حكمُ تقليدِ المجتهد لمجتهد آخَرَ:
نقل كثيرٌ من الأصوليين الاتّفاقَ على أن المجتهدَ إذا نظر في الواقعة وتوصّلَ فيها إلى ظنٍّ غالبٍ بحكم الله، لا يجوزُ له أنْ يتركَ ما غلب على ظنه ويعملَ بظنِّ غيره.
وحصروا الخلافَ في المسألة فيما إذا لم ينظرْ في المسألة بعدُ، أو نظرَ فيها ولم يتوصّلْ إلى ظنٍّ غالبٍ.
وغلط بعضُهم فحصر الخلاف فيما إذا اتّسع الوقتُ للنظر والاجتهاد، وحكى الاتفاق على جواز التقليد للعالم إذا ضاق الوقت عن النظر. والصواب: دخولُ ذلك في الخلاف.
الأول: عدمُ جوازِ التقليد للمجتهد مطلقًا. وهو مذهبُ جمهورِ الأصوليين.
واستدلُّوا بأدلّةٍ كثيرةٍ، منها:
1- حديث: «دعْ ما يريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ» [رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن حبان عن الحسن ابن علي رضي الله عنهما]، فإن رأي المجتهدِ الآخَرِ مما يرتابُ فيه المجتهد، بخلاف رأيه هو.
وفي الاستدلال ضعفٌ، من جهة أن الحديثَ لا يُفيدُ أكثرَ من ترك المشكوكِ فيه والعملِ بالمقطوع. فلا ينطبقُ على مسألتنا.
2- الأدلّةُ الدالّةُ على ذمّ التقليد، فإنها تشمل تقليد المجتهد - القادر على النظر - لغيره.
3- أن التقليدَ إنما أُذنَ فيه للعاجز عن الاجتهاد، فلا يشملُ القادرَ؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ ٤٣ ﴾ ﴾ [النحل:43]. وعدمُ نظره في المسألة لا يُخرجُه عن كونه من أهل العلم.
وهو مذهب ابن سُريجٍ، واختاره ابنُ تيميةَ. وجعله بعضُ العلماء جائزًا باتّفاقٍ في هذه الحالة.
ودليلُه: أنه إذا لم يتمكّنْ من النظر لضيق الوقت، أو نظر فلم يظهرْ له حكمٌ معيَّنٌ يكونُ بمنزلة العاميّ؛ إذْ لا يُمكنه التوقُّفُ إلى الأبد.
ولأن اللهَ علّق جوازَ التقليد على عدم العلم بالبيّنات، والمجتهدُ في المسألة التي لم ينظرْ فيها لا علمَ له بأدلّتها.
القولُ الثالث: جوازٌ تقليدٍ المجتهد للأعلم منه، دون مَن هو مثلُه أو أقلُّ منه.
وهو مذهب محمد بن الحسن الشيبانيّ.
واحتجَّ: بأن العالم مع مَن هو أعلمُ منه كالعاميّ مع العالم.
وهناك أقوالٌ أخرى: تُجوّز تقليدَ الصحابة وحدهم، أو الصحابة والتابعين.
والراجحُ: القول الثاني، وهو: جوازُ التقليد مع ضيق الوقت لا مع سعته، وكذلك إذا نظر ولم يظهرْ له حكمٌ جاز له التقليدُ؛ وذلك لأن العالمَ حينئذٍ إما أنْ يُقلّدَ، وإما أنْ يتركَ العملَ. ولا يجوزُ له تركُ العمل مع قدرته على سؤال غيره.
وأما إنْ نظر فلم يظهرْ له حكمٌ فلا ينبغي أنْ يقعَ خلافٌ في جواز التقليد له إذا احتاج إلى العمل.
وأما إذا لم يحتجْ للعمل بنفسه، وإنما سُئل عن الواقعة، فليس له أنْ يُفتيَ تقليدًا، بل يدلُّ السائلَ على المفتي أو ينقلُ له فتواه.
سؤال العاميّ من شاء من المفتين:
يجوزُ للعاميّ أنْ يسأل مَنْ شاء من المفتين، وله أنْ يسألَ المفضولَ مع وجود الفاضل، عند أكثر العلماء.
واستدلُّوا على ذلك: بالإجماع؛ أخذًا مما عليه الحالُ وقتَ الصحابة والتابعين، فإن العوامَّ كانوا يسألون المفضولَ فيُفتيهم، ولا يأمرُهم بسؤال الفاضل.
ولم يُعهدْ عن أحدٍ من الصحابة أنه كان لا يُفتي مع وجود الأفضل منه في البلدة، وقد أفتى ابنُ عباسٍ وابنُ عمر في حياة الخلفاء الأربعة، رضي الله عنهم أجمعين.
وأوجب بعضُ العلماء على العاميّ البحثَ عن الأعلم والأتقى ليسألَه. وقال: إن العاميَّ يجتهدُ في أحوال المفتين، فيبحثُ عن الأفضل منهم، كما يجتهدُ العالمُ في الأخذ بالأقوى من الدليلين المتعارضين.
موقفُ المستفتي من اختلاف المفتين:
إذا سأل المستفتي أكثرَ من عالمٍ فاختلفوا، أو اشتهرتْ فتاوى العلماء مع اختلافها، كما هو الحالُ في عصرنا الحالي؛ فإن العوامَّ ربما عرفوا فتوى أكثر من عالمٍ في المسألة الواحدة، فما موقفهم؟ وبم يأخذون؟
الواجب على المستفتي إذا تعارضت الفتاوى: أنْ يأخذَ بفتوى الأعلم من المفتين، فإنْ تساووا أخذَ بقول الأتقى والأورع، فإنْ جهل الأعلمَ أو الأورعَ سأل العارفين بهم عن ذلك، ثم أخذ بمَن يغلب على ظنه أنه الأعلمُ أو الأتقى.
وقال بعضُ العلماء: يتخيّر.
وقال بعضُهم: يعملُ بالأحوط.
وقيل: يعملُ بالأسهل.
والأول هو الصحيحُ.
والدليل على صحّته: أن فتوى العالم عند العاميّ كالدليل عند المجتهد، وإذا تعارضت الأدلّةُ عند المجتهد وجب عليه طلبُ الترجيح، فكذلك العاميّ إذا تعارضتْ عنده الفتاوى.
اختلف العلماءُ في حكم تقليد الميت، على أقوال:
الأول: مذهب الجمهور أنه جائزٌ:
وربما حكى بعضُهم الإجماعَ عليه؛ أخذًا بعمل أتباع المذاهب.
واستدلَّ له بعضُهم بالقياس على شهادة الشاهد إذا مات، قبل الحكم بها.
واستدلّ بعضُهم بالضرورة؛ لأنّا لو لم نُجوِّزْ تقليدَ الميت لأدّى إلى حَيرة الناس لعدم وجود المجتهد المطلَق.
الثاني: المنع من تقليد الميت مطلقًا.
وهذا القولُ قد يفهم من كلام الرازي اختياره؛ حيثُ أجاز نقلَ الفتوى عن الأحياء دون الأموات، ولكنه أورد بعض أدلة المجيزين لتقليد الأموات ولم يجب عنها، وبه قال بعضُ المعتزلة، وهو قولُ الشيعة.
ودليلُه:
1- أن الميتَ لا يُعتدُّ بقوله في الإجماع؛ إذْ لو وجب الاعتدادُ بقوله ما ثبت إجماعٌ بعد موت أول عالمٍ.
2- أن تجديدَ الاجتهاد واجبٌ، كما قال كثيرٌ من العلماء، والميتُ لا يُمكنُ أنْ يُجدِّدَ اجتهادَه.
3- أن الوقائعَ تختلفُ صفاتُها المؤثِّرةُ في حكمها، وتغيُّرُها يُوجبُ إعادةَ النظر فيها، فما كان مفسدةً في وقتٍ قد يعودُ مصلحةً، أو قد يكونُ أقلَّ مفسدةً من غيره. وهذا لا يُمكنُ تقديرُه إلاّ من الأحياء.
أن الوقائعَ التي أفتى فيها المتقدِّمون: إما أنْ يغلِبَ على ظننا أن تغيُّرَ العصر لا مدخلَ له في تغيُّرِ حكمِها، أو لا.
فإنْ غلب على ظننا أن الأعرافَ والعاداتِ والمصالحَ لم تتغيّرْ في هذا العصر عنها في العصر السابق، أو أن التغيُّرَ لا مدخلَ له في حكمِها، فلا بأسَ بنقل فتاوى المتقدّمين والعملِ بها من المقلّدين.
وإنْ لم يحصلْ ظنٌّ غالبٌ بذلك، لم يجز الفتوى فيها بنقل مذاهب الأموات، ولم يجزْ للمقلّد إذا اطّلع على فتوى المتقدّمين فيها: أن يأخذَ بها حتى يُراجعَ علماءَ العصر.
ونتيجةً لاكتفاء بعض علماء العصر بنقل مذاهب الأموات في مسائل الاجتهاد دون أنْ ينظروا في أثر تغيُّر الزمان والأعراف والمصالح في المسألة، وقع خللٌ كبيرٌ في الفتاوى، وتأخّر الفقهُ عن مسايرة تطوُّر الحياة.
وهذا الكلام خاصٌّ بمسائل الاجتهاد، التي لم يردْ فيها نصٌّ صريحٌ صحيحٌ، لا معارض له.