حجم الخط:

محتوى الدرس (161)

باب Adobe Systemsالدعاوى والبينات

الدعوى لا تقبل إلا ببينة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: 6].

وقال الله تعالى: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: 13].

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ ١٠٦ فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ١٠٧ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المائدة:106-108].

في الآيات الحث على التبيُّن وأنه لا بد من الشهود العدول، أو الأيمان، أو نحو ذلك من الاعتراف، أو قرينة اليد على الشيء.

[الأحاديث]

1417- عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهم، وَلَكِنِ اليَمِينُ عَلَى الْـمُدَّعَى عَلَيْهِ»، متفق عليه، وللبيهقي بإسناد صحيح: «البَيِّنَةُ عَلَى الْـمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». [قال البيهقي في الكبير (21/246): وروينا حديث البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه من أوجه أخر، كلها ضعيفة، وينظر: جامع العلوم والحكم (3/932)].

1418- وعن ثابت بن الضحاك عن النبي ﷺ قال: «من ادَّعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة»، رواه مسلم.

التوضيح:

- بدعواهم: أي بمجرد دعواهم وطلبهم بأن لهم حقًا قِبلَ فلان دون إثبات.

- ومَنِ ادَّعى دعوى كاذبةً: الدعوى: يحتمل أن تكون هنا من باب تَدَاعِي الخصمين عندَ الحاكم، ويحتمل أن تكون من باب ادعاءِ فضيلةٍ ليست فيه من علمٍ أو صلاح، أو غير ذلك من المزايا.

- التكثر بها: على المعنى الأول للدعوى: يكون راجعًا إلى المال، يضمُّ ما ليسَ له إلى ماله. وعلى الثاني: يكون معناه: تعظيم الناس له على تقدير صحة ما ادَّعاه.

- إلا قِلَّةً: على المعنى الأول للدعوى يكون قلة في ماله، لذهاب بركته بضمِّ الحرام إليه. وعلى المعنى الثاني هو قلة قدره وتعظيمه عند الناس، لكذبه في دعواه.

الدلالات الفقهية:

1 - حديث ابن عباس أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام، يقتضي ألا يحكم لأحد بدعواه -وإن كان فاضلًا شريفًا- في حق من الحقوق -وإن كان محتقرًا يسيرًا- حتى يستند المدَّعِي إلى ما يُقوِّي دعواه، وإلا فالدعاوي متكافئة، والأصل براءة الذمم من الحقوق، فلا بد مما يدلُّ على تعلُّق الحق بالذمة، وتترجح به الدعوى من بينة أو تصديق المدَّعَى عليه، وإلى هذا ذهب سلف الأمة وخلفها.

2 - وفيه أنَّ اليمين على المدَّعَى عليه، وأنَّ البينة على المدَّعِي، كما في رواية البيهقي.

3 - وفيه أن استحلاف المدَّعَى عليه مشـروع في كل الحقوق، وأجمعوا على استحلافه في الأموال، واختلفوا في غير ذلك؛ كالطلاق والنكاح والعتق.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1-بيَّن النبي ﷺ الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطي بمجردها لادعى قومٌ دماء قوم وأموالهم واستبيح ذلك، ولا يمكن المدَّعَى عليه أن يصون دمه وماله، وأما المدَّعِي فيمكنه صيانتهما بالبينة.

2 - حديث ابن عباس أصل من أصول القضاء والأحكام، وفيه إرساء لأهم مبدأ من مبادئ التقاضي وفصل الخصومات بين الناس، ودلالة على اهتمام الإسلام بهذا المقصد العظيم الذي يضمن به حقوق الناس[1].

2 - السبب في كون البينة على المدَّعِي: أن جانبه ضعيف؛ لأنه يدَّعِي خلاف الظاهر، فكُلّف الحجة القوية وهي البينة؛ ليقوى بها مركزه القضائي والقانوني، أما المدَّعَى عليه فمركزه قوي؛ لأن الأصل براءة ذمته، فاكتفي منه باليمين، وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب النفع لنفسه ويدفع الضرر عنها، فكان ذلك في غاية الحكمة.

3 - وحديث ثابت بن الضحاك فيه النهي والزجر عن افتعال الدعاوى الكاذبة لغرض التكسب الحرام، وتحريم مثل هذه الدعوى.

4 - وكان الجزاء فيه من جنس العمل؛ فإن من ادَّعى دعوى كاذبة، فإنه يريد الاكتساب والازدياد، فعوقب بنقيضه؛ وهو القل والعُدْم، وهذا فيما يتعلق بالعقوبة الدنيوية، أما العقوبة الأخروية فقد ورد فى حديث آخر: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» متفق عليه.

طريقة الاستدلال:

قاعدة: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)[2] أخذها العلماء من الحديث.

من أحكام اليمين والبينة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: 44].

قال ابن كثير: (أَيْ: مَا كُنْتَ عِنْدَهُمْ يَا مُحَمَّدُ ... حِينَ اقْتَرَعُوا فِي شَأْنِ مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، وَذَلِكَ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْأَجْرِ). اهـ

وقال القرطبي: (اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُرْعَةِ، وَهِيَ أَصْلٌ فِي شَرْعِنَا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ الْعَدْلَ فِي الْقِسْمَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فِي المُسْتَوِيينَ فِي الْحُجَّةِ لِيَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ وَتَرْتَفِعَ الظِّنَّةُ عَمَّنْ يَتَوَلَّى قِسْمَتَهُمْ، وَلَا يَفْضُلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ إِذَا كَانَ الْمَقْسُومُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ اتِّبَاعًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ). اهـ

أما القسمة نصفين بين المدعيَين الذَين لا بينة معهما، فلأنهما طرفان، ولو كانوا أطرافًا ولا بينة لأحدهم لكانت بعددهم.

[الأحاديث]

1419- عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ اليَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي اليَمِينِ، أَيُّهُمْ يَحْلِفُ»، رواه البخاري.

1420- وعن أبي موسى رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دَابَّةٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضـى بِهَا رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ»، رواه أحمد وأبو داود، والنسائي -وهذا لفظه- وقال: (وإسناده جيد). [رجَّح إرساله البخاري فيما نقله الترمذي في العلل الكبير (379)، والدارقطني في العلل (7/404)، والبيهقي في الكبير (21/ 259)، والخطيب فيما نقله ابن الملقن في البدر المنير (9/ 693)].

التوضيح:

- يُسهم بينهم: يُقرِع بينهم، فمن خرجت له القرعة كان له حق الحلف على دعواه.

- في دابة: الدابة في اللغة اسم كل ما يَدِبُّ على الأرض، وخُصَّت في العرف بذوات الأربع.

الدلالات الفقهية:

1 - حديث أبي هريرة بهذا اللفظ عند البخاري فيه إجمال، يفسره ما رواه أبو داود والنسائي من طريق أبي رافع عن أبي هريرة: أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما بينة، فقال النبي ﷺ: «استهما على اليمين».

2 - وقد دلَّ الحديث أنه عند عدم وجود بينة لأي مدَّعٍ مع استعداد جميع المدَّعين لليمين؛ فإنه يقرع بينهم، فأيهم خرجت له حلف وأخذ ما ادَّعى.

3 - وكذا الحال عند تعارض البينات ووجود بينةٍ لكل مدَّعٍ؛ يقرع لمن يحلف أولًا، ثم يحلف ويأخذ ما ادَّعاه[3]؛ قال الشوكاني: (وجه القرعة: أنه إذا تساوى الخصمان فترجيح أحدهما بدون مرجح لا يسوغ، فلم يبق إلا المصير إلى ما فيه التسوية بين الخصمين، وهو القرعة، وهذا نوع من التسوية المأمور بها بين الخصوم)[4] .

4 - ودلَّ حديث أبي موسى على أنه إذا تداعى اثنان شيئًا، ولا معارض لهما ولا بينة عندهما، فللقاضي أن يجعله بينهما نصفين، ولكن ذلك محمول على ما إذا كان محل الدعوى ليس بيد أحدهما، أو كان بأيديهما معًا، أما لو كان بحوزة أحدهما دون الآخر فهو له ولا تُدفع الحيازة بمجرد دعوى الخصم دون بينة، قال الخطابي: (يشبه أن يكون هذا البعير أو الدابة التي كانت في أيديهما معًا، فجعله النبي ﷺ بينهما؛ لاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانه لو كان الشيء في يد أحدهما)[5].

وعلى هذا يحمل ما ورد في حديث أبي موسى بروايتيه:

الأولى: وهي التي هنا، وفيها أنه لم يكن مع أحدهما بينة.

والثانية: فيها أنهما ادعيا بعيرًا في عهد رسول الله ﷺ، فبعث كل واحد منهما بشاهدين، فقسمه النبي ﷺ بينهما نصفين[6] .

ففي الرواية الأولى لم يكن لواحد منهما بينة، وفي الثانية أن كل واحد منهما قد جاء بشاهدين؛ فيحتمل أن تكون القضية واحدة، وأن الشهادات لما تعارضت تهاترت، فصارتا كمن لا بينة له، وحكم بالشيء بينهما نصفين؛ لاستوائهما في اليد، ويحتمل: أن البعير في يد غيرهما، فلما أقام كل واحد منهما شاهدين على دعواه نزع الشيء من يد المدَّعَى عليه ودفعه إليهما.

طريقة الاستدلال:

حديث أبي موسى هذا قد تعارض مع الحديث قبله عن أبي هريرة، وعلى ضوء هذا التعارض كان الاختلاف بين العلماء في الشيء يتداعاه اثنان يقيم كل واحد منهما بينة، فقال أحمد، وإسحق، والشافعي في القديم: يقرع بينهما، فمن خرجت صار له. القول الثاني: يقرع بينهما، فأيهما خرج سهمه حلف: أنه شهد شهوده بحق، ثم يقضى له به. القول الثالث: ذهب البعض إلى قسمة العين عند تعارض البينتين، وهو أحد قولي الشافعي في الجديد، وبه قال أصحاب الرأي وسفيان الثوري ورواية عن أحمد[7]، والراجح أن يقرع بينهما على الحلف لحديث أبي هريرة، أما حديث أبي موسى فهو ضعيف، في سنده ومتنه اختلاف، ومقولة النسائي: (سنده جيد) إنما هي موجودة في سننه الكبرى دون الصغرى (المجتبى)، ومعروف أن القوة والاعتبار والصحة في كتابي النسائي إنما هي للسنن الصغرى المسماة (المجتبى)، كما أن المزي لم يذكر العبارة في تحفة الأشراف[8].

الوعيد على من اقتطع حقًا بيمين فاجرة:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: 77] قال السعدي: (ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئًا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية).

وقال الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ [المائدة: 106 ] في الآية تغليظ اليمين بالزمان والمكان والصيغة.

[الأحاديث]

1421- عن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ الله لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الـجنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ!»، رواه مسلم.

1422- وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، متفق عليه.

1423- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَـهُمْ عَذَابٌ اليمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ، يَمْنَعُهُ مِنْ ابْنِ السَّبِيلِ؛ وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِالله، لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ»، متفق عليه.

1424- وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ»، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان.

ترجمة الرواة:

1 - أبو أمامة الحارثي هو: إياس بن ثعلبة الحارثي الخزرجي، صحابي[9]، ذُكِرَ أنه لم يشهد بدرًا؛ لأن أمه كانت مريضة، فأمره النبي ﷺ بالمقام على أمه، فرجع من بدر، ثم توفيت فصلى عليها.

2 - أبو محمد الأشعث بن قيس بن معديكرب الكندي، قدم على النبي ﷺ مترأسًا وفد كندة، وكان من ذوي الرأي والإقدام، موصوفًا بالهيبة، ارتد عن الإسلام بعد النبي ﷺ ثم رجع إليه في خلافة أبي بكر، شهد القادسية وغيرها، ومات سنة (42) وصلى عليه الحسن بن علي رضي الله عنه.

التوضيح:

- وإن قضيبًا من أراك: أي: وإن كان المأخوذ قضيبًا من أراك، والمراد المبالغة في القلة. والقضيب: هو الغصن المقطوع، والأراك: شجر معروف يستاك بجذوره.

- على منبري: أي: عند منبري.

- تبوأ مقعده من النار: أي اتخذ لنفسه منزلًا في النار، يقال: تبوأ الرجل المكان: إذا اتخذه سكنًا.

الدلالات الفقهية:

1 - تحريم اليمين الكاذبة التي يقصد بها أكل مال الناس بالباطل، وكذا تحريم أن يحلف البائع أنه اشترى السلعة بكذا، أو أنه أُعطي له ثمنًا لها كذا كذبًا؛ ليغري المشتري فيشتريها بزيادةٍ، فهذا جمع بين اليمين بالله تعالى كاذبًا وخداعه للمشتري، وأكله مال أخيه بالباطل.

2 - واستدلَّ بحديث أبي هريرة وجابر من قال بمشـروعية تغليظ اليمين بالزمان والمكان، فحديث أبي هريرة فيه التغليظ بالزمان، وحديث جابر فيه التغليظ بالمكان.

3 - ومسألة التغليظ في اليمين موضع خلاف بين أهل العلم؛ فذهب الجمهور إلى جوازه[10]، وذهب الحنفية[11] إلى أنه لا يشرع التغليظ لا في زمان ولا مكان. والقول الثالث: أن تغليظ اليمين راجع إلى اجتهاد القاضي بحسب ما يراه من مصلحة القضية، وحال المتخاصمين، وقوة إيمانهم وضعفه.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - هذه الأحاديث دليل على شدة الوعيد لمن حلف كاذبًا ليأخذ حقًّا لغيره، أو يسقط عن نفسه حقًا، وإن كان يسيرًا.

2 - وحديث الأشعث تضمن أيضًا الوعيد الشديد والتغليظ الأكيد لمن اقتطع مال أحد بغير حق، فمن فعله (لقي الله وهو عليه غضبان)، ومَنْ غضب الله عليه فهو في عداد الهالكين الذين حرمهم جنته، وأوجب عليهم عذابه.

3 - ودلَّ حديث جابر على عظيم إثم من حلف على منبر رسول الله ﷺ كاذبًا؛ لأن هذا المكان محل تعظيم واقتداء بالنبي ﷺ.

4- تغليظ اليمين معناه: أن يُطلَب من المدعي اليمين في زمان أو مكان معظم، والهدف منه أنه يُعتقد أنه يوقع الرهبة في نفس الحالف، فيكون أدعى أن لا يحلف إلا صادقًا، فالتغليظ بالمكان كأن يحلف بين الركن والمقام في مكة، أو عند منبره ﷺ في المدينة أو في المسجد، والتغليظ بالزمان: كأن يحلف يوم الجمعة أو بعد صلاة العصر.

طريقة الاستدلال:

1- ذِكْرُ المسلم في حديث أبي أمامة في قوله: «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» خرج مخرج الغالب، وإلا فالذمي مثله في هذا الحكم.

2- حصل تخصيص اليمين في حديث أبي هريرة ببعد العصر؛ لشرف ذلك الزمان، ففيه ترتفع الملائكة بالأعمال إلى الله تعالى، وأقسم الله تعالى به في كتابه، وإلا فاليمين الفاجرة محرمة في كل وقت.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة