حجم الخط:

محتوى الدرس (16)

المعنعن

مسائل الحديث المعنعن:

تعريفه

لغة: اسم مفعول من (عَنْعَن) بمعنى: قال: (عَنْ ، عَنْ).

اصطلاحًا: ما روي بصيغة (عن) ولو في موضع واحد من الإسناد، من غير بيان للتحديث أو السماع... إلخ[1].

سبب استعمال العنعنة في موضع الاتصال:

إيثار العنعنة في موضع السماع شائع لدى الرواة، وكان لهم في ذلك أغراض ومقاصد مقبولة وسائغة.

وأصل ذلك التخفيف، وذلك من عدة جهات[2]:

· التخفيف من كلفة الورق المستعمل لكتابة حديث الراوي بتقليل حجمه.

· التخفيف من وزن الكتب التي كانوا يصحبونها في الأسفار، وفي المذاكرة.

· التخفيف من كلفة الوراقين حين ينسخون لهم الكتب.

· التخفيف والتقليل من الزمن المطلوب للنسخ والمقابلة.

ومن ذلك:

أن جرير بن حَازِم اجْتمع هو وَحَمَّاد بن زيد، فَجعل جرير بن حَازِم يَقُول: (حَدثنَا مُحَمَّد، قَالَ: سَمِعت شريحًا، حَدثنَا مُحَمَّد قَالَ: سَمِعت شريحًا... فَجعل حَمَّاد يَقُول: يَا أَبَا النَّضر، عَن مُحَمَّد عَن شُرَيْح، عَن مُحَمَّد عَن شُرَيْح)[3].

مثاله: قال الإمام البخاري رحمه الله: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، (عَنْ) هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، (عَنْ) أَبِيهِ، (عَنْ) عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، أَنَّ الحَارِثَ ابْنَ هِشَامٍ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ...»[4]

الاختلاف في عنعنة المعاصر، وشروط قبول العنعنة:

سبب الاختلاف: أن (عن) يحتمل أن تكون مبدلة من (حدثنا) ونحوها مما هو صريح في الاتصال، ويحتمل أن تكون مبدلة من: (أُخْبرت) ونحوها مما هو صريح في الانقطاع.

وقد استقر العمل على: أن العنعنة مقبولة ومحمولة على الاتصال والسماع[5]، ونقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك[6].

وهذا الإجماع إنما هو على قبول الإسناد المعنعن في الجملة، وقد ذكر العلماء لهذا القبول شروطا، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما فيه خلاف:

الشروط المتفق عليها:

· عدالة الراوي.

· أن لا يكون الراوي معروفًا بالتدليس.

· أن لا يوجد ما يمنع لقاءه بشيخه الذي روى عنه هذا الحديث.

الشروط المختلف عليها:

· ثبوت اللقاء مع السماع، ولو في حديث واحد[7].

· ثبوت المعاصرة فقط، مع إمكان اللقاء وعدم تعذّره[8].

الراجح: الأول (ثبوت اللقاء مع السماع، ولو في حديث واحد)[9]؛ ولذلك يحكم النقاد على رواية الراوي عمن عاصره أو لقيه وثبت عدم سماعه منه =بالانقطاع.

ولهذا لما نقل ابن عبد البر الإجماع على قبول الإسناد المعنعن ذكر من جملة شروط ذلك: (وَلِقَاءُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا مُجَالَسَةً وَمُشَاهَدَةً)[10].

وقال الحاكم: (الْأَحَادِيثُ الْمُعَنْعَنَةُ وَلَيْسَ فِيهَا تَدْلِيسٌ، وَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى تَوَرُّعِ رُوَاتِهَا عَنْ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ)[11].

** للمزيد حول مسائل المعنعن: انظر: الكفاية (ص291)، علوم الحديث (ص220)، التقريب للنووي (ص37)، جامع التحصيل (ص117)، النكت للزركشـي (2/21)، شرح علل الترمذي (2/592)، التقييد والإيضاح (ص 83)، التبصـرة والتذكرة (1/219)، نزهة النظر (ص158)، فتح المغيث (1/ 203)، تدريب الراوي (1/ 244).

المدرج

مسائل الحديث المدرج:

تعريفه

لغة: اسم مفعول من (أدرج)، والإِدْراجُ: إدخال شيء في شيء، وستر أحدهما للآخر؛ ومنه: إدراج الميت في القبر[12].

اصطلاحًا: تغيير سياق الإسناد أو المتن، بزيادة ليست منهما.

العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:

هذا الحديث يُدخَلُ فيه ما ليس منه ويستر؛ فيساق مساق الحديث فلا يظهر[13].

أقسامه:

أولا: مدرج المتن.

صورته:

أن يُدخِل الراوي في متن الحديث فقرة ليست منه؛ سهوًا أو عمدًا.

ويستوي في ذلك أن يكون الإدراج في أول المتن أو في وسطه أو في نهايته، وهذا الأخير هو الأكثر وقوعًا في الروايات؛ حيث يكون تعليقًا من الراوي على جملة من الحديث، فيأخذها الرواة عنه ويسوقونها مساق الحديث، مضمومة إليه بلا فصل، ولا بيان.

مثاله:

حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا»، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهَا.

الضمير في: (وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاحِهَا...) عائد إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما[14].

طريقة معرفته:

يستعان في معرفة المدرج في الروايات بأمور:

· تصريح الصحابي بأنه لم يسمع هذه الجملة من النبي ﷺ[15].

· أن يقع في رواية أخرى ما يفيد انتهاء الرواية المرفوعة قبل هذا القول[16].

· وجود قرينة دالة على ذلك؛ كاستحالة صدور مثله من النبي ﷺ[17].

· أن ينص أحد الأئمة على الإدراج، والحكم في ذلك بغلبة الظن[18].

ثانيًا: مدرج الإسناد:

صورته:

أن يزيد الراوي في الإسناد ما ليس منه، أو يدخل إسنادًا في إسناد.

مثاله:

حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: «خَرَجَ رسول الله ﷺ مِنْ بَيْتِ سَوْدَةَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ قَدْ تَشَوَّفَتْ تَرْجُو أَنْ يَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ رسول الله ﷺ فَدَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ...».

هذا الحديث رواه إسرائيل بن يونس، عن أَبي إِسْحَاقَ السبيعي، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ وعبد الله بن حَلامٍ.

أما روايته عن (أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ) فمرسلة بدون ذكر ابن مسعود.

وأما روايته عَنْ (عَبْدِ الله بن حَلامٍ) فعَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النبي ﷺ (متصلًا).

لكن عُثْمَانَ بْنَ عُمَرَ لما روى الحديث عن إسرائيل ساق الإسنادين معًا، وأدخل إسناد (أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ) في إسناد (عبد الله بن حَلامٍ) وجعلهما جميعًا عن ابن مسعود عن النبي ﷺ.

وهذا خطأ، وقد رواه على الصواب: عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، عن إسرائيل، ورد كل إسناد إلى صورته المحفوظة[19].

عثمان بن عمر

إسرائيل

أَبو إِسْحَاقَ

أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ

ابْنُ مَسْعُودٍ

النبي ﷺ

عبد الله بن حَلامٍ

عبيد الله بن موسى

إسرائيل

أَبو إِسْحَاقَ

أَبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ

...........

النبي ﷺ

عبد الله بن حَلامٍ

ابْنُ مَسْعُودٍ

طريقة معرفته:

جمع طرق الرواية، ومقارنتها، واعتبار أحوال الرواة توثيقًا وتجريحًا واتفاقًا واختلافًا؛ فالمدرج راجع في الحقيقة إلى الحديث (المعلل).

أسباب الإدراج بنوعيه:

أسباب الإدراج كثيرة وبينها تداخل، وأكثرها سببٌ لذكر الموقوف مع المرفوع من الراوي المتقدم، وليست سببًا للإدراج؛ فسببه حقيقة: كون الراوي لم يضبط؛ فأدرج الموقوف بالمرفوع.

فالسبب الرئيس للإدارج هو: الخطأ الناشئ عن عدم ضبط الرَّاوِي.

وربما سيقت هذه الكلمة -في الأصل- مع الحديث لغرض صحيح، كما يحصل في أحاديث كثيرة من ذكر الموقوفات عقب الأحاديث المرفوعة؛ كتفسير أو استدلال بالحديث، فيأتي من لا يضبط فيظنها من الحديث؛ فيرويه منسوبا للنبي ﷺ[20].

حكم الإدراج:

الإدراج علة يعل بِهَا الْحَدِيْث؛ سواء وقع في الْمَتْن أو الإسناد.

فإن كان عن عمد، وقصد به التدليس والإيهام: فهذا حرام، وفاعله ساقط العدالة، وحديثه حديث الكذابين [21].

وأما إن وقع خطأً من الراوي: فإن كَثُر في حديثه فهو موجب للطعن في ضبط الراوي وحفظه، وإن كان قليلًا فهذا داخل في جملة أوهام الرواة، ولا يسلم منها أحد.

المؤلفات في المدرج:

· (الفصل للوصل المدرج في النقل) للخطيب البغدادي (تـ:463هـ).

· (تقريب المنهج بترتيب المدرج) للحافظ ابن حجر (تـ:852هـ)[22].

· (المـَدْرَج إلى الـمُدَرج) للسيوطي (تـ:911هـ).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة