6 - طلاق الهازل:
عـن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جِدُّهن جِد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة»[1].
وقد اختلف العلماء في حكم طلاق الهازل؛ فمذهب الشافعية والحنفية أن الطلاق يقع، ومذهب مالك وأحمد أنه لا يقع. قال الخطابي رحمه الله: (اتفق عامة أهل العلم على أن صـريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا أو هازلًا، أو لم أنو به طلاقًا، أو ما أشبه ذلك من الأمور)[2].
وقال ابن القيم رحمه الله: (وتضمنت -أي الأحاديث- أن المكلف إذا هزل بالطلاق، أو النكاح، أو الرجعة، لزمه ما هزل به، فدل ذلك على أن كلام الهازل معتبر، وإن لم يعتبر كلام النائم، والناسـي، وزائل العقل، والمكره. والفرق بينهما: أن الهازل قاصدٌ للفظ غيرُ مريد لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنما إلى المكلف الأسباب، وأما تَرتُّبُ مسبباتها وأحكامها، فهو إلى الشارع -قصده المكلف أو لم يقصده- والعبرة بقصده السبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه، فإذا قصده رتب الشارع عليه حكمه؛ جد به أو هزل، وهذا بخلاف النائم، والمبرسم، والمجنون، والسكران، وزائل العقل؛ فإنهم ليس لهم قصد صحيح، وليسوا مكلفين، فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها، ولا يقصده. وسـر المسألة: الفرق بين من قصد اللفظ، وهو عالم به، ولم يرد حكمه، وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة:
إحداها: أن يقصد الحكم، ولا يتلفظ به.
الثانية: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه.
الثالثة: أن يقصد اللفظ دون حكمه.
الرابعة: أن يقصد اللفظ والحكم.
فالأوليان لغو، والأخريان معتبرتان)[3].
فمثال الأول: أن يقع في نفسه طلاقها، فهو يقصد في نفسه الحكم لكنه لم يتلفظ، فهذا لا يقع.
ومثال الثاني: تلفظ النائم والمكره ونحوهما بلفظ الطلاق، فهذا لا يقع كذلك؛ لأنه لم يقصد اللفظ.
ومثال الثالث: طلاق الهازل فهذا يقع؛ لأنه قصد اللفظ، وأما الحكم فليس إليه.
ومثال الرابع: طلاق العاقل البالغ فهذا يقع؛ لأنه قصد اللفظ والحكم.
والمقصود بالسفيه الضعيف العقل في مصلحة نفسه المَطَّال في دَيْنه، فمثل هذا يحجر عليه في ماله ويمنع من التصـرف فيه، لكن هل يقع طلاقه؟ قال ابن قدامة رحمه الله: (فأما السفيه فيقع طلاقه في قول أكثر أهل العلم؛ منهم القاسم ابن محمد، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه، ومنع منه عطاء، والأولى صحته؛ لأنه مكلف مالك لمحل الطلاق، فوقع طلاقه كالرشـيد، والحجر عليه في ماله لا يمنع تصـرفه في غير ما هو محجور عليه كالمفلس)[4]. وقال ابن المنذر رحمه الله: (وأجمعوا على أن طلاق السفيه لازم له، وانفرد عطاء بن أبي رباح فقال: لا يجوز نكاحه ولا طلاقه)[5].
اتفق العلماء على أن طلاق المريض يقع إن صح، وإنما اختلفوا في الإرث إن مات في مرضه هذا، فبعضهم يرى توريثها؛ لأنه إنما أراد بالطلاق حرمانها من الميراث، فيعاقب بنقيض قصده، وقد استدلوا على ذلك بأن عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ورَّثَ امرأة عبد الرحمن بن عوف بعد انقضاء العدة، وكان طلقها مريضًا»[6].
وبعضهم يرى عدم توريثها، وقد عارض ابن الزبير رضي الله عنه فعل عثمان رضي الله عنه فإنه قال: «وأما أنا فلا أرى أن ترث المبتوتة»[7].
قلت: ولم يأت في الكتاب والسنة ما يشـير إلى أن طلاق المريض لا يقع وأنها ترثه، مع عموم البلوى، والحاجة إلى مثل هذا الحكم، والأصل وقوع الطلاق وما ترتب عليه من أحكام، وأما ما أضمره في نفسه فعقوبته عند الله، وأما جريان الأحكام الشرعية فتقع آثارها إذا تحققت أركانها وشـروطها، وما دامت الزوجة محلا لتطليقه فالطلاق واقع، وآثاره واقعة، وعلىه فلا ميراث لها إذا انقضت العدة. وهذا ما ذهب إليه الشافعي في (الأم)، وانتصـر له ابن حزم في (المحلى)[8]، وهو الراجح. وأما فعل عثمان فهو محمول على واقعة عين، ومعارض بقول ابن الزبير السابق.
إذا قال رجل لامرأة ما: أنت طالق، أو إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها، فإن الطلاق لا يقع، ودليل ذلك: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ﴾ [الأحزاب:49]، فلم يجعل الطلاق إلا بعد النكاح.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك»[9]، رواه الترمذي وقال: (وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم). وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وهو الراجح كما تقدم[10].
تنبيه: إذا طلق في نفسه، ولم يتلفظ بالطلاق، فإن الطلاق لا يقع؛ لما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم»[11]. قال قتادة رضي الله عنه -بعد أن روى الحديث-: «إذا طلق في نفسه فليس بشـيء».
بمعنى إذا طلق زوجته وهو مشـرك، ثم أسلم، فهل يحسب عليه تطليقه في شـركه أو لا؟
في المسألة نزاع، والراجح ما ذهب إليه المالكية أنه لا يحتسب عليه تطليقاته التي طلقها في شـركه، ودليل ذلك:
(1) قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال:38].
(2) قول النبي ﷺ: «الإسلام يهدم ما قبله».
(3) ومما يدل على ذلك أن النبي ﷺ لم يسأل أحدًا ممن أسلم: هل طلق زوجه في الشـرك أم لا؟ مع إقراره ﷺ لأنكحتهم، فدل ذلك على أنه لم يعتد بتطليقهم في أثناء شـركهم. اتضح البيان بإقراره استدامة النكاح. قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لسائله: «ليس طلاقك في الشـرك بشـيء». وبهذا كان يفتي قتادة، وقال به الحسن وربيعة، وهو قول مالك وأبي سليمان وأصحابهما، وأيده ابن حزم مستدلاً له بقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق:1]. ثم قال: فإن قيل: فمن أين أجزتم سائر عقوده التي ذكرتم، قلنا: أما النكاح فلأن رسول الله ﷺ أقر نكاح أهل الشـرك وأبقاهم بعد إسلامهم عليه، وأما بيعه وابتياعه فلأن رسول الله ﷺ كان يعامل تجار الكفار، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي في أصواع من الشعير، وأما مؤاجرته، استأجر ابن أرقط ليدل به إلى المدينة وهو كافر، وعامل يهود خيبر على عمل أرضها وشجرها بنصف ما يخرج الله عز وجل من ذلك، وأما هبته وصدقته وعتقه، فلقول حكيم بن حزام: يا رسول الله أشـياء كنت أتحنث بها في الجاهلية من عتاقة وصلة رحم وصدقة. فقال له رسول الله ﷺ: «أسلمت على ما أسلفت من خير»، فسمى -عليه الصلاة والسلام- كل ذلك خيرًا، وأخبر أنه معتد به، فبقي الطلاق لم يأت بإمضائه نص فثبت على أصله المتقدم. فإن قيل فقد قال الله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة:49]، قلنا: نعم، وهذا الذي حكمنا به بينهم هو مما أنزل الله تعالى كما ذكرنا. أهـ كلامه، ومدار احتجاجه كما ترى على عدم الاعتداد بتصـرف المشـرك..
إذا كان الرجل غائبًا عن زوجته وأرسل إليها بالطلاق كتابة؛ فهل يقع طلاقه أو لا؟
اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من يرى عدم وقوعه، ومنهم من يرى وقوعه، وهو الراجح بشـرط أن يشهد على كتابه؛ لأن الكتاب يقوم مقام القول في البيان، ولذلك فإن النبي ﷺ بلغ رسالة ربه إلى بعض الناس بالقول، وإلى بعضهم -وهم الملوك- بالكتب، وأيضًا فقد ثبت في الحديث عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها «أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب»[12].
ولكن متى يكون الطلاق واقعًا عليها؟
رجَّح ابن حزم في المحلى أن الطلاق لا يعتد به إلا حين يبلغها الخبر، فإن لم يبلغها الخبر فهي على حكم الزوجية من حيث وجوب النفقة والتوارث وغير ذلك، ولا تحتسب عدتها إلا من وقت بلوغ خبر الطلاق إليها[13].
ورجح الشـيخ ابن عثيمين أنه يحسب من وقت الطلاق، وهذا مذهب الحنابلة[14]، والله أعلم.