حجم الخط:

محتوى الدرس (81)

الخطبة بمنى وثاني أيام التشريق:

[الأحاديث]

792- عن أبي بكرة قال: «خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ»، الحديث. متفق عليه.

793- وعن سراء بنت نبهان رضي الله عنها قالت: «خَطَبَنَا رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ الرُّؤُوسِ فَقَالَ: «أليْسَ هَذَا أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟»، الحديث رواه أبو داود بإسناد حسن. [ضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (5/ 68)، وينظر ميزان الاعتدال (2/44)].

ترجمة الراوي:

سراء بنت نبهان الغنوية، لها صحبة، وكانت ربة بيت من بيوت الأصنام في الجاهلية.

التوضيح:

- يوم الرؤوس: هو اليوم الثاني بعد يوم النحر، سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رءوس الأضاحي، ويسمى أيضًا يوم القرِّ؛ لأن جميع الحجاج يقرون فيه بمنى.

الدلالات الفقهية:

1 - مشروعية الخطبة بمنى يوم النحر، وإلى مشـروعيتها يوم النحر ذهب الشافعية والحنابلة[1]، وأحاديث الباب صريحة في ذلك، وقد اتفقوا على مشروعية الخطبة بعرفات[2].

2 - ودلَّ حديث سراء بنت نبهان على استحباب الخطبة في اليوم الثاني من أيام التشريق، والمراد هنا ثاني يوم النحر، وهو يوم القر، قال الصنعاني: (يوم الرؤوس ثاني يوم النحر بالاتفاق)[3].

3 - في الحج أربع خطب مسنونة:

إحداها: يوم السابع من ذي الحجة، يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، وهو قول الجمهور خلافًا لأحمد.

والثانية: التي ببطن عُرَنة يوم عرفات، وهي خطبة مجمع عليها.

والثالثة: يوم النحر.

والرابعة: يوم النفر الأول، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق.

وكل هذه الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر، إلا التي في عرفات، فإنها خطبتان، وقبل الصلاة، ويُضمِّن كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى[4].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

من معجزات النبي ﷺ في ذلك اليوم أن فتح الله أسماع جميع الحجاج بمنى في تلك الساعة حتى سمعوا خطبة النبي ﷺ يوم النحر كاملة، ووعوها، حتى إنهم ليسمعونها وهم في منازلهم!! فعن عبد الرحمن بن معاذ التيمي رضي الله عنه قال: «خطبنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى، فَفُتِحت أسماعُنا حتى كُنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا». [أخرجه أبو داود (1957)].

سعي القارن والنزول بالمحصب:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: 158]. لما جعل الله الصفا والمروة من الشعائر المرتبطة بالحج والعمرة علَّمنا أنه لا بد من السعي بينهما كما فعل النبي .

[الأحاديث]

794- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالـمَرْوَةِ يَكْفِيكَ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، رواه مسلم.

795- وعن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْـمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْـمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ»، رواه البخاري.

796- وعن عائشة رضي الله عنها: أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ -أَيْ: النُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ- وَتَقُولُ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ الله ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ»، متفق عليه. [وفي لفظ لمسلم في الصحيح (3147) قالت: «نزول الأبطح ليس بسنة»].

التوضيح:

- ثم رقد رقدة: أي: نام نومة خفيفة.

- المحصَّب: الشِّعب الذي مخرجه إلى الأبطح وهو خيف بني كنانة، وسمي به لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل، فإنه موضع منهبط، والمحصب هو الأبطح، والمحصب: يصح أن يقال لكل موضع كثر حصباؤه، والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى.

- ثم ركب إلى البيت فطاف به: أي: طواف الوداع.

الدلالات الفقهية:

1 - دل حديث عائشة على أن القارن بين الحج والعمرة لا يلزمه إلا طواف واحد، وسعي واحد، كالمفرد، وهو قول الجمهور [5].

2 - المراد بالطواف الواحد: طواف الإفاضة، وأما الطواف الذي يأتي به حين قدوم مكة، فهو طواف القدوم، وهو سنة، وله أن يأتي بالسعي بعد هذا الطواف -طواف القدوم- أو يؤخره ليكون بعد طواف الإفاضة.

3 - ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب للحاج إذا فرغ من الرمي ونفر من منى أن يأتي المحصب، وينزل به، ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به ليلة الرابع عشر [6].

4 - ودلَّ حديث عائشة على عدم استحباب نزول المحصب والأبطح، وأن النبي ﷺ إنما فعل ذلك اتفاقًا، قال الحافظ: (لكن لما نزله النبي ﷺ كان النزول به مستحبًا اتباعًا له، ولتقريره على ذلك، وفعله الخلفاء بعده كما رواه مسلم عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح)[7].

طريقة الاستدلال:

التأسي برسول الله ﷺ هو أن تفعل كما فعل لأجل أنه فعل.

فالتأسي إذن لا بد فيه من أمرين: 1- المتابعة في صورة العمل. 2- المتابعة في القصد.

فإذا طاف ﷺ حول الكعبة واستلم الحجر وصلى خلف المقام، كان التأسي والاقتداء به أن يفعل هذا الفعل وأن يقصد به العبادة؛ لأنه ﷺ فعل ذلك وقصد به العبادة.

أما ما فعله ﷺ بحكم الاتفاق ولم يقصده، فإن التعبد بذلك الفعل لا يكون تأسيًا به ﷺ؛ لأنه لم يقصده.

وأما إذا تردد الفعل بين هذا وذاك، فهنا اختلفت أنظار العلماء، ومن ذلك نزوله ﷺ بالمحُصب[8].

طوافا الإفاضة والوداع:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29].

أمر الله بهذا الطواف بعد قضاء التفث يدل على أن المراد به طواف الإفاضة، والتكرار المستفاد من الشدة المضعفة في كلمة (ولْيَطَّوَّفُوا) يدل على أن هناك طوافا واجبًا غيره هو طواف الوداع، والله أعلم.

[الأحاديث]

797- عن عائشة رضي الله عنها قالت: حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر، فحاضت صفية، فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله، إنها حائض. قال: «أحابستنا هي؟» قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت يوم النحر، قال: «اخرجوا»، متفق عليه.

798- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ عَنِ الْـحَائِضِ» متفق عليه.

التوضيح:

- أفاضت: طافت طواف الإفاضة.

- يوم النحر: هو يوم العاشر من ذي الحجة.

- يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْت: أي: بالطواف، ويسمى هذا الطواف: طواف الوداع؛ لأن هذا الطواف إنما وجب توديعًا للبيت، ويسمى طواف الصَدَر؛ لوجوده عند صدور الحجاج، ورجوعهم إلى وطنهم.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث عائشة أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يسقط بحال، ولا بد منه، وأن المرأة إذا حاضت لا تنفر حتى تطوف، فإن قوله ﷺ: «أحابستنا هي؟» يدل على أن عدم طواف الإفاضة موجب للحبس[9].

2 - وفيه أن طواف الإفاضة يوم النحر، وهو السنَّة.

3 - وفيه إباحة الجماع للأهل بعد الإتيان بأسباب التحلل في الحجِّ.

4 - وفيه عدم وجوب الدم بترك طواف الوداع من الحائض، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر صفية بالنفر لما ذكر له أنها طافت للإفاضة يوم النحر، ولم يذكر دمًا ولا غيره، وهو قول كافة العلماء إلا قولًا شاذًا حكاه القاضي عياض.

5 - وفي حديث ابن عباس دليل على أن طواف الوداع واجب، فيكون آخر أعمال الحاج، ومن تركه عمدًا أو جهلًا أو نسيانًا لزمه دم، وأثم إن كان متعمدًا، وهو قول الجمهور [10].

6 - وفيه دليل على سقوط طواف الوداع عن الحائض [11].

7 - أهل مكة ليس عليهم طواف وداع ولا طواف قدوم؛ لانتفاء معنى ذلك في حقهم، فإنهم ليسوا بقادمين إليها، ولا مودِّعين لها ما داموا فيها.

طريقة الاستدلال:

طواف الوداع واجب؛ لأمر النبي ﷺ به، والأصل حمل الأمر على الوجوب، ويؤيده ما رواه مسلم: «لا ينفرن أحد منكم حتى يكون آخر عهده بالبيت».

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة