حد اللواط:
قال الله تعالى: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ٨٠ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ٨١ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ٨٣ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: 82 - 84] قال ابن عادل في تفسيره اللباب: (اللواط يوجب الحد وهذه الآية تدلُّ عليه من وجوه:
الأول: أنَّهُ ثبت في شريعةِ لُوطٍ رجم اللوطيّ، والأصل بقاء ما ثبت إلى أنْ يرد الناسخ، ولم يرد في شرع مُحَمَّدٍ ﷺ ما ينسخه، فوجب الحكم ببقائه.
الثاني: قوله تعالى: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام:90].
الثالث: قوله تعالى: ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف:84] والمرادُ من هذه العاقبة ما سبق ذكره من إنْزالِ الحجر عليهم...؛ لأنَّ ذلك هو المدلول السابق، فينصـرف إليه ذكر الحكم عقيب الوَصْفِ مشعرًا بالعليَّة). اهـ
وقال الله تعالى: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ۖ فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ﴾ [النمل: 58]. قال ابن عطية: (هذه الآية أصل لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية).
1226- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النـبي ﷺ قال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالْـمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ، فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ». رواه أحمد والأربعة، ورجاله موثقون، إلا أن فيه اختلافًا. [أعلَّه ابن معين فيما نقله ابن عدي في الكامل (12099)، والبخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (428)، والنسائي في الكبرى (7500)، وغيرهم].
1 - اختلف الفقهاء في عقوبة اللواط، فمنهم من قال: يقتل على أي حال كان، وبه قال المالكية[1]، واستدلوا بحديث ابن عباس وعمل جماعة من الصحابة.
ومنهم من قال: بل يعاقب عقوبة الزاني، فيرجم إن كان محصنًا، ويجلد إن كان غير محصن، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة[2].
ومن الفقهاء من قال: يعزر التعزير البليغ الذي يراه الحاكم حتى يتوب، وبه قال الحنفية[3].
2- الأظهر -والله أعلم- أن عقوبته القتل مطلقًا، أحصن أم لم يحصن؛ لقوة أدلة هذا القول، كما نصَّ عليه الحديث، وهو إن كان فيه اختلاف فقد أفتى الصحابة بقتل من عمل عمل قوم لوط، وقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلَّظت المحرمات، فإن وطء من لا يباح بحال أعظم جرمًا من وطء مَنْ يباح في بعض الأحوال، فيكون حدُّه أغلظ.
وأما صفة قتله: فالراجح أن المرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، من القتل بالسيف أو الرَّجم بالحجارة، ونحو ذلك حسب مصلحة الرَّدع والزَّجر[4].
3 - المفعول به كالفاعل؛ لأنهما اشتركا في الفاحشة، فكان عقوبتهما القتل كما جاء في الحديث، ولكن يستثنى من ذلك حالتان:
الأولى: من أكره على اللواط بضرب أو تهديد بالقتل ونحوه، فإنه لا حد عليه[5].
الثانية: إذا كان المفعول به صغيرًا لم يبلغ، أو كان مجنونًا، فإنه لا يحد، وهذا مجمع عليه، ولكن يؤدب ويعزر بما يردعه عن اقتراف هذه الجريمة[6].
4 - وفي الحديث دليل على ما ذهب إليه الحنابلة من أن البهيمة تقتل، سواء كانت مملوكة له أو لغيره، وسواء كانت مأكولة أو غير مأكولة، وذهب الجمهور إلى أنه لا حد على من أتى بهيمة، لكنه يعزر[7]. وهو الراجح، فإن حديث ابن عباس لا يصح، وقد ثبت في سنن أبي داود (4465) وحسنه الألباني من طريق عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، قال: «ليس على الذي يأتي البهيمة حد»، قال أبو داود بعد روايته: حديث عاصم يضعف حديث عمرو ابن أبي عمرو؛ أي أن هذا الحديث الموقوف عن ابن عباس دليل على ضعف حديث الباب؛ لأنه لو كان صحيحًا لما أفتى ابن عباس بخلافه وعنده نصٌّ عن النبي ﷺ.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - جريمة اللواط من أعظم الجرائم، وأسوأ الذنوب، وأقبح الأفعال، وقد عاقب الله فاعليها بما لم يعاقب به أمة من الأمم، وهي تدل على انتكاس الفطرة، وطمْس البصيرة، وضعف العقل، وقلة الديانة، وهي علامة الخذلان، وسلم الحرمان، ونقل الذهبي الاتفاق على أنها من كبائر الذنوب[8].
2 - الموفق يجتنب أسباب المعصية لاجتناب الوقوع فيها، فإن مقاربة مواطنها ومقارفة أسبابها يوصل إليها ويجعل النجاة منها متعسرة؛ ومن ذلك الابتعاد عن البيئات الفاسدة واجتناب أصدقاء السوء، الذين يهيجون الشهوات ويزينون الفواحش، ويُجرّئون على الاستهانة بحرمات الله وتعدي حدوده، ويهوّنون الوقوع في أشنع القبائح وأكبر الكبائر!
من قال بأن حكم اللواط حكم الزنا: استدل بقياس اللواط على الزنا، بجامع أن كلًا منهما إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعًا محرم شرعًا، فيكون حكمه كالزاني، وهذا القول مخرَّج على القول بإجراء القياس في الأسباب، وهو قول الشافعية والحنابلة خلافًا للحنفية.
ولكن هذا القياس فاسد الاعتبار، لأنه في مقابلة نص؛ قال الشوكاني: (ويجاب عن ذلك: بأن الأدلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا مُخصِّصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها للوطي، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول)[9].
قال تعالى: ﴿ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [الأعراف: 13].
قال ابن عاشور: (هذه الآية أصل في ثبوت الحق لأهل المحلة أن يُخرجوا من محلتهم من يُخشى من سيرته فشو الفساد بينهم).
1227- عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ الـمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ، وَالْـمُتَرَجِّلَاتِ مِنْ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ»، رواه البخاري.
1 - المتخنثون من الرجال: هم الذين يتشبهون بالنساء في حركاتهم، ومشيتهم، وتكسـرهم، ولباسهم، وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء.
2 - يحرم على الرجال التخنث والتشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بهن، وكذلك في الكلام والمشي، والنهي مختص بمن تعمد ذلك، ومن كان ذلك من أصل خلقته فإنه يؤمر بتكلف تركه، والمواظبة والملازمة على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إذا بدا منه ما يدل على الرضا به[10].
3 - وأما عقوبته، فالتخنث بالاختيار من غير ارتكاب الفعل القبيح: معصية لا حد فيها ولا كفارة، فعقوبته عقوبة تعزيرية تناسب حالة المجرم وشدة الجرم، كالنفي الوارد في الحديث، وكذلك فَعَلَ الصحابة من بعد النبي ﷺ.
4 - وفي الحديث أيضًا تحريم تشبه النساء بالرجال، وأنه من كبائر الذنوب.
الدلالات الإيمانية والمقاصدية:
1 - تخنث الرجال وتشبههم بالنساء في الحركات والمشي واللباس آفة عظيمة قد ابتليت بها عدة مجتمعات في العصر الحديث؛ ومن المعلوم أن من تشبَّه بأحد اكتسب مثل أخلاقه وصفاته، فانتشار التخنث في المجتمعات يفضي إلى ضعف الشباب وذهاب فتوتهم، فلا يقوى المجتمع على الدفاع عن نفسه من الأعداء، وتضيع مكتسباته؛ لذا نهى الشرع عنه وعدَّه من الكبائر.
2 - والمرأة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم، حتى يصير فيها من الظهور والتبرج والبروز ومشاركة الرجال ما قد يفضي ببعضهن إلى أن تظهر بدنها كما يظهره الرجال أو أكثر؛ لضعف عقلها، وتفعل من الأفعال ما ينافي الحياء والخفر المشروع في حق النساء[11].
تعمُّد التخنث من كبائر الذنوب؛ بدلالة اللعن الوارد في الحديث؛ قال الشوكاني: (واللعن يدل على تأكد التحريم، والمراد بالمخنثين: المتشبهين بالنساء من الرجال، والمراد بالمترجلات: المتشبهات بالرجال من النساء، فمن تشبه من أي من النوعين بالنوع الآخر؛ إما في كلامه، أو في حركاته، أو في ملبوسه، فهو داخل تحت هذه اللعنة؛ لأنه لم يخص ﷺ نوعًا من أنواع الشبه دون نوع)[12].