حجم الخط:

محتوى الدرس (53)

يشتركُ التابعون رحمهم الله تعالى معَ الصحابةِ رضي الله عنهم في أهمِّ أسسِ التفسيرِ، إلا أنَّهم نظرًا لتلقِّيهم التفسيرَ عن الصحابةِ واتساعِ الفتوحاتِ الإسلاميَّةِ جَدَّت أُسُسٌ أخرى، فمنهجُ التابعين رحمهم الله تعالى يقومُ على:

1- تفسيرِ القرآنِ بالقرآنِ، كما مرَّ في منهجِ الصحابةِ رضي الله عنهم.

2- تفسيرِ القرآنِ بالسنةِ النبويةِ، كما مرَّ -أيضًا- في منهجِ الصحابةِ رضي الله عنهم.

3- تفسيرِ القرآنِ بأقوالِ الصحابةِ، فإنَّ التابعين رحمهم الله تعالى كانوا يرجعون إلى تفسيرِ الصحابةِ رضي الله عنهم، ويُقدمونه على أقوالِهم، وهمُ الذين تلقُّوا التفسيرَ عن الصحابةِ، وعرضُوه عليهِمْ.

كما قالَ مجاهدُ بنُ جبيرٍ: «عرضْتُ المصحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عرضاتٍ من فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ، أوقفُهُ عندَ كُلِّ آيةٍ منه، وأسألُهُ عنها»[1].

4- الفهمِ والاجتهادِ، فإنْ لَـمْ يجدِ التابعون التفسيرَ في القرآنِ، ولا في السنةِ، ولا في أقوالِ الصحابةِ، اجتهدوا، فهم أهلٌ للاجتهادِ، وهم الذين يعلمون لغةَ العربِ ومناحيَهم في القولِ، وقد تلقَّوا التفسيرَ عن الصحابةِ، وسمعوا منهم ما لم يسمعْه غيرُهم، فحُقَّ لهم أن يجتهدوا بعدَ ذلك.

5- أقوالِ أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى:

وذلك أنَّ القرآنَ الكريمَ يذكرُ قصصَ الأنبياءِ السابقينَ والأممِ الماضيةِ ذكرًا موجزًا، ولم يتعرضْ لتفاصيلِ هذه الأحداثِ والقصصِ، والنفوسُ تميلُ إلى الاستيفاءِ والاستقصاءِ، فلما اتسعتِ الفتوحاتُ الإسلاميةُ، ودخلَ في الإسلامِ أممٌ من أهلِ الكتابِ الذين يعرفون تفاصيلَ هذه القصصِ من التوراةِ والإنجيلِ، صاروا يروون هذا للنَّاسِ، وصارَ الناسُ يُقبلون على سماعِها؛ حُبًّا لسماعِ تفاصيلِ القصصِ والأخبارِ القرآنيَّةِ، فدخلَ في التفسيرِ طائفةٌ من هذه الأخبارِ التي تُعْرَفُ بالإسرائيليَّاتِ.

وأكثرُ من رُويتْ عنه الإسرائيلياتُ: عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ، وكعبُ الأحبارِ، ووهبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وعبدُ الملكِ بنُ جريجٍ.

مزايا تفسيرِ التابعينَ رحمهم الله تعالى:

ويتميزُ تفسيرُ التابعين رحمهم الله تعالى بمزايا عديدةٍ، منها:

1- دخولُ الإسرائيليَّاتِ في التفسيرِ.

2- لاتساعِ الفتوحاتِ الإسلاميَّةِ، ودخولِ كثيرٍ منَ العجمِ في الإسلامِ؛ زادتِ الحاجةُ إلى كثيرٍ منَ الآياتِ التي لم يتناولْهَا الصحابةُ رضي الله عنهم لظهورِ معناها عندَهم، فزادَ التابعونَ تفسيرَ ما احتاجَ الناسُ إلى تفسيرِهِ، فأتمُّوا التفسيرَ، وشملَ القرآنَ كلَّهُ.

3- ظلَّ التفسيرُ في هذا العهدِ محتفظًا بطابعِ التَّلَقِّي والروايةِ، وإن كانت هذه الروايةُ ذاتَ صِبْغَةٍ خاصَّةٍ؛ ذلك أنَّ أهلَ كلِّ مصرَ يعنون بشكلٍ خاصٍّ بالتلقِّي والروايةِ عن إمامِ مِصرِهِم، فالمكِّيُّون عن ابنِ عباسٍ، والمدنيون عن أُبَيٍّ، والعراقيُّون عن ابنِ مسعودٍ[2].

4- كثرةُ الخلافاتِ التفسيريَّةِ، وزيادتُهَا عمَّا كانتْ عليهِ في عهدِ الصحابةِ، فهمْ قدْ تناولُوا ما اشتملَ عليهِ تفسيرُهم، وأضافُوا إليه آراءَهم حسبَ اجتهادِهم؛ ومن ثمَّ زادتِ الأقوالُ والتفسيراتُ في الآيةِ الواحدةِ.

5- ظهرت نواةُ الخلافِ المذهبيِّ، فظهرتْ بعضُ الآراءِ التي تحملُ في طيَّاتِها بذورَ هذه المذاهبِ.

6- كان التفسيرُ في ذلك العهدِ مرويًّا بإسنادِ كلِّ قولٍ إلى صاحبِه، ونسبتِهِ إليه؛ حتَّى تُعرَفَ الأقوالُ، ويُمَيَّزُ بينَ قويِّهَا وضعيفِهَا، وصحيحِها وسقيمِها.

أشهرُ المفسِّرينَ من التابعين:

وممَّن اشتهرَ بالتفسيرِ منَ التابعين:

مجاهدُ بنُ جبرٍ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ، وعكرمةُ، والحسنُ البصريُّ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وقتادةُ بنُ دعامةَ السدوسيُّ، ومحمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، وأبو العاليةِ الرياحيُّ، وعامرُ الشعبيُّ، وغيرُهم.

حكمُ تفسيرِ التابعيِّ:

اختلفَ العلماءُ في حكمِ الرجوعِ إلى تفسيرِ التابعيِّ للآيةِ، إذا لم يَردْ تفسيرٌ لها عنِ الرسولِ ، ولا عنْ أحدٍ منْ أصحابِه رضي الله عنهم:

فقالَتْ طائفةٌ منهمُ ابنُ عقيلٍ ورواية عنِ الإمامِ أحمدَ وشعبةَ: إنه لا يجبُ الأخذُ بتفسيرِ التابعيِّ؛ لأنَّهم:

1- ليسَ لهم سماعٌ من الرسولِ ، فلا يُمكنُ أنْ يُحْمَلَ تفسيرُهم على أنَّهم سمعُوهُ منَ الرسولِ كالصحابةِ.

2- أنَّهم لم يشاهدُوا القرائنَ والأحوالَ التي نَزَلَ عليها القرآنُ؛ فيجوزُ عليهم الخطأُ في فهمِ المرادِ، وظنُّ ما ليسَ بدليلٍ دليلًا.

3- أنَّ عدالةَ التابعين غيرُ منصوصٍ عليها كما نُصَّ على عدالةِ الصحابيِّ، كما نُقِلَ عن أبي حنيفةَ رحمه الله أنَّه قال: ما جاءَ عن رسولِ اللهِ فعلى الرأسِ والعينِ، وما جاءَ عن أصحابِه فلا أترُكُه، وما جاءَ عنِ التابعين فهم رجالٌ اجتهدُوا، ونحنُ رجالٌ نجتهدُ[3].

وقالت طائفةٌ: وهم أكثرُ المفسِّرينَ، ورواية أخرى عنِ الإمامِ أحمدَ رحمه الله: أنَّهُ يؤخذُ بقولِ التابعين في التفسيرِ، إذا لم نجدْ تفسيرَها في السنةِ، ولا في أقوالِ الصحابةِ رضي الله عنهم؛ لأنَّهم تلقوا التفسيرَ عنِ الصحابةِ رضي الله عنهم، وحضروا مجالسَهم، ونَهَلُوا من علمِهم، وسمعوا منهم ما لم يسمعْهُ غيرُهم، فقد عَرَضَ مجاهدٌ المصحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ مراتٍ يسألُه عن كلِّ آيةٍ - كما مَرَّ - وقتادةُ بنُ دعامةَ يقولُ: «ما في القرآنِ آيةٌ إلَّا وقد سمعْتُ فيها شيئًا»[4].

وقالَ الشعبيُّ: (واللهِ ما منْ آيةٍ إلَّا وقدْ سألْتُ عنْهَا)[5].

والرأيُ الراجحُ: التفصيلُ، كما قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: فإنْ أجمعوا على تفسيرٍ واحدٍ، وَجَبَ الأخذُ بهِ، ولا يُرتابُ في كونِه حجةً.

وإن اختلفوا فلا يكون قولُ بعضِهم حجةً على بعضٍ، ولا على مَنْ بعدَهم، ويُرْجَعُ في ذلك إلى لغةِ القرآنِ، أوِ السنةِ، أو عمومِ لغةِ العربِ، أو أقوالِ الصحابةِ في ذلك[6].

(قلْتُ): وهذا ممَّا لا خلافَ فيه، وإنما الخلافُ فيما إذا وردَ التفسيرُ عنْ تابعيٍّ، ولم يُعْرَفْ له مخالفٌ من التابعين، فهذا ممَّا ينبغي الأخذُ به وتقديمُه على غيرِهِ؛ لما لهم من فضلٍ ومزيةٍ على مَنْ بعدَهم في العلمِ.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة