7 - وسائط التربية ومؤسساتها (المهمات والعوائق):
[المسئولية التربوية]:
التربية عملية لا تنفرد بها مؤسسة واحدة من مؤسسات المجتمع، ولا تستطيع القيام بها دون مساعدة ومساندة من المؤسسات الأخرى، بل إن على كل مؤسسة جانبًا من المسؤولية التربوية. ورغم تعدد تلك المؤسسات وتنوعها -خاصة في المجتمع المسـلم كـالمدارس والحلقـات والمراكـز والنـوادي الشبـابية- فـإن العرض هنا سوف يقتصر على أكثر هذه المؤسسات ذيوعًا وانتشارًا؛ وذلك على النحو الآتي:
تعتبر الأسرة من أهم المؤسسات التربوية في المجتمع، وتتأتى هذه الأهمية الكبيرة للأسرة تربويًا من كونها أولى المؤسسات التربوية التي تتعامل مع الفرد البشري بعد ولادته، لا سيما أن هذه المرحلة تتسم بالعجز شبه التام والاعتماد الكلي على الآخرين.
ولقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى: ﭽ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﭼ [الروم: ٥٤]. فجعل بداية حياة الإنسان من ضعف.
وزمن هذا الضعف -مرحلة الطفولة- نسبة للعمر الإنساني يعد من أطول مراحل الطفولة بين سائر المخلوقات، لذا فإن الأسرة باعتبارها المؤسسة المسؤولة عن الفرد الإنساني في هذه المرحلة تعد أهم المؤسسات التربوية في تلك المرحلة.
والأسرة هي أقدم المؤسسات التربوية في المجتمع على الإطلاق؛ إذ إن تكوين الأسرة أمر غريزي فطري، أوجده الله في الإنسان منذ بدء الخليقة، بل جعله مصدر الراحة والسكن له؛ فقال تعالى: ﭽ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﭼ[الروم: ٢١].
ولقد أدرك الإنسان أنه مهما طال به العمر فلا بد من الفناء، مما جعله يسعى جاهدًا إلى تحقيق بقائه المعنوي أكثر من المادي عن طريق تكوين الأسرة، باعتبارها وسيلة لإنجاب الأولاد والأحفاد الذين يعتبرهم الفرد امتدادًا له ورموزًا تحمل اسمه، كما ارتبط تكوين الأسرة بإيمان الفرد بضرورة وجوده في جماعات يربطها رباط الرحم؛ وذلك ليستطيع أن يواجه كوارث الطبيعة وتحدياتها، ويضمن استمرار بقاء هذه الجماعات.
وبجانب هذه الوظيفة، تعمل الأسرة كذلك على:
(أ) تحقيق الأمن والطمأنينة لأفراد الأسرة:
يشعر أفراد المجتمع من جراء وجودهم في أسر معينة ومترابطة بروابط قوية بنوع من الاستقرار والأمن؛ إذ يكفل لهم ذلك وجود من يذود عنهم ويحافظ عليهم، ويقف معهم عند العثرات والأزمات، إذ إن الوجود في أسرة يضمن صلة الأرحام، ويجعلهم ذوي شوكة قوية يُخشى جانبها، وبها يحدث التعاضد والتناصر، وتعظم رهبة العدو لهم.
ويدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن إخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لأبيهم: ﭽ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﭼ [يوسف: 14]. والمعنى أنه لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبة وصلة الرحم؛ وذلك لما تحققه العصبة من منعة وقوة، وفائدة تعم الجميع، وتضمن للكل البقاء والاستقرار.
(ب) إكساب أفراد الأسرة القيم الإسلامية والخلقية والثقافية التي يتمثلها المجتمع:
تمثل الأسرة المرآة التي تنعكس عليها هوية المجتمع الموجودة فيه، وذلك بما تحتويه هذه الهوية الثقافية من قيم وعادات وتقاليد ومعارف يستقيها أفراد الأسرة -خاصة الصغار منهم- فيتعلمون فكرة الصواب والخطأ، كما يتعرفون على الأنماط السلوكية التي يجب أن يتمثلوها في حياتهم، كما يتعلمون ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، وكيف يتعاملون مع غيرهم.
وعن أهمية هذه الوظيفة وخطورتها قال الرسول ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه؛ كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء[1]، هل تحسون فيها من جدعاء؟[2]»[3].
وتتأتى المحافظة على ثقافة المجتمع وهويته من خلال الخبرات التي يعيشها الأفراد خلال عملية التنشئة الاجتماعية، والتي تؤدي إلى تمثُّل قِيَم المجتمع الرئيسة ومعتقداته، والتي يجب أن تكون المعيار الأساس لتقويم السلوك الإنساني.
(ج) الإنماء النفسي لأفراد الأسرة:
الأسرة مسؤولة إلى حد كبير عن النمو النفسي لأفرادها؛ فهي مسؤولة عن كثير من السمات الشخصية المكتسبة لأفرادها؛ كالعدوان، والانبساط، والانطواء، وغيرها من سمات. فالأسرة المستقرة التي تشبع حاجات أفرادها بصورة متوازنة يخرج منها أفراد أسوياء، أما تلك الأسرة المضطربة فإنها تكون مرتعًا خصبًا للانحرافات السلوكية والأخلاقية والاضطرابات النفسية.
(د) إشباع الحاجات الأساس لأفراد الأسرة:
أولى الإسلام هذه الوظيفة عناية فائقة؛ إذ جعل من ذلك التكافل الكائن في الأسرة وسيلة لتحقيق هذه الكفالة، وقد رفع من منزلة هذه الكفالة حتى جعلها في مرتبة الجهاد؛ إذ يقول بعض الصحابة وقد رأوا شابًا قويًا يسرع إلى عمله: لو كان هذا في سبيل الله! فيقول الرسول ﷺ: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ»[4].
ولقد حض الإسلام على ذلك التكافل بين الفرد وأسرته فقال تعالى: ﭽ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ ﭼ [الأحزاب: ٦]، كما خص الآباء بتلك الكفالة فقال تعالى: ﭽ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﭼ [البقرة: ٢٣٣].
وقيمة هذا التكافل في محيط الأسرة أنه قوامها الذي يؤدي بها إلى التماسك، ومن ثَمَّ يؤدي إلى التماسك الاجتماعي؛ حيث إن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي تقوم على عواطف الرحمة والمودة، ومقتضيات الضرورة والمصلحة المشتركة.
(ه) التوفيق بين الخبرات التي يتعرض لها أفراد الأسرة:
قد يواجه الفرد من مؤسسات المجتمع الأخرى أفكارًا متباينة، لا سيما من جراء الاتجاهات الفكرية المتباينة في المجتمع، أو من خلال الثقافات الوافدة عبر السماوات المفتوحة والقرية الكونية في ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى الزيغ والتردد من جراء هذه الخبرات، ويصبح على الأسرة -باعتبارها إطارًا مرجعيًا- أن تحسم هذا الزيغ والتردد؛ وذلك من خلال إتاحة المناخ الشوري للفرد لمناقشة ما يراوده من أفكار مع من يكبره سنًا من أفراد أسرته، وفي إطارٍ من تواصل الأجيال لا صراعها.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال:
1. تعويد الأولاد على حضور المناسبات الاجتماعية وتشجيعهم علي ذلك؛ لأن هذا يساعد الطفل في التعرف على المجتمع؛ حيث يلتقي الطفل بالكبار فيتعلم منهم بعض معايير المجتمع وقيمه، كما يلتقي بالصغار فيلعب ويفرح معهم، كما يتعلم الطفل من أبيه ألفاظ المشاركة الوجدانية، وفي كل هذا ينمو الطفل قادرًا على الاندماج في المجتمع ومن ثم التفاعل معه.
2. تربية الولد على إحسان معاملة والديه؛ فإذا تعود الولد على حسن التعامل مع والديه قاده ذلك إلى حسن التعامل مع المجتمع، والعكس صحيح؛ فإذا أساء الطفل معاملة والديه فمن باب أولى أن يسيء إلى المجتمع الذي يعيش فيه.
3. اصطحاب الطفل خارج البيت ليلتقي بأقرانه فيحصل التعارف والاختلاط والاندماج، فيتعود الطفل على أن يعيش مع المجتمع وليس بعيدًا عنه.
4. تعليم الأولاد الآداب الاجتماعية، ومنها: حفظ اللسان عن الهمز، والعين عن اللمز، والقلب عن الحسد والغل والكراهية، وغيرها من الصفات المذمومة التي إذا انتشرت في المجتمع جعلته أجزاءً متباعدة، بدلاً من كونه جسدًا واحدًا، أو بنيانًا مرصوصًا. ويلحق بهذه الآداب أيضًا تربية الطفل على توقير الكبير، وقضاء حاجات الآخرين، وتعويده على رد الجميل، وكذلك على إلقاء السّلام ورده، ومراعاة مشاعر الناس، وبخاصة الجيران.
5. إرشاد الأطفال إلى البعد عن الأخلاق الرديئة، مثل: التشاجر، والسب، والطعن، والضرب، والتعصب للرأي، وما شابه ذلك، ومن ثم على المربي إرشادهم إلى التحلي بالأخلاق الإسلامية من: الصبر، والحلم، والمودة، والتصافي، والتسامح.
6. التزام أفراد الأسرة -الكبار- بالممارسة العملية لتطبيق الشعائر الإسلامية، مع دعوة الأولاد للقيام بمثل ذلك.
7. تشجيع أفراد الأسرة -خاصة الصغار- على عمل الخير، وحثهم على العطاء بدون مقابل.
8. توضيح ما هو فاسد ومجافٍ للخير والنُّبْل من الأعمال بالحكمة والموعظة الحسنة والليونة في المناقشة والحوار.
9. عرض صور من حياة الرسول ﷺ، ومواقفه هو وأصحابه رضي الله عنهم، ومن أتى بعدهم من رجال المسلمين العظماء؛ للاقتداء بهم وبمواقفهم في العدل مع المخالف واحترام حقوقه.
10. تعليم قيم العدل والإحسان تجاه كل ما حوله من مخلوقات.
ورغم ما تقوم به الأسرة من وظائف ومهمات، إلا أنه قد توجد بعض العوامل التي تؤثر سلبًا عليها، مما يعوقها عن أداء رسالتها على الوجه الأمثل، ولعل أهم هذه العوامل باختصار تتمثل في:
أ- غياب الأب عن المنزل مددًا طويلة نسبيًا لأي سبب؛ الأمر الذي قد يعرض الأطفال لبعض المشكلات والأمراض النفسية والاجتماعية.
ب- الحرمان العاطفي للطفل بسبب خروج الأم للعمل، وترك الطفل لمربيةٍ، أو مع جيران المنزل.
ج- انتشار الأمية الشرعية والثقافية بين الآباء والأمهات، مما ينعكس نقصًا على الطفل وتربيته وتهيئته للعيش في عالم اليوم والغد.
د- الصراع بين عموم الأولاد من إخوة وأخوات داخل الأسرة، نتيجة الازدواجية في معاملة الوالدين للأولاد، أو شعور بعض الأولاد بالنقص.
هـ- التعاسة الزوجية والتفكك الأسري، مما قد يؤدي إلى نمو الأولاد نموًا نفسيًا غير سليم.
و- الحماية الزائدة أو الإهمال، والدلال أو التسلط والعنف، وتفضيل الذكر على الأنثى أو العكس، مما قد يُعوِّد الفرد على الإذعان والخضوع والتخاذل.
يعد المسجد أول مؤسسة تعليمية عامة في الإسلام، يدخل للصلاة فيه والدراسة كلُّ من تهفو نفسه إلى ذكر الله، ويتطلع عقله إلى نور العلم وطمأنينة الحقيقة، لذا كان أصحاب رسول الله ﷺ أول المتعلمين في المساجد؛ يتحلّقون حول أفقههم علمًا وأوعاهم لكتاب الله حفظًا وتدبرًا، يأخذون عنه ما يزيدهم إيمانًا وما يبصرهم بأمور دنياهم، لتكون دنيا المسلمين وأخراهم على أفضل ما يرضي الخالق ويسعد المخلوق.
وكان للمسجد في صدر الإسلام وظائف جليلة، أهمل المسلمون اليوم الكثير منها؛ فقد كان منطلقًا للجيوش، وبيتًا لاستقبال الوفود، ومركزًا تربويًا يُربَّى فيه الناس على الفضيلة وحب العلم، وعلى الوعي الاجتماعي ومعرفة حقوقهم وواجباتهم في الدولة الإسلامية، وكان مركزًا للتعليم، ومصدر إشعاع خلقي يتشبع فيه المسلمون بفضائل الأخلاق وكريم الشمائل.
[المسجد كمصدر للإشعاع والهداية]:
ومن الأهمية القول بأنه يوم أن كانت المساجد تؤدي واجبها الحقيقي مصدرًا للإشعاع والهداية كانت عزةُ الإسلام والمسلمين؛ فقد تخرج فيها الخلفاء، والأمراء، والقواد، والزعماء، والمحدثون، والفقهاء، والمفسرون، ورجال القضاء، وأساتذة اللغة والأدب، والمفكرون، والمثقفون، والدعاة، والعلماء في شتى أنواع المعرفة ممن شهد لهم التاريخ بأنهم أصحاب التأثير العظيم في مسار عجلة الزمن وفي ثقافة الأمم وحضارة الشعوب، فهم:
(1) علماء: بما تحمله هذه الكلمة من عموم ـ لعلوم الدين والدنيا.
(2) واجتماعيون: استطاعوا أن يتعايشوا مع جميع البشر باختلاف أجناسهم، ولغاتهم، وأقاليمهم، وبيئاتهم المتباينة؛ فوسعوهم بصدورهم، واستوعبوهم بأخلاقهم، وكسبوا عطفهم وأخوتهم، وحققوا معنى هذه الآية واقعًا ملموسًا؛ قال تعالى: ﭽ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﭼ [الحجرات: ١٣].
(3) وسياسيون: حكموا العالم قرابة ثلاثة عشر قرنًا من المحيط إلى المحيط، فكانوا خير ساسة عرفهم التاريخ.
(4) وقادة مجاهدون: فتحوا الدنيا ولم يعرف العالم مثلهم فاتحًا، فاقترن بفتحهم نشر الفضائل والقضاء على الرذائل.
وفي ضوء ما سبق، فإن الواجبات التربوية التي ينبغي أن يحققها المسجد هي: تقديم الحقائق الشرعية في يُسْرٍ، مع توضيح انعكاساتها على الواقع المعاصر، واختيار المفاهيم التي تتناسب وسن الأفراد، وعرضها في أسلوب جذاب ومشوق، وتوفر القدوة الحسنة في الداعية أو الإمام داخل المسجد وخارجه، وحسن استثمار المساجد وأدواتها لتثبيت التربية وغرس العقيدة الصحيحة، وقيام المساجد بتوعية أفراد المجتمع بالأحداث التي تحيط بهم، وتوضيح مظاهر الحضارة الإسلامية، وإظهار الأثر الفعال الذي قام به المسلمون في حُقب التقدم والازدهار في كافة المجالات والتخصصات، والدعوة إلى التوسط والاعتدال في سلوكيات الأفراد والنهى عن التشدد والمغالاة، وتدعيم إحساس الفرد بالانتماء الديني إلى أسرته ومجتمعه وأمته، وتركيز المساجد على المناشط المتنوعة التي تشبع حاجات أفراد المجتمع، ومعالجة مشكلات الشباب بما يتماشى ومبادئ الدين، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، أو رد الشبهات والأباطيل التي يثيرها خصومه، وتركيز الدروس والخطب على علاج أمراض المجتمع، وتقديم الحلول لمشكلاته.
ورغم ما يقوم به المسجد من وظائف ومهمات، إلا أنه قد توجد بعض العوامل التي تؤثر سلبًا عليه؛ مما يعوقه عن أداء رسالته على الوجه الأمثل، ولعل أهم هذه العوامل باختصار تتمثل في:
أ- عدم ارتياد الأطفال والمراهقين المساجد بسبب غياب الأب عن المنزل أو افتقاد القدوة الحسنة فيه لعدم ذهابه هو للمسجد أو عدم صلاته أصلا.
ب- اتخاذ بعض الأئمة الإمامة والخطابة وظيفة، وليست رسالة.
ج- ضعف بعض الأئمة أو عجزهم عن توصيل المعلومة.
إذا كانت المدرسة هي المؤسسة التي أنشأها المجتمع بغرض القيام بعملية تعليم أفراده وتربيتهم، فإن هذا لا يعني اضطلاعها بعبء التربية وحدها، وأنه لا توجد مؤسسات أخرى تشارك المدرسة وظيفتها، لذا فالمدرسة إحدى الوسائط التربوية النظامية التي أنشأها المجتمع لتحقيق أهدافه وبلوغ غاياته.
ويمكن تلخيص بعض المهمات التربوية للمدرسة فيما يلي:
تنمية شاملة متكاملة متوازنة من خلال تربيته:
إيمانيًا: من أجل إضافة فرد صالح للمجتمع، يرعى حقوق الله وحقوق الآخرين، في السر والعلن.
جسميًا: بغية الوصول بالجسم إلى قدر مناسب من الصحة العامة.
عقليًا: بغرض تنمية القدرات والعمليات العقلية المختلفة.
نفسيًا: بغرض التسامي بالنفس والوصول بها إلى أعلى مراتبها.
أخلاقيًا: بغية الوصول إلى "مكارم الأخلاق"، أو "الخلق الحسن" أو "الخلق العظيم"، أو "خلق القرآن".
وجدانيًا: بغية الوصول إلى حالة "الاتزان الوجداني أو الانفعالي".
ومن ثم تصبح المدرسة بيئة تربوية متميزة، لا تكتفي بنقل المعلومات، وحشو العقل بالعلوم والمعارف فحسب، بقدر ما تهتم بتربية الإيمان، والجسم، والعقل، والأخلاق، والوجدان؛ ليكون الفرد صحيح الإيمان، سليم الجسم، مكتمل العقل، مضبوط العاطفة، متزن الشخصية.
2) المحافظة على ثقافة المجتمع وهويته:
لا شك أن لكل أمة تراثها الثقافي الذي يمثل ذاكرتها التاريخية، أو سجلها الحي أودعته تجاربها وخبراتها خلال حياة ممتدة بامتداد تاريخها. ولم تقم للمؤسسات التربوية النظامية قائمة إلا بعد أن تضخم التراث الثقافي وتشعبت ميادينه، وأصبح من الصعب الإحاطة أو الإلمام به. ومن ثم فقد كانت الثقافة إحدى القضايا التي ما زال يهتم بها النظام التعليمي بشتى مؤسساته وآلياته. وتأخذ الوظيفة الثقافية للمدرسة أشكالاً وصورًا متعددة: حفظًا، ونقلاً، وتيسيرًا، وتطويرًا، وتنمية. ومن ثم، تصبح وظيفة المدرسة تقديم ثقافة حية جديدة ومتجددة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتربط بين الثابت والمتغير.
تتشكل معظم المجتمعات من جماعات يرتبط بعضها ببعض بدرجات متفاوتة، كما يتكون من طبقات اجتماعية، وطوائف، وأصحاب مذاهب، وديانات قد تختلف في: العادات، والاتجاهات، والأفكار والآراء، والقيم، والآمال والتطلعات، وقد تتعارض وتتشابك وتتصارع. وإزاء هذا تؤدي المدرسة واجبها المنشود في إيجاد حالة من التوازن بين عناصر البيئة الاجتماعية ومكوناتها وقطاعاتها؛ وذلك بإتاحة الفرص لكل فرد أن يتحرر من قيود الجماعة والطبقة الاجتماعية، على أن يكون أكثر تفاعلاً وتواصلاً مع مجتمعة وأمته. وحتى يمكن للمدرسة تحقيق التماسك الاجتماعي، فينبغي عليها: تقوية شعور التلاميذ بالتجانس، وتهيئة فرص النشاط أمام التلاميذ التي تجعلهم أكثر إحساسًا بأنهم يعملون لتحقيق هدف مشترك، وتقوية شعور التلاميذ بالانتماء والولاء، وتعميق روح التعاون والتفاهم، والتؤدة والأناة، والرحمة، ونشدان الحق والصواب.
ورغم ما تقوم به المدرسة من وظائف ومهمات، إلا أنه قد توجد بعض العوامل التي تؤثر سلبًا عليها، مما يعوقها عن أداء رسالتها على الوجه الأمثل، ولعل أهم هذه العوامل باختصار تتمثل في:
1. ضعف الإدارة المدرسية أو فوضويتها، مما ينعكس سلبًا على مستوى مخرجات التعليم وتحقيق النظام التعليمي لأهدافه.
2. مركزية الإدارة والبيروقراطية والرتابة في رسم السياسات ووضع استراتيجيات التنفيذ، وغياب التنسيق وتحديد الأولويات.
3. قصور المناهج الدراسية عن مواكبة التقدم العلمي في المجالات المختلفة.
4. ضعف الاهتمام بالأنشطة الصفِّية وغير الصفِّية.
5. انتشار ظاهرة ممارسة العنف والعدوان بين الطلاب أو ضدهم.
6. ضعف سلطة المدرس داخل الفصل، أو تغاضي المدرسين عن أخطاء الطلاب، والتهاون وعدم الحزم داخل الفصل.
7. تقليد بعض الطلاب ومحاكاتهم للسلوك المنحرف -المكروه منه والمحرم- بعيدًا عن ضوابط الأسرة أو المدرسة.
تؤثر وسائل الإعلام بكافة صورها -المقروءة والمسموعة والمرئية والجديدة- في العملية التربوية في المجتمع تأثيرًا بالغًا وباهرًا، وخاصة مع تطورها، واستخدام تكنولوجيا الفضائيات المتطورة بما تملكها من قدرة على التغطية، وتجاوز الحدود الزمنية والمكانية، وعدم اقتصارها على شريحة عمرية، أو مستوى تعليمي، أو قطاع جغرافي، بالإضافة إلى ما يميز منهجها الموازي من مميزات تفتقر إليها وسائط التربية الأخرى؛ حيث أصبحت تتسلل لكل مكان، وتفرض نفسها - دون استئذان - على كل أسرة مؤثرةً في جوانب حياتها المعاصرة. ومن ثَمَّ، تسهم وسائل الاتصال الجماهيري في نشر المعارف والأفكار بين أفراد المجتمع، كما يمكنها أن تعمل على تدعيم القيم المرغوب فيها، وكذا توضيح كثير من الأمور المتعلقة بالقضايا المجتمعية الملحة والطارئة، وتبصير قطاعات المجتمع باتجاهات المجتمع وموقفه الرسمي من مثل هذه القضايا.
ولعل ما يبرز أهمية الواجبات التربوية التي يمكن أن تقوم بها مثل هذه الوسائل: ما تقوم به العديد من الدول في استخدام وسائل الإعلام في العملية التعليمية؛ وذلك عن طريق تقديم موضوعات تعليمية فعالة من خلال برامج إعلامية موازية تمامًا لما يقدم في المؤسسات التعليمية، أو إنشاء مركز للتلفاز التعليمي مستقل تمامًا عن مؤسسة التلفاز العامة، أو من خلال تقديم برامج مهنية موجهةً هدفَها نحو زيادة مهارات العاملين في المجالات المختلفة.
وعمومًا، فإن الإعلام في المجتمع المسلم ينبغي - حتى يحقق أثره المنشود - أن يتمثل ما يلي:
1. أن تنبثق رسالة الإعلام من شمولية الإسلام وتصوره الكامل عن الحياة.
2. التزام الصدق، ودعوة الناس إلى الدين الإسلامي الذي أنزله الله؛ قال تعالى فيمن يخالف ذلك: ﭽ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﭼ [البقرة: ١٥٩].
3. تضافر جهود الإعلام وتكامل مهماته مع بقية الوسائط التربوية الأخرى.
4. مخاطبة الناس على قدر عقولهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
5. انتقاء البرامج المناسبة والنافعة؛ وخاصة لكلٍّ من الطفل والمرأة.
6. إيجاد حلول ناجعة لمشكلات المجتمع والأنماط السلوكية غير المرغوبة، بعد بيان مساوئها وآثارها على كل من الفرد والمجتمع.
7. صناعة الأفلام الإسلامية والتاريخية التي تقدم الشخصية المسلمة كما صوَّرها القرآن والسنة، وجسَّدها السلف الصالح، بهدف توضيح سلوك حياة المسلم، وبهدف إكساب مهارات التصدي لمشكلات الحياة.
8. ترشيد المادة الترفيهية لتحقيق أهداف التربية الإسلامية.
9. تنمية الشعور بالمسؤولية التي يقرها الإسلام: أمام الله، وأمام الضمير، ثم أمام المجتمع؛ وذلك من خلال الكلمة الصادقة التي تنتقد كل باطل فتدمغه، وتكفل كل حق وتنشره.
10. الاهتمام الزائد بالبرامج الإسلامية ذات الجهود المنسقة فيما بينها لإبراز رسالة الإسلام على الساحة الثقافية، من خلال توضيح الإعجاز والعطاء القرآني الممتد، ومراعاته لحقوق الإنسان فيما يخص كلاً من الرجل والمرأة والطفل، وكل ما من شأنه تزكية الفرد وربطه بدينه ووطنه وأمته.
11. مواصلة الجهود لتنقية التراث العربي والإسلامي من كل الشوائب أو التشوهات أو الافتراءات التي لحقت بالأحداث أو الشخصيات على مر التاريخ، وزيادة العناية بجمع التراث وتحقيقه ونشره في طبعات ميسرة وبأسعار مناسبة للشباب.
12. المواجهة العلمية المنهجية المستمرة لكل ما ينشر أو يذاع في الخارج من افتراءات وادعاءات حول التراث الإسلامي.
ورغم ما تقوم به وسائل الإعلام من وظائف ومهمات، إلا أنه قد توجد بعض العوامل التي تؤثر سلبًا عليها، مما يعوقها عن أداء رسالتها على الوجه الأمثل، ولعل أهم هذه العوامل تتمثل في:
1. بث وسائل الإعلام لرسائل مناقضة لتلك التي يتلقاها الفرد في الأسرة أو المدرسة.
2. انتشار برامج العنف وألعابه.
3. نشر الشائعات والخرافات والأخبار الكاذبة، وتشويه الحقائق.
4. تناول بعض فئات المجتمع بالسخرية، أو التقليل من هيبتهم على الأقل.
5. ضعف التحكم فيما تبثه القنوات الفضائية من مواد مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي.
6. التأثير الغربي في توجيه الإعلام في المجتمع المسلم لخدمة أهدافه ومصالحه.