نواقض الوضوء:
أولًا: كل ما خرج من السبيلين (القبل والدبر):
قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من ذكر الرجل وقبل المرأة، وخروج المذي، وخروج الريح من الدبر، وزوال العقل بأي وجه زال عقله: أحداثٌ ينقض كل واحد منها الطهارةَ، ويوجب الوضوء)[1]. والأدلة على ذلك:
أما الغائط والبول: فقوله تعالى: ﴿ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ﴾ [النساء:43]. وفي حديث صفوان في المسح على الخفين قال: «أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سَفْرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم»[2]. ففيهما دليل على وجوب الوضوء من البول والغائط.
وأما خروج الريح: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»، فقال رجل من حضـرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: «فُساء أو ضـراط»[3].
وأما المذي: ففي حديث علي رضي الله عنه وسؤاله عن المذي قوله ﷺ: «توضأ واغسل ذكرك»[4].
وأما الودي: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المني والودي والمذي، أما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي ففيهما إسباغ الوضوء ويغسل ذكره»[5].
(1) إذا خرج من الدبر شـيء غير معتاد كالدود والحصـى ونحو ذلك، فإنه ينقض الوضوء عند أكثر أهل العلم.
(2) إذا أُدخل في فتحة الذكر أو الدبر شـيء، ثم أخرج وجب الوضوء؛ لأنه لا يخلو من بلة نجسة.
(3) إذا خرج البول أو الغائط من غير السبيلين، وجب فيهما الوضوء على الراجح؛ لما تقدم من حديث صفوان: «... لكن من غائط وبول ونوم» على عموم خروجه سواء كان من المخرج المعتاد، أو من غيره.
تقدم في حديث صفوان بن عسال أن من نواقض الوضوء النوم، وقد وردت في هذا المعنى أحاديث؛ فمنها: حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ»[6]. ومعنى «السه»: حلقة الدبر، و«الوكاء»: الرباط.
ولا يعارض هذا ما رواه أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون»[7] -وفي بعض الروايات: «فيضعون جنوبهم»، أي على الأرض، وفي بعضها عند الترمذي: «حتى سمع لهم غطيطًا». و«الغطيط»: صوت نفس النائم، والنخير: أقوى منه- لا يعارض حديث عليٍّ رضي الله عنه إذ يمكن الجمع بين الأحاديث بأن النوم الناقض للوضوء هو النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك، وأما مبادئ النوم قبل الاستغراق فلا تنقض الوضوء.
(أ) قال النووي رحمه الله: (واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون، والإغماء، والسكر بالخمر، أو النبيذ، أو البنج، أو الدواء؛ ينقض الوضوء؛ سواء قل أو كثر، وسواء كان مُمكِّن المقعدة، أو غير مُمكِّنها)[8].
(ب) قال النووي رحمه الله: (قال أصحابنا: وكان من خصائص رسول الله ﷺ أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا؛ للحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «نام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه، ثم صلى ولم يتوضأ»[9][10].
يجب الوضوء من مس الفرج؛ سواء في ذلك الرجل والمرأة، وسواء كان المس بباطن الكف أو بظاهره، إلا أن يكون بينه وبينه حائل؛ لما ثبت في الحديث عن بُسـرة بنت صفوان رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «من مس ذكره فلا يُصلِّ حتى يتوضأ»[11]. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ قال: «أيما رجل مَس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ»[12].
وأما حديث طلق بن علي رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الرجل يمس ذكره هل عليه وضوء؟ قال: «لا؛ إنما هو بَضْعة منك»[13] (أي: قطعة). فقد أعله أبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وغيرهم؛ لأن مداره على قيس ولا يحتمل تفرده[14]، وعلى فرض صحته فهو حديث منسوخ؛ فقد أورد ابن حبان في صحيحه ما يدل على أن قدوم طلق بن علي كان عند بناء مسجد المدينة، ثم خرج ولم يعلم له قدوم بعد ذلك[15]، وأما حديث بُسـرة فقد رواه أيضًا أبو هريرة، وهو متأخر الإسلام، وهذا يقوي القول بنسخ حديث طلق[16].
وأيضًا فحديث طلق (إباحة)، وحديث بسـرة (حظر)، والقاعدة أنه: إذا تعارض الحظر والإباحة قدم الحظر. والحق في ذلك أنه ناقض للوضوء؛ سواء قصد الشهوة أو لم يقصدها، إلا أن يكون هناك حائل، إذ الظاهر من قوله: «من مس ذكره» أن المس المقصود به مباشـرة العضو نفسه. وقد ورد في هذا المعنى حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أفضـى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ»[17].
وأما مس الأنثيين (الخصـيتين) أو حلقة الدبر، فلا ينقض الوضوء وهو مذهب الأئمة الأربعة؛ لأن الحديث نص على «الذكر»، أو «الفرج»، ومعلوم أن الأنثيين وحلقة الدبر لا يطلق عليهما فرج.
سواء كان نيئًا، أو مطبوخًا، أو مشويًّا، أو على أي صفة أخرى. قال الخطابي رحمه الله: (ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث). وذلك لما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ»، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم، فتوضأ من لحوم الإبل»[18]، وعن جابر رضي الله عنه قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوضأ من لحوم الإبل»[19].
والظاهر من قوله: «لحوم الإبل»، جملة البعير؛ فعلى هذا يجب الوضوء إذا أكل كبده أو سنامه أو كرشه ونحو ذلك، وأما اللبن فلا يدخل فيه لأنه ليس لحمًا، فالنص لا يشمله.
الصحيح أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء؛ سواء كانت من ذوات المحارم، أو أجنبية، والدليل على ذلك: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أنام بين يدي رسول اللـه ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح»[20]. وعنها «أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ»[21].
وأما الاستدلال بقوله تعالى في آية الوضوء ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ [المائدة:6]؛ على أن لمس المرأة ينقض الوضوء، فالجواب: أن معنى اللمس هنا (الجماع) على الصحيح؛ لأن الملامسة مفاعلة وهي تكون بين اثنين، وقد قرر ذلك شـيخ الإسلام ابن تيمية وبسط هذا المعنى بسطًا حسنًا في (مجموع الفتاوى) فراجعه إن شئت.
القول بعدم نقض الوضوء من لمس المرأة، لا يعني جواز مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية؛ فمصافحتها حرام لقوله ﷺ: «اليدان تزنيان وزناهما البطش»[22]، ولقوله ﷺ: «لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له»[23].
(1) الدم لا ينقض الوضوء سواء كان قليلًا، أو كثيرًا (راجع حكم الدم من باب النجاسات).
(2) القيء والقلس (وهو ما يخرج من الجوف عند امتلاء البطن)، لا ينقض الوضوء؛ إذ لم يقم دليل صحيح صـريح على نقضه للوضوء، وأما حديث أبي الدرداء رضي الله عنه «أن رسول الله ﷺ قاء، فأفطر، قال ثوبان: أنا صببت عليه وضوءه»[24]، فليس صـريحًا في أن وضوءه كان بسبب القيء، بل هو موافقة حال، أي أنه قاء ووافق ذلك وقت وضوئه.
قال ابن حزم رحمه الله: (ليس فيه أن رسول الله ﷺ قال: من تقيأ فليتوضأ، ولا أن وضوءه ﷺ كان من أجل القيء). وقال ابن عثيمين رحمه الله: (فإن قال قائل: قد ورد أن النبي ﷺ قاء فتوضأ، قلنا هذا الحديث قد ضعَّفه أكثر أهل العلم، ثم نقول: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب؛ لأنه خال من الأمر). مجموع فتاوى (11/198).
(3) اختلف الفقهاء رحمهم الله في طهارة رطوبة فرج المرأة على قولين:
القول الأول: وهو القول بطهارتها، وإليه ذهب أبو حنيفة، وهو أحد القولين عن الشافعي، وهو مذهب الحنابلة والظاهرية، واختاره النووي من الشافعية[25].
القول الثاني: وهو القول بنجاسة رطوبة فرج المرأة مطلقًا، وإليه ذهب المالكية، وهو قول للشافعي [انظر: مواهب الجليل (1/105)، المجموع (2/589)].
هذا عن حكم رطوبة فرج المرأة، أمَّا نقض هذه الرطوبة للطهارة إذا خرجت من الفرج فاختلفوا فيه أيضًا على قولين:
الأول: عدم النقض بما يخرج من رطوبة فرج المرأة؛ وهو رأي المالكية بناء على حصـرهم النقض في الخارج المعتاد، وهو أيضا مذهب أبي حنيفة؛ بناء على جعلهم الحكم منوطًا بنجاسة الخارج، ورطوبة فرج المرأة طاهرة عندهم كما سبق بيانه.
الثاني: القول بالنقض بكل ما يخرج من السبيلين؛ وهو قول الشافعية والحنابلة، وتدخل الرطوبة في ذلك رغم قولهم بطهارتها.
والذي يظهر -والعلم عند الله- القول بعدم النقض بخروج رطوبة فرج المرأة، وأنها طاهرة، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية والشـيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله بعد مراجعته لبحث الدكتورة رقية المحارب.
(4) القهقهة لا توجب الوضوء؛ سواء كانت القهقهة في الصلاة أو خارجها -علمًا بأنها تبطل الصلاة- والقهقهة مذمومة، وهي في الصلاة أشد وأقبح؛ لما في ذلك من سوء الأدب وعدم التعظيم لشعائر الله.
(5) إذا شك أو خيل إليه ولم يتيقن أنه خرج منه شـيء أم لا -بمعنى هل أحدث، أم لا- فلا يضـره ذلك، ولا ينتقض وضوؤه إلا أن يتيقن؛ وذلك لما ثبت عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشـيء في الصلاة، فقال: «لا ينفتل حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا»[26]. ومعنى «لا ينفتل»: لا ينصـرف. قال النووي رحمه الله: (معناه: يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم بإجماع المسلمين)[27].
قُلْتُ: وكذلك إذا سمع صوتًا داخل بطنه، فإنه لا ينتقض الوضوء بذلك حتى تخرج الريح من الدبر.
(6) قال ابن قدامة رحمه الله: (إذا علم أنه توضأ وشك هل أحدث أم لا؟ بنى على أنه متطهر، وإن كان محدثًا فشك هل توضأ، أم لا؟ فهو محدث، يبني في الحالتين على ما علمه قبل الشك ويلغي الشك)[28].
(7) إذا أكل أو شـرب فلا يجب عليه الوضوء، وإنما يكفيه أن يتمضمض إذا كان الطعام دسمًا؛ لما ثبت في صحيح البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ شـرب لبنًا فدعا بماء فتمضمض وقال: «إن له دسمًا»[29].
(8) خروج ريح من القبل لا ينقض الوضوء؛ سواء في ذلك الرجل والمرأة؛ لأنه من مخرج غير معتاد خروج الريح منه، وفي المسألة خلاف[30].
(9) لمس فرج الصغير لا ينقض الوضوء على الراجح؛ وعلى هذا فإن من يقومون بتنظيف الأطفال إذا مسوا فروجهم فإن وضوءهم لا ينتقض[31].
(10) اعلم أن سقوط النجاسة على بدن الإنسان لا ينقض الوضوء، وإنما عليه فقط أن يزيل هذه النجاسة، وهو على حاله إن كان متوضئًا.
(11) أفتت اللجنة الدائمة أن من كان يخرج منه البول أو الريح على جهة الاستمرار فإن حكمه حكم المستحاضة (السعيدان: 29).