حجم الخط:

محتوى الدرس (27)

مُحْكم الحديث

مسائل مُحْكم ومختلف الحديث:

تعريف المحكم:

لغة: اسم مفعول من (أحكم) بمعنى: أتقن، وأصل مادته تدل على المنع؛ ومنه: (الحِكْمة) لأنها تمنع صاحبها من الجهل[1].

اصطلاحًا: الحديث السالم من معارضة مثله[2]، و(مختلف الحديث): ما سواه.

مناسبة التسمية:

هذا النوع يمنع الاختلاف بين العلماء، ويمنع من إساءة الفهم.

مثاله:

حديث أَنَسٍرضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: «إِذَا وُضِعَ العِشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ»[3].

قَالَ الحاكم: (هَذِهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا)[4].

** وانظر بخصوص (محكم الحديث): معرفة علوم الحديث (ص129)، نزهة النظر (ص91).

مختلف الحديث ومشكله

مسائل مختلف الحديث ومشكله:

تعريف مختلف الحديث:

لغةً: اسم فاعل من (اختلف)، وهو ضد اتفق، يقال: تخالف القوم واختلفوا: إذا ذهب كل واحد منهم إلى غير ما ذهب إليه صاحبه[5].

اصطلاحًا: الحديث المُعَارَض بمثله، مع إمكان الجمع بينهما[6].

تعريف مشكل الحديث

لغة: المـُختلط والمـُلتبس[7].

اصطلاحًا: الحديث الذي استغلق وخفي معناه، أو أوهم معاني مستحيلة؛ شرعًا أو عقلًا، أو بسبب معارضته لقواعدَ شرعية ثابتة[8].

الفرق بين مختلف الحديث ومشكله:

مشكل الحديث أعم من (مختلف الحديث) وكذلك من (الناسخ والمنسوخ)؛ فإن الإشكال واللبس قد ينشأ من معارضة بين حديثين، وقد ينشأ بسبب آخر، كما سيأتي[9].

· الفرق في الاشتقاق: (المختلف) مشتق من الاختلاف، و(المشكل): مشتق من الإشكال، وهو الالتباس.

· الفرق في السبب: (المختلف) سببه معارضة حديثٍ لحديث ظاهرًا، بينما (المشكل): قد يكون بسبب التعارض بين آية وحديث، أو بين حديثين، أو معارضة الحديث للإجماع، أو مناقضة الحديث للعقل، وقد يكون سبَبَه غموضٌ في دلالة لفظ الحديث على المعنى.

· الفرق في الحكم: (المختلف) حكمه: محاولة المجتهد التوفيق بين الأحاديث المختلفة، وأما (المشكل) فحكمه: النظر والتأمل في المعاني المحتملة للفظ.

مثاله:

حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن رَسُولُ اللهِ ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ»[10].

مع حديث أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه: أن رَسُولُ الله ﷺ قال: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»[11].

وجه التعارض: أن الزنا والسرقة أعظم من مثقال حبة من كبر قطعًا!

قال ابن قتيبة رحمه الله: (ليس ههنا اختلاف؛ وهذا الكلام خرج مخرج الحكم، يعني: أن الحكم واللائق فيمن كان في قلبه مثقال حبة من كبر أن يدخل النار، وكذلك الحكم واللائق فيمن كان في قلبه مثقال حبة من إيمان أن يدخل الجنة.

هذا هو حكمها اللائق بهما، والله بعد ذلك يفعل ما يشاء، وهذا مثل قولك -في دار رأيتها صغيرة-: «لا ينزل في هذه الدار أمير» تريد: حكمها وحكم أمثالها أن لا ينزلها الأمراء، وقد يجوز أن ينزلوها.

وقولك: «هذا بلد لا ينزله حر» تريد: حكمه أن لا ينزله الأحرار، وقد يجوز أن ينزلوه)[12].

أهمية معرفتهما:

· يدخل في كثير من العلوم الإسلامية؛ من فقه، وحديث، وأصول فقه...

· جميع الطوائف بحاجة إلى معرفته؛ لأنه يبين الحق عند تعارض الأدلة.

· يمكِّن المجتهد من الترجيح بين الأقوال عند الاطلاع على أدلتها.

· يوقف على بعض أسباب الاختلاف بين المذاهب.

· يساعد في الحفاظ على سنة النبي ﷺ، وعدم إهدار العمل ببعضها بدعوى التعارض.

· كذلك من أهميته أنه لم يتكلم فيه إلا قلة من العلماء ممن لهم قدم راسخة في معرفة المعاني الدقيقة، والقدرة على الموازنة بين النصوص.

· يُنمّي لدى الطالب القدرة على الاستنباط، والتعامل الصحيح مع النصوص.

· يربي في نفس الطالب تقديس وتعظيم الوحي كتابًا وسنةً؛ فلا يرد منها شيئًا، بل يجتهد في طلب التوفيق و الجمع بينها؛ وذلك لعلمه أن نصوص الوحي لا تتعارض بحال[13].

قال ابن القيم رحمه الله: (فصلوات الله وسلامه على من يصدِّق كلامه بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض؛ فالاختلاف والإشكال والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم)[14].

القواعد العامة في التعامل مع مختلف الحديث:

النظر فيما ظاهره التعارض من الأحاديث له خطوات[15]:

(1) النظر إلى الأصح منهما؛ فيعمل به ويترك الضعيف.

(2) إذا تساوى الحديثان في القبول: يكون النظر في إمكان الجمع، وهو أولى الوجوه؛ لما فيه من العمل بالحديثين معًا وعدم إهدار واحد منهما.

(3) إذا تساويا في القوة، وتعذَّر الجمع؛ فإن عُلم كون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخا: فالعمل بالناسخ منهما، وإلا فالترجيح بوجه من الوجوه المعتبرة[16].

العلاقة بين مختلف الحديث، والناسخ والمنسوخ:

العلاقة بينهما علاقة عموم وخصوص؛ فكل ناسخ ومنسوخ هو في الأصل من الأحاديث المختلفة، فإما أن يفلح الجمع بينهما بوجه مقبول، وإلا كان النسخ.

قال السخاوي رحمه الله: (وكان الأنسب عدم الفصل بينه وبين الناسخ والمنسوخ؛ فكل ناسخ منسوخ مختلف، ولا عكس)[17].

أشهر المصنفات فيه:

· (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي (تـ: 204هـ).

· (مختلف الحديث) لابن قتيبة (تـ: 276هـ).

· (شرح مشكل الآثار) لأبي جعفر الطحاوي (تـ: 321هـ).

· (مشكل الصحيحين) لابن الجوزي (تـ: 597هـ).

· (المفهم لما أشكل من صحيح مسلم) للقرطبي (تـ: 656هـ).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة