حجم الخط:

محتوى الدرس (17)

المضطرب

مسائل الحديث المضطرِب:

تعريفه

لغة: اسم فاعل من (اضطرب)، والاضطراب لغة على معان عدة، منها:

· الحركة والاختلاف؛ يقال: (اضطرب الموج) أي: ضرب بعضه بعضًا.

· الاختلال؛ يقال: (اضطرب أمره) أي: اختل[1].

واصطلاحًا: الحديث الذي يُرْوي على أوجهٍ مختلِفة متقاربة في القوة، بحيث لا يمكن ترجيح بعضها على بعض.

فيرويه بعض الرواة -مثلًا- مرسلًا، وبعضهم موصولًا عن عائشة، وبعضهم موصولًا عن جابر، وبعضهم موقوفًا على التابعي... إلخ

شروط تحقق الاضطراب:

(1) تساوي الروايات في القوة.

(2) أن لا يمكن الترجيح لأحد الروايات بوجه قوي ظاهر، فإن أمكن فقد زال الاضطراب؛ وعندها تكون الرواية الراجحة هي الصحيحة، والأخرى غير محفوظة.

وربما أُطلق الاضطراب مع الترجيح إذا كان الترجيح بوجه غير ظاهر.

أقسام الاضطراب، وأمثلته:

أولا: اضطراب في الإسناد، وهذا هو الأكثر الغالب[2].

مثاله: حديث: «خُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ شَطْرُ أُمَّتِي الجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ»[3].

هذا الحديث يرويه زِيَادُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وَاخْتُلِفَ عَليه على أوجه:

(1) رواه عبد السلام بن حرب، عن زياد بن خيثمة، عن نَعْمَان بن قُرَّاد، عن نافع، عن ابن عمر.

(2) ورواه معمر بن سليمان الرقي، عن زياد بن خيثمة ، عن علي بن النَعْمَان ابن قُرَّاد ، عن رجل، عن ابن عمر.

(3) ورواه شجاع بن الوليد، عن زياد بن خيثمة، واختلف عنه:

أ- فرواه إسماعيل بن أبي الحارث، عن شجاع بن الوليد، عن زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن أبي موسى الأشعري.

ب- وخالفه غير واحد، عن شجاع بن الوليد، عن زياد بن خيثمة، فقالوا: عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حراش، عن النبي ﷺ، مرسلًا.

وهذه الأوجه جميعًا ذكرها الدارقطني في العلل، وقال: (والحديث مضطرب جدًا) [4]، ولم يفصل فيه بشيء.

عبد السلام بن حرب

زياد بن خيثمة

نَعْمَان بن قُرَّاد

نافع

ابن عمر

النبي ﷺ

معمر بن سليمان الرقي

علي بن النَعْمَان ابن قُرَّاد

رجل

شجاع بن الوليد

نعيم بن أبي هند

ربعي

أبو موسى

......

ثانيًا: اضطراب في المتن.

مثاله: حديثُ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ، قالت سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الزَّكاةِ، فقال: «إنَّ في المالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»[5].

قال العراقي: (هذا حديثٌ قدِ اضطربَ لفظُهُ ومعناهُ؛ فرواهُ الترمذيُّ هكذا من روايةِ شَرِيكٍ، عن أبي حمزةَ، عن الشِّعبيِّ، عن فاطمةَ. ورواهُ ابنُ ماجه من هذا الوجهِ بلفظِ: «ليسَ في المالِ حقٌّ سِوَى الزكاةِ»[6] فهذا اضطرابٌ لا يحتملُ التأويلَ)[7].

سبب ضعف الحديث المضطرب:

الاضطراب يوجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بعدم ضبط الراوي وحفظه.

أشهر المصنفات في الاضطراب:

· (المقترب في بيان المضطرب) للحافظ ابن حجر[8] (تـ:852هـ).

· (الحديث المضطرب دراسة تطبيقية على السنن الأربع) لأحمد بازمول.

** للمزيد بخصوص مسائل (المضطرب): انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص269)، الاقتراح لابن دقيق (ص22)، رسوم التحديث في علوم الحديث للجعبري (ص85)، المنهل الروي لابن جماعة (ص 52)، التبصرة والتذكرة (2/112)، نزهة النظر (ص117)، فتح المغيث (1/ 237)، المقترب في بيان المضطرب و الحديث المضطرب دراسة تطبيقية على السنن الأربع =لأحمد بن عمر بازمول، أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء (1/197).

المقلوب

مسائل الحديث المقلوب:

تعريفه:

لغة: اسم مفعول من (قَلَبَ)، ومعناه: تغيير الشيء عن صورته التي كان عليها[9].

اصطلاحًا: إبدال لفظ بغيره، في سند الحديث أو متنه؛ بتقديم، أو تأخير، أو إحلال.

أقسامه:

أولا: القلب في الإسناد:

وهو الأغلب، ومن صوره:

(1) إبدال راو بآخر على سبيل التقديم والتأخير.

مثاله: حديث أَبِي صَالِحٍ، عَنِ محمد بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الْعَوَامِدِ»[10].

قَالَ أَبو حاتم: (هَذَا حديثٌ مقلوبٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: ابنُ السَّائِبِ الكَلْبِي، عَنْ أَبِي صالح)[11].

(2) إبدال راو بآخر ليس في الإسناد أصلًا.

مثاله: حديث يَحْيَى بن سعيد الأنصاري، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَن جَابِر: «أَن رسُول الله ﷺ كَانَ يَخْطُبُ إلى جذع نخلة قبل أن يُوضَعَ الْمِنْبَرُ...» [12].

قال أبو حاتم وأبو زرعة: (هَذَا وَهَمٌ؛ إِنَّمَا هُوَ: يَحْيَى بْن سعيد، عن حَفْص ابن عُبَيد الله بن أنس، عن جابر، عن النبيِّ)[13]. ومن هذا الوجه أخرجه البخاري[14].

ثانيًا: القلب في المتن:

مثاله: حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «زَيِّنُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْقُرْآنِ».

هذا الحديث يرويه طَلْحَةُ بن مُصَرف، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عن البراء.

وقد اختلف الرواة على طلحة؛ فرواه منصور بن المعتمر باللفظ المذكور[15]، وخالفه مالك بن مغول فرواه عن طلحة بلفظ: «زينوا القرآن بأصواتكم»[16].

أسباب قلب الحديث:

(1) يقع القلب في الحديث عمدًا، والحامل عليه:

· التدليس والكذب، ويقال لمن يتعمد ذلك: (يسرق الحديث).

قال ابن حبان رحمه الله: (جَعْفَر بن عبد الْوَاحِد الهامشـي كَانَ مِمَّن يسـرق الْحَدِيث ويقلب الْأَخْبَار؛ يَرْوِي المَتْن الصَّحِيح الَّذِي هُوَ مَشْهُور بطرِيق واحد يَجِيء بِهِ من طَرِيق آخر)[17].

· الاغراب؛ ليرغب الناس في رواية حديثه الذي لا يوجد عند غيره، وهذا قريب من سابقه.

(2) يقع سهوًا، وهو الأغلب، وقد سبقت أمثلته.

حكم قلب الحديث:

(1) إن كان بقصد التدليس وتصحيح الأحاديث الضعيفة: فهذا حرام، وفاعله كذاب.

(2) وإن كان بقصد الإغراب وإيهام التفرد: فإنه لا يجوز أيضًا؛ لأنه كذب، وتغيير للحديث، وربما سمعه من لا خبرة له فرواه على الغلط.

(3) وإن كان للاختبار: فالأقرب أن هذا يختلف باختلاف الأحوال:

· إن كان القصد صيانة الدين بامتحان الرواة؛ ليُعلم الثقة: فلا بأس به.

· وإن كان لشين الشيخ وتنقصه: فالأقرب عدم جوازه؛ والأعمال بالنيات[18].

(4) وإن كان عن خطأ وسهو: فهو موجب لضعف الحديث، وفاعله معذور ما دام الخطأ قليلًا في رواياته، فإذا كثر ذلك منه: فهذه علامة سوء الحفظ وضعف الضبط.

أشهر المصنفات في الحديث المقلوب[19]:

انظر: المحدث الفاصل (ص398-399) ففيه قصة عجيبة في هذا المعنى!!

· (رافع الارتياب في المقلوب) للخطيب (تـ:463هـ)[20].

· (جزء مفرد في مقلوب المتن) لجلال الدين البلقيني (تـ:824هـ)[21].

· (شفاء القلوب في معرفة الحديث المقلوب) لمحمد بن عمر بازمول.

** للمزيد بخصوص مسائل (المقلوب): انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص284)، الاقتراح لابن دقيق (ص25)، المنهل الروي (ص53)، الموقظة (ص60)، النكت للزركشي (2/299)، التبصـرة والتذكرة (ص115)، التقييد والإيضاح (ص134)، النكت لابن حجر (2/864)، نزهة النظر (ص116)، تدريب الراوي (1/342)، تحرير علوم الحديث (1/1004)، شفاء القلوب في معرفة الحديث المقلوب لمحمد بن عمر بازمول.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة