةٌ إلى تملكِ الكفارِ أموالَهم بالاستيلاءِ عليها، وهي دلالةٌ غيرُ مقصودةٍ بالنصِّ؛ لأنها إنما سيقَتْ لبيانِ مصارفِ الفيءِ والغنيمةِ واستحقاقِهم لسَهْم فيها، لا لبيانِ أن الكفارَ يملكون أموالَ المسلمين بالاستيلاءِ، لكن وقعتِ الإشارةُ إليه من حيثُ أن اللهَ سماهم فقراءَ مع إضافةِ الأموالِ إليهم، فلو كانتْ أموالُهم باقيةً على ملكِهم لما صحَّتْ تسميتُهم بالفقراءِ إلا مجازًا، وهو خلافُ الأصلِ[11].

وقد وقعَ خلافٌ بين العلماءِ في اعتبارِ دلالةِ الاقتضاءِ ودلالةِ الإشارةِ من المنطوقِ أو المفهومِ، فجعلَهما الآمديُّ وابنُ الحاجبِ والسيوطيُّ وغيرُهم من المنطوقِ، وجعلَهما الغزاليُّ في (المستصفى) والبيضاويُّ والزركشيُّ من المفهومِ[12].

والخلاصةُ أن المنطوقَ خمسةُ أقسامٍ:

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة