أحكام الديات
لغة: تقول: ودى القاتل القتيل: يَديه دِيَة: إذا أعطى وليه المال بدلًا عن النفس أو ما دونها.
واصطلاحًا: هو المال الواجب في الجناية على النفس أو ما في حكمها؛ يدفع إلى المجني عليه إذا كان حيًّا، وإلى وليه إن كان ميتا.
وتسمى الدية أيضًا: «العَقْل»، وسميت بذلك؛ لأنها تعتقل (تمنع) الدماء أن تراق، وقيل: لأنهم كانوا يعقلون الإبل ثم تساق إلى ولي الدم.
الأصل في مشـروعيتها الكتاب والسنة والإجماع:
أما (الكتاب): فقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ [النساء:92].
وأما (السنة): فالأحاديث كثيرة؛ منها حديث عمرو بن حزم وهو «أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات»[1].
وقوله ﷺ: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يُودَى وإما أن يقاد»[2].
وأما (الإجماع): فقد أجمع العلماء على وجوب الدية في الجملة.
والحكمة من وجوبها هي صون بنيان الآدمي ودمه من الهدر. ومن المقرر أن حفظ النفوس من الكليات الخمس الكبرى في الشـرع.
تجب الدية على كل من جنى على إنسان معصوم؛ بمباشـرة أو بسبب غير مأذون فيه، ويتعلق بهذا ما يلي:
(1) المعصوم الدم: هو المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، أما من قتل حربيًّا، أو من وجب عليه قصاص، أو حد، أو كان مرتدًّا، فإنه لا دية عليه.
(2) لا فرق بين أن يكون الجاني صغيرًا أو بالغًا، عاقلًا أو مجنونًا، مريدًا للقتل أو غير مريد، عامدًا أو مخطئًا. (لكن يلاحظ أنه في حالة العمد تكون الدية -إذا اختارها أولياء الدم- بدلًا عن القصاص، كما تقدم).
(3) لا يشترط التكافؤ في الدية كما هو الحال في القصاص، فيرى جمهور العلماء أنه تجب الدية؛ سواء أكان القاتل أو المقتول مسلمًا أو ذميًّا أو مستأمنًا، لكن يختلف مقدار الدية كما سـيأتي.
(4) وكذلك تجب الدية لو كان المقتول صغيرًا أو مجنونًا.
(5) قولهم: (غير مأذون فيه)، مفهومه أنه إذا كان بسبب مأذون فيه فليس عليه دية؛ كالطبيب الماهر إذا لم يقصـر ولم يهمل مع المريض، وكمن انتزع يده ممن عضها فكسـر ثنيته، وكمن حذف حصاة لمن ينظر في بيته ففقأت عينه، وغير ذلك.
(6) إذا ضـرب السلطان متهمًا، أو الأب ابنه، وكان ذلك للتأديب؛ فلا دية عليه، إلا أن يتجاوز الضـرب زيادة على ما يحقق المقصود.
أجمع العلماء على أن الأصل في الدية: الإبل، ثم اختلفوا في تحديد الدية بغير الإبل، وإليك آراء المذاهب:
(1) مذهب الشافعي في الجديد: أنه إذا وجدت الإبل فلا يُعدَل إلى غيرها، وأما إن عدمت حسًّا؛ بأن لم توجد في موضع يمكن تحصـيلها منه، أو عدمت شـرعًا بأن وجدت أكثر من ثمن مثلها، فالواجب (قيمة الإبل) بنقد البلد الغالب.
ودليلهم: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، كان ذلك كذلك حتى استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام عمر خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت. فقوَّم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشـر ألف درهم، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة»[3].
(2) مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي في القديم وأحمد في إحدى الروايات: أن أصول الدية ثلاثة: وهي: الإبل، والذهب، والفضة، فيجزئ دفعها من أي نوع منها.
ودليلهم: حديث عمرو بن حزم في الديات: «وإن في النفس الدية؛ مائة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألف دينار»[4]، وعلى هذا فتقديرهم في الإبل: مائة بعير، وفي الذهب: ألف دينار، أما الفضة فأكثر العلماء يجعلها اثنتي عشـر ألف درهم، وعند الحنابلة: عشـرة آلاف درهم.
(3) مذهب صاحبي أبي حنيفة وأحمد: أن أصول الدية خمسة: وهي الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم، ويزيد الصاحبان «الحلل»، فبأي شـيء منها أحضـره الجاني لولي الدم قبله. ودليلهم: ما تقدم من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
قلت: والراجح من ذلك أن الإبل هي (الأصل) في تحديد الدية، وأن غيرها من الذهب والفضة (تقويم) للإبل، ولذلك فإن عمر رضي الله عنه قوَّمها وزاد عما كان لغلاء الإبل، ولو كانت هذه الأشـياء أصولًا لما كان لذكر الغلاء معنى.
ومما يؤيد ذلك ما ثبت في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، بعد ذكر الدية من الإبل قال: «وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الوَرِق، ويقومها على أهل الإبل؛ إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الوَرِق، قال: وقضـى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاة ألفي شاة»[5].
الدية قد تكون على النفس، وقد تكون على ما دون النفس، وسوف أبين ذلك فيما يلي:
سبق أن القتل قد يكون خطأ، وقد يكون شبه عمد، وقد يكون عمدًا، وسوف أتكلم عن أحكام الدية في هذه الحالات.
أولاً: الدية في القتل الخطأ:
تجب الدية في حالة القتل الخطأ؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ۚ فَإِنْ كَانَ مِنْ عز وجل عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92].
ويتعلق بذلك ما يلي:
(1) أنه لا قصاص في القتل الخطأ، وإنما فيه الدية والكفارة إذا كان المسلم القتيل مقيمًا بين المسلمين، أو كان مقيمًا بين قوم معاهدين بيننا وبينهم ميثاق (وسـيأتي حكم ذلك)، فإن كان المسلم القتيل مقيمًا بين قوم حربيين فقتله المسلم خطأ فلا دية، وإنما عليه الكفارة فقط؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ عز وجل عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ ﴾ [النساء:92]، ومعنى (من) هاهنا: (مع).
(2) الأصل أن دية المسلم مائة من الإبل تؤدى أخماسًا كالآتي: عشـرون بنت مخاض، وعشـرون بنت لبون، وعشـرون حقة، وعشـرون جذعة، وهذا كله قد اتفق عليه الأئمة الأربعة، لكنهم اختلفوا في العشـرين الباقية.
فمذهب الحنفية والحنابلة أنها عشـرون بني مخاض (ذكور)، ودليلهم ما ورد عن ابن مسعود مرفوعًا: «في دية الخطأ عشـرون حقة، وعشـرون جذعة، وعشـرون بنت مخاض، وعشـرون بنت لبون، وعشـرون بني مخاض ذكر»[6]، لكنه حديث ضعيف.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن العشـرين الباقية هي من بنى اللبون؛ لأن النبي ﷺ «ودى رجلًا قتل بخيبر بمائة من الإبل، وكان ذلك من إبل الصدقة»[7]، ومعلوم أن إبل الصدقة ليس فيها ابن مخاض.
وذهب بعض أهل العلم -وهو طاوس- إلى أن دية الخطأ تقسم أرباعًا؛ كما ثبت في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «من قتل خطأ فديته مائة من الإبل؛ ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشـرة بني لبون ذكور»[8].
وأما إذا أخرجت الدية من الذهب أو الفضة فهي تقدر كما يلي:
- بالذهب: ألف دينار ذهب، والدينار يساوي (4.15جم) فيكون المجموع 4150 جم ذهبًا.
- بالفضة: اثنا عشـر ألف درهم فضة، والدرهم (3.12جم) فيكون المجموع 37440 جم فضة.
تقدم أن دية المسلم مائة من الإبل، ويجوز أن تكون ألف دينار ذهبا أو اثني عشـر ألف درهم فضة، وهذه الدية إنما هي إذا كان القتيل مسلمًا ذكرًا، وأما إذا كان غير ذلك فيختلف ذلك بحسب ما يلي:
دية الأنثى المسلمة نصف دية الذكر المسلم بإجماع العلماء؛ فعن شـريح قال: أتاني عروة البارقي من عند عمر رضي الله عنه: «أن جراحات الرجال والنساء تستوي في السن والموضحة، وما فوق ذلك فدية المرأة على النصف من دية الرجل»[9].
الراجح أن دية الذمي والمستأمن نصف دية المسلم؛ لما ثبت في الحديث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، «أن النبي ﷺ قضـى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين»[10]، وفي رواية: «دية المعاهد نصف دية المسلم»، وهذا مذهب مالك وأحمد.
والقول الثاني: أن دية الذمي مثل دية المسلم، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهو مروي عن عمر وعثمان وابن مسعود ومعاوية رضي الله عنهم.
والقول الثالث: أن دية الذمي ثلث دية المسلم. والمذهب الأول هو الأرجح؛ لورود الحديث فيه، والله أعلم.
وكذلك دية المرأة الكتابية على النصف من دية المرأة المسلمة.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الدية في القتل الخطأ تؤدى مؤجلة في ثلاث سنوات، ورأى بعضهم أن ذلك إجماعٌ[11]، ودليلهم في هذا أنه قضاء عمر وعلي رضي الله عنهما، وليس لهما مخالف، وذهب بعض العلماء إلى أنها لا بد أن تكون في الحال.
والذي رجحه شـيخ الإسلام ابن تيمية أن المقصود تيسـير الأمر على العاقلة في أداء الدية، وأما إذا كانوا موسـرين ولا ضـرر عليهم في أداء الدية معجلة، فإنها تؤخذ منهم حالًا، أي أن التأجيل ليس على سبيل الوجوب، وإنما ينظر فيه حسب المصلحة[12]. قال: والمنصوص عن أحمد أن التأجيل ليس بواجب.