(ب) شـروط الصـيد بالحيوان:
وهو الحيوان الجارح المعلَّم؛ فيشمل جوارح السباع كالكلب، وجوارح الطير كالصقر؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾ [المائدة:4] ويشترط في الصـيد بالجوارح ما يلي:
ويحكم على الجارح أنه معلَّم إذا تحقق فيه ثلاثة أشـياء: إذا أرسلته استرسل، وإذا زجرته انزجر، وإذا صاد لم يأكل؛ لما ثبت في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قوله ﷺ: «إذا أرسلت كلابك المعلمة، فذكرت اسم الله، فكل مما أمسكن عليك -وإن قتلت- إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل؛ فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه»[1]. ولأن الله تعالى قال: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾ [المائدة:4].
فدل ذلك على أنه لو أكل فإنه قد أمسك لنفسه ولم يمسك لنا، فلا يحل صـيده.
الثاني: ألا يشاركه كلب آخر:
فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: أُرسل كلبي، فأجد معه كلبًا آخر، قال: «لا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك، ولم تسم على الآخر»[2].
الثالث: أن يقتله جرحًا، لا خنقًا، ولا مصطدمًا به:
فإن قتله خنقًا، أو مصطدمًا به لم يبح عند الجمهور، وأباحه الشافعية والظاهرية، والراجح قول الجمهور؛ لقوله ﷺ: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل»[3]، ولأن الله حرم المنخنقة والموقوذة.
أحكام الجوارح؛ ما يحل منها وما لا يحل:
(1) قال ابن حزم: (وإن شـرب الجارح -الكلب أو غيره- من دم الصـيد لم يضـر ذلك شـيئًا، وحل أكل ما قتل)[4].
(2) إذا أكل الجارح المعلَّم من الصـيد لم يسقط حكمنا عليه بأنه معلَّم، بل الحكم أننا لا نأكل من هذا الصـيد الذي أكل منه، وأما ما يصـيده بعد ذلك ولم يأكل منه، فهو حلال.
(3) إذا كان الكلب غير معلَّم واصطاد، فإن أدركه صاحبه حيًّا فذكاه حل، وإلا فهو ميتة؛ سواء أكل منه الكلب أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾ [المائدة:3]، ولما ثبت عن النبي ﷺ قال: «وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل»[5].
(4) إذا أمسك الصـيد ولم يأكل منه وهو قادر على الأكل منه، ثم أكل؛ فباقيه حلال؛ لأنه لما لم يأكل منه مع قدرته على ذلك دل على أنه لم يمسك على نفسه، وإنما أمسك على مرسله، وأما أكله منه بعد ذلك فقد يكون لجوع ونحوه.
(5) إذا انطلق الجارح إلى الصـيد من غير إرسال، فإن الصـيد لا يحل، إلا أن ندركه حيًّا فنذكيه؛ لقوله ﷺ: «إذا أرسلت كلبك المعلَّم...»، وهذا لم يرسله.
(6) الأصل تحريم اقتناء الكلاب، لكن أبيح منها ما كان للصـيد، أو للزرع، أو للماشـية؛ لقوله ﷺ: «من اقتنى كلبًا غير كلب صـيد ولا ماشـية ولا أرض، فإنه ينقص من أجره قيراطان كل يوم»[6].
(7) اختلف العلماء هل يجب غسل أثر فم الكلب من الصـيد؟ فذهب الحنفية والشافعية، وفي وجه عند الحنابلة؛ إلى وجوب غسله؛ لأنه ثبتت نجاسته، وذهب المالكية، وهو الوجه الثاني عند الحنابلة؛ إلى أنه لا يجب غسله.
(8) استثنى الإمام أحمد والظاهرية الاصطياد بالكلب الأسود البهيم؛ لأن الأحاديث وردت بتحريم اقتنائه، وأمرت بقتله.
(9) لا يحل بيع الكلاب؛ لأن النبي ﷺ قال: «ثمن الكلب خبيث»[7]، فلا يحل بيعها حتى لغرض الصـيد ونحوه مما أبيح فيه اقتناؤه، فإذا لم يجد الكلب إلا بالشـراء أبيح له شـراؤه للضـرورة، ويكون الإثم على البائع فقط.
ثالثًا: شـروط الحيوان المصـيد:
(1) أن يكون المصـيد مباح الأكل شـرعًا:
وهذا شـرط متفق عليه؛ فإنه لا يحل ما كان محرمًا علينا كالخنزير؛ سواء كان بالتذكية أو بالصـيد.
(2) أن يكون متوحشًا يعجز عنه الإنسان:
وأما المستأنس المقدور عليه، فإنه لا يصاد، وإنما يُذكَّى.
واختلفوا في المصـيد المستأنس إذا توحش ولم يقدر عليه، فالراجح أيضًا جواز اصطياده؛ لقوله ﷺ: «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فمن فعل هذا، فافعلوا به هكذا»، وقد تقدم الحديث في كتاب التذكية.
لا بثقل ولا بخنق.
وذلك إذا كان لا يموت سـريعًا، وأما إن أدركه ميتًا، أو أدركه بحيث إنه يموت سـريعًا فإنه يحل؛ سواء ذكاه أو تركه حتى يموت، وكذلك إن عجز عن تذكيته فتركه حتى مات فإنه يحل.
يحظر على الإنسان أن يصطاد في الحالات الآتية:
(1) إذا كان الصائد مُحْرِمًا بحج أو عمرة:
فيحرم عليه صـيد البر، ويباح له صـيد البحر؛ لقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا ﴾ [المائدة:96].
(2) يحرم الصـيد داخل مكة والمدينة:
سواء كان الإنسان محرمًا أو غير محرم؛ لقوله ﷺ: «لا يُنَفَّر صـيدها»[8].
لأن ذلك عدوان وظلم، وقد ثبت في الحديث: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»[9].
(4) ويحظر الصـيد إذا كان مقصوده اللهو واللعب:
لقوله ﷺ: «لا تتخذوا شـيئًا فيه الروح غرضًا»[10].
يتملك الصائد الصـيد بما يلي:
(1) بالاستيلاء الفعلي على الصـيد:
أي: بوضع اليد عليه، بشـرط ألا يكون فيه أثر مِلك لغيره، كقص جناح أو خضب، أو وسم، أو نحو ذلك، فإذا وجد ما يدل على أنه ملك للغير، فإنه لا يملكه بصـيده، بل عليه أن يرده لصاحبه، ويكون حكمه حكم اللقطة، وقد تقدم بيانها.
(2) ويملك الصـيد أيضًا باصطياده بجرح مُثْخِن يحبسه:
أو بكسـر جناح يمنعه من الطيران؛ فعن البهزي أن رسول الله ﷺ مر بالروحاء، فإذا حمار وحشـي عقير، فقال رسول الله ﷺ: «دعوه؛ فإنه يوشك أن يأتي صاحبه»، ثم مضـى، فلما كان بالأثابة[11]، إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فأمر رسول الله رجلًا يثبت عنده، لا يريبه أحد من الناس[12].
وهذا يدل على أن صاحب السهم الذي أصاب الظبي هو أحق به؛ لأنه حبسه بسهمه.
(3) الاستيلاء الحكمي:
وذلك إذا وضع شبكة أو فخًّا للاصطياد، فوقع فيها الصـيد؛ فإنها لصاحب الشبكة، سواء كان حاضـرا أم غائبًا.
إذا ألجأه إلى مضـيق لا يستطيع الانفلات منه؛ فإنه يصـير ملكًا له، وكذلك من صنع بركة ماء، فانحبس فيها السمك، فهو لصاحب البركة.
وإذا ملك الصـيد لا يحل لأحد أخذه، حتى لو هرب من صاحبه؛ لأنه ملكه.
فإذا وقع في الشبكة فخرقها وهرب لم يملكه؛ لأنه لم يحبسه بشبكته، وكذلك لو هرب بالشبكة بحيث يكون غير مقدور عليه فإنه لا يملكه، أما لو هرب بها على وجه يمكنه القدرة عليه فهو لصاحب الشبكة.