حجم الخط:

محتوى الدرس (15)

المدلَّس

مسائل الحديث المدلس:

تعريف التدليس

لغة: من (الدَّلَس)، وهو: الظلمة، ويعني: إخفاء العيب وإيهام السلامة[1].

اصطلاحًا: إخفاء عَيْبٍ في الإسناد، وتَحسين ظاهره.

أقسام التدليس باعتبار السقط من الإسناد:

القسم الأول: تدليس الإسناد:

وهو المراد عند إطلاق التدليس؛ لتدليس الإسناد أقسام عدة:

أولًا: تدليس في مبدأ الإسناد، وله صور:

(1) أن يسمع الراوي بعض حديث شيخه بواسطة، ثم يحذف الواسطة بينه وبين شيخه، ويروي عن الشيخ مباشرة بصيغة لا تضطره إلى الكذب؛ فيقول -مثلًا-: (عن الزهري)، أو: (قال الزهري).

مثاله: حديث مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ سُمَيْع، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: هَلْ أَنْتَ مُخْبِرِي كَيْفَ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ رضي الله عنه؟... الحديث[2].

قَالَ هِشَام بن عمار: (فجهدت بِمحمد بن عيسى الْجهد أَن يَقُول: حَدَّثَنَا ابْن أبي ذِئْب فَأبى أَن يَقُول إِلَّا: عَن ابْن أبي ذِئْب)[3].

قال ابن حبان: (لم يسمعهُ من ابن أبي ذِئْب؛ سَمعه من إِسْمَاعِيل بن يحيى ابن عبيد الله التيمي، عَن ابن أبي ذِئْب؛ فدلس عَنهُ، وَإِسْمَاعِيل واه)[4].

هِشَامُ بن عمار

مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى

..............

ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ

الزُّهْرِيُّ

ابْنُ المُسَيِّبِ

هِشَامُ بن عمار

مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى

إِسْمَاعِيلُ بن يحيى

ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ

الزُّهْرِيُّ

ابْنُ المُسَيِّبِ

(2) تدليس العطف:

صورته: أن يقول الراوي: (حدثنا فلان وفلان) وهو سمع الحديث من الأول، ولم يسمع من الثاني.

مثاله: أسند الحاكم (أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ هُشَيْمٍ اجْتَمَعُوا يَوْمًا عَلَى أَنْ لَا يَأْخُذُوا مِنْهُ التَّدْلِيسَ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ؛ فَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ وَمُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ.

فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: هَلْ دَلَّسْتُ لَكُمُ الْيَوْمَ؟ فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مُغِيرَةَ حَرْفًا مِمَّا ذَكَرْتُهُ، إِنَّمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي حُصَيْنٌ، وَمُغِيرَةُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ لِي)[5].

(3) تدليس السكوت ويُسمَّى: (تدليس القطع):

صورته: أن يقول الراوي: (حدّثنا) أو: (سمعتُ) ثم يسكت، وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة أو قتادة، أو أي شيخ من الشيوخ، موهمًا بذلك أنه قد سمع الحديث منه.

مثاله: قال ابن سعد: (عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ كان يدلس تدليسًا شديدًا وكان يقول: سمعت وحدثنا ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش)[6].

ثانيًا: تدليس في وسط الإسناد؛ وهو: تدليس التسوية.

صورته: أن يروي حديثًا عن شيخ ثقة غير مدلس، وذلك الثقة يروي هذا الحديث عن ضعيف عن ثقة، فيأتي المدلس فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الحديث عن شيخه عن الثقة الثاني بلفظ محتمل؛ فيسوي ويجود الإسناد كله بالثقات.

مثاله: حديث: «لا تَحْمَدوا إسلامَ امرئٍ حتى تَعرِفوا عُقْدَةَ رأيهِ».

قَالَ أَبو حاتم الرازي: (هَذَا الحديثُ لَهُ علَّةٌ قلَّ مَنْ يَفْهَمُهَا: رَوَى هذا الحديثَ عُبَيدُ الله بنُ عَمْرٍو، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي فَرْوةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ.

وعُبَيدُ الله بنُ عمرو كنيتُهُ أَبُو وَهْب، وَهُوَ أَسَدِيٌّ، فكأنَّ بَقِيَّةَ بن الوليد كنَّى عُبَيدَ الله بْنَ عَمْرٍو، ونَسَبه إِلَى بَنِي أَسَد؛ لِكَيْلا يُفْطَنَ بِهِ، حَتَّى إِذَا ترَكَ إسحاقَ ابنَ أَبِي فَرْوَة مِنَ الوسَطِ لا يُهتَدَى لَهُ)[7].

بَقِيَّةُ بن الوليد

أَبُو وَهْب الأَسَدِيٌّ

...............

نَافِعٌ

ابنُ عمر

بَقِيَّةُ بن الوليد

عُبَيدُ الله بنُ عمرو (أَبُو وَهْب الأَسَدِيٌّ)

إسحاقُ بنُ أَبِي فَرْوَة

نَافِعٌ

ابنُ عمر

القسم الثاني: تدليس الشيوخ:

تعريفه: أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه منه، فيسميه أو يكنيه أو يَنسُبه أو يصفه بما لا يُعرَفُ به؛ كي لا يُعرفَ من هو[8].

مثاله: ما كان يفعله الوليد بن مسلم في روايته عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم) فيقول: (حدثنا أبو عمرو، عن الزهري).

يوهم أنه الأوزاعي، وكلاهما -الأوزاعي وابن تميم- يرويان عن الزهري، والأوزاعي إمام ثقة حجة، وابن تميم منكر الحديث[9].

ومما يلحق بتدليس الشيوخ:

تدليس البلدان:

صورته: أن يَروي الراوي عن شيخ سمع منه، لكنه يذكر مكان التحديث بصورة تجعل السامع يتوهمه مكانًا آخر.

مثاله: أن يقول الراوي المصري: (حدثنا فلان بحلب) يقصد به موضعًا بمصـر، إلا أن السامع يتوهم أنه رحل إلى الشام وسمع بها.

وهذا النوع مكروه؛ لأن فيه إيهام الرحلة في طلب الحديث، بخلاف الواقع.

الأغراض الحاملة عليه:

الأغراض الحاملة على التدليس متعددة، وتختلف باختلاف كون المدلس ثقة أو ضعيف، ومن أشهرها:

· الاختصار[10].

· التفنن في العبارة: تجنبًا لتكرار الأسانيد، وممن فعله البخاري؛ أحيانا يقول: حدثنا محمد بن خالد، وأحيانا يقول: حدثنا محمد -دون أن ينسبه- يقصد: الذهلي.

· ضعف الشيخ: فيُحذف أو يذكر بما لا يميزه؛ لتحسين صورة الحديث[11].

· صغر سِن الشيخ: حيث يكون أصغر من الراوي عنه[12].

· إيهام علو الإسناد [13].

· إيهام كثرة الشيوخ: فتارة يأتي باسمه، وتارة بكنيته، وتارة بصفته، وتارة بنسبته لبلد أو موضع؛ ليوهم الناس أن هؤلاء شيوخ متعددون لا شيخًا واحدًا[14].

حكم التدليس:

التدليس مذموم بإطلاق[15]، ولكن يختلف حكمه باختلاف المقصد فيه والحامل عليه:

فتارة يكره؛ كما إذا كان الداعي على إسقاط الراوي صغر سنه، أو كونه نازل الرواية، ونحو ذلك بشـرط أن يكون المحذوف ثقة، ولا يؤثر حذفه في تصحيح ما شأنه التضعيف.

وتارة يحرم؛ كما إذا كان المحذوف غير ثقة، فأسقطه الراوي ودلس في الحديث لئلا يعرف حاله، أو أوهم التدليس أنه رجل آخر من الثقات على وَفْق اسمه أو كنيته.

ولذا كان تدليس التسوية أشنع وأقبح أنواع التدليس؛ لما فيه من السقط، والإيهام، وصعوبة إدراكه.

وأحيانا يكون الحامل على التدليس مجرد التفنن، وليس بتدليس على الحقيقة.

حكم رواية المدلس:

الكلام هنا خاص بمن يدلس تدليس الإسناد بصوره؛ لأنه هو المشتمل على السقط في الحقيقة، ولذلك ينبغي التنبه إلى نوع التدليس الذي وُصف به الراوي؛ حتى توضع الأحكام في موضعها.

وللعلماء في هذا الموضع قولان:

الأول: الرد إلا إذا صرح بالسماع[16].

الثاني: قبول رواية المدلس بشروط:

· أن لا يكون في الراوي سبب آخر لرد روايته؛ كسوء الحفظ والوهم.

· أن لا يثبت تدليسه في هذه الرواية بعينها.

· أن لا يكون الراوي مكثرًا من التدليس؛ بحيث يغلب على روايته.

· أن لا يكون معروفًا بالتدليس عن الضعفاء[17].

وهذا المذهب الثاني هو الأقرب إلى تطبيقات النقاد رحمهم الله تعالى [18].

كيفية كشف التدليس:

يُعرف التدليس بأحد أمور:

(1) إخبار الُمدلِّس عن نفسه أنه دلَّس هذا الحديث بعينه.

(2) النص من أحد النقاد أن هذا الراوي دلس في هذا الحديث[19].

(3) أن يوجد في طريق آخر واسطة بين الراوي وشيخه، مع كونه معروفًا بالتدليس.

أشهر المصنفات في التدليس:

· (ذكر المدلسين) للنسائي (تـ: 303هـ).

· (المدلسين) لأبي أحمد الحاكم (تـ: 370هـ).

· (المدلسين) لأبي زرعة العراقي (تـ: 826هـ).

· (تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس) = (طبقات المدلسين) لابن حجر (تـ: 852هـ).

ملحوظة: للمزيد بخصوص هذه المسائل: معرفة علوم الحديث (ص 103)، الكفاية (ص355)، التمهيد لابن عبد البر (1/15)، علوم الحديث لابن الصلاح (ص230)، التقريب للنووي (ص39)، الاقتراح لابن دقيق (ص 20)، المنهل الروي (ص 72)، الموقظة (ص 47)، النكت للزركشـي (2/ 67)، شرح علل الترمذي لابن رجب (2/583)، المقنع لابن الملقن (1/ 154)، التقييد والإيضاح (ص 95)، التبيين لأسماء المدلسين لسبط ابن العجمي (ص11)، النكت لابن حجر (2/ 614)، نزهة النظر (ص 103)، فتح المغيث (1/ 221)، تدريب الراوي (1/ 256)، شرح ألفية السيوطي لأحمد شاكر (ص20)، تحرير علوم الحديث (2/ 952).

المرسل الخفي

مسائل المرسل الخفي:

تعريفه

لغة: (المرسل) اسم مفعول من أرسل، وأصله: الإطلاق وعدم المنع[20]. (الخفي) من الخفاء، وله معنيان مُتَضَادَّانِ؛ فَالْأَوَّلُ: السَّتْرُ، وَالثَّانِي: الْإِظْهَارُ.

واصطلاحًا: أن يروي الراوي عمَّن لم يسمع منه، ممن قد لقيه أو عاصره، بلفظٍ يَحتمل السماع؛ كـ (عن)، و(قال).

سبب التسمية: خفاء أمره وعدم ظهوره؛ لكون الراوي حدث عمن كان يمكن أن يسمع منه؛ فربما اشتبه أمره، بخلاف المرسل الظاهر؛ فإن الانقطاع فيه واضح.

مثاله:

حديث الأعمش عن أنس رضي الله عنه: «كَانَتْ دِرْعُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَرْهُونَةً مَا وَجَدَ مَا يَفْتَكُّهَا حَتَّى مَاتَ».

قال أبو حاتم الرازي: (الأعمش رأى أنس بن مالك يصلى ولم يسمع منه)[21]. وقال علي بن المديني: (الأعمش لم يحمل عن أنس، إنما رآه يخضب، ورآه يصلي؛ وإنما سمعها عن يزيد الرقاشي، وأبان عن أنس)[22].

حكمه:

ضعيف؛ لفقده شرطًا من شروط القبول، وهو: اتصال الاسناد.

كيفية معرفته:

(1) النص من أحد النقاد أن فلانًا لم يسمع من فلان، وإن كانا قد التقيا.

(2) النص من الراوي أنه لم يسمع من فلان الذي عاصره أو لقيه.

(3) الوقوف على الراوي الساقط في طرق الحديث الأخرى، مع عدم ثبوت سماع هذا الراوي ممن حدث عنه في حديث صحيح.

** للمزيد انظر: علوم الحديث لابن الصلاح (ص483)، التقريب للنووي (ص92).

الفرق بين التدليس والإرسال الخفي:

يشتركان في أن:

· كل منهما فيه سقط في الإسناد.

· كل منهما فيه خفاء وإيهام ولكن بنسب متفاوتة.

ويفترقان في حقيقة كل منهما:

الإرسال الخفي: رواية الراوي عمن لقيه أو أدركه، ولكنه لم يسمع منه.

والتدليس: رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه.

وهذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح، وإن كان الأولون يسمون المرسل الخفي تدليسا أيضًا؛ لما فيه من إيهام السماع.

** للمزيد: انظر: نزهة النظر (ص104)، النكت (2/ 615).

أشهر المصنفات فيه:

· (التفصيل ِ لِمُبهَم ِ المراسيل) للخطيبِ (تـ:463هـ).

· (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) لحاتم العوني.

** للمزيد بخصوص مسائل المرسل الخفي: علوم الحديث (ص483)، التقريب للنووي (ص91)، النكت للزركشي (2/110)، المقنع لابن الملقن (2/ 487)، التقييد والإيضاح (ص290)، النكت لابن حجر (2/615)، نزهة النظر (ص104)، فتح المغيث (1/ 223)، تدريب الراوي (2/ 663)، تحرير علوم الحديث (2/ 964).

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة