الموضوع
لغة: (الموضوع) اسم مفعول من (وضع)، مأخوذ من الضعة -بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا- وهي: الانحطاط في الرتبة[1].
اصطلاحًا: الكلام المكذوب المنسوب إلى النبي ﷺ عمدًا أو سهوًا، له إسناد أو ليس له[2].
سبب التسمية: سُمِّيَ بذلك لانحطاطِ رُتبتِهِ دائمًا؛ بحيث لا ينجبرُ أصلًا، ولا يستفاد به في معنى من المعاني.
الموضوع شر أنواع الضعيف كلها؛ ولا تجوز روايته لأحد علم وضعه في أي معنى؛ سواء في ذلك الأحكام أو الفضائل، إلا مع بيان درجته والتحذير منه[3]؛ لحديث «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يُرَى أَنَّهُ كذِبٌ فهو أحدُ الكاذِبَين»[4].
الموضوع عند التحرير ليس بحديث، وإنما ساغ ذلك مجازًا لأن:
· صورته صورة الحديث؛ مِنْ ذكر السند والمتن.
· باعتبار زعم واضعه.
· أن الحكم فيه بغلبة الظن، وليس بالقطع؛ فربما صدق الكذوب[5].
أسباب الوضع كثيرة ومتنوعة، وتختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، بل من شخص إلى آخر[6]، ومن أشهر هذه الأسباب:
(1) الطعن في الإسلام[7].
(2) الوضع بزعم خدمة الدين[8]، وممن اشتهر به: الكرَّامية، والصوفية.
(3) العَصبيَّة المذهبية؛ كما حصل من بعضِ مقلدي المذاهب الأربعة[9].
(4) العَصبيَّة السياسية؛ كما فعلت الخوارج[10]، والشيعة، وطوائف من المبتدعة.
(5) اتِّباع هوى أصحاب المكانة والجاه[11].
(6) الإغرابُ لقصْدِ الاشتهارِ، أو تكثير الشيوخ، أو ادعاء الرحلة.
(7) غرض دنيوي؛ كالتكسب والارتزاق، وعامة من يفعله القُصّاص[12].
(8) يلتحق بهذا: الوضع على سبيل الغلط والوهم = المختلطون، ونحوهم.
(1) إقرار الواضع[13]، وهذه أقوى الصور.
(2) ما ينزل منزلة الإقرار؛ كأن يصرح بالسماع من شيخ ويقوم الدليل القاطع على عدم لقياهما[14].
هناك قرائن تدل على الوضع، ولكنها لا تكفي بمفردها للحكم على الحديث بالوضع، وإنما يصاحب ذلك خللٌ في الإسناد ظاهرٌ؛ كوجود أحد الكذابين فيه، وربما اجتهد الواضع فأخفى ما في الإسناد من خلل؛ فلا يدركه إلا النقاد المحققون[15]، وهذا الباب مما يدخله الاجتهاد[16]، وإن كان الغالب أن هذه المتون تروى بأسانيد واهية.
وهذه القرائن على صورتين:
أولًا: ما يؤخذ من حال الراوي:
(1) كأن يأتي الراوي بالحديث الذي لا يُعرَف، مفصلًا تفصيلًا ومطابقًا للواقعة مطابقة توقع في النفس الريبة[17].
(2) أن يتفرد راو معروف بالكذب برواية حديث.
(3) أن يكون الراوي مغال في تعصبه لمذهبه، ولا يعرف عند النقاد بالتوثيق، ويكون الحديث موافقًا له في بدعته.
ثانيًا: ما يستفاد من متن الرواية نفسه.
(1) عدم بلاغة متن الحديث وركاكة لفظه.
(2) فساد المعنى؛ كالأحاديث التي يُكذِّبها الواقع[18].
(3) ما يناقض النص الذي لا يحتمل التأويل ولم يقع فيه اختلاف، أو الإجماع المنعقد الذي ليس فيه احتمال.
(4) اشتمال الحديث على مجازفات، وإفراط في الثواب العظيم مقابل عمل صغير، أو الوعيد العظيم على الفعل الحقير.
· (تذكرة الموضوعات) لابن طاهر المقدسي (تـ:507هـ).
· (الموضوعات الكبرى) لابن الجوزي (تـ:597هـ).
· (اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) للسيوطي (تـ:911هـ).
· (تنـزيه الشريعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة) لابن عراق (تـ: 963هـ).
· (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) للشوكاني (تـ: 1255هـ).
** للمزيد حول مسائل (الموضوع): انظر: علوم الحديث (ص 279)، الموقظة (ص36)، الباعث الحثيث (ص 78)، النكت للزركشـي (2/ 253)، المقنع (1/ 232)، الشذا الفياح (1/ 223)، التقييد والإيضاح (ص130)، شرح التبصرة والتذكرة (1/ 306)، نزهة النظر (ص 107)، فتح المغيث (1/ 309)، تدريب الراوي (1/ 323)، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (1/ 284)، تحرير علوم الحديث (2/ 1039).
لغة: المنفرد، يقال: شَذَّ الرجل يَشِذُّ وَيَشُذُّ: إذا خرج عن الجماعة[19].
اصطلاحًا: مخالفة المقبول لمن هو أوثق منه؛ سواء في الإسناد أوالمتن.
أو تفرد من لا تحتمل درجته في الضبط والاتقان هذا التفرد.
وعليه، فإن الشاذ صادق على صورتين:
إحداهما: الحديث الفرد المخالِف.
الثانية: الحديث الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد من الشذوذ والضعف[20].
وقولنا في التعريف: (المقبول) أولى من قول البعض في تعريف الشاذ: (الثقة) ليدخل فيه راوي الحديث الحسن[21].
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ جَالِسًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَجَعَلَ رَجُلٌ يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَبْتَسِمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ قَوَلِه؛ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُغْضَبًا، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، شَتَمَنِي وَأَنْتَ تَسْمَعُ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ قُمْتَ وَتَرَكْتَنِي؟! قَالَ: «إِنَّ المَلَكَ كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَا رَدَدْتَ عَلَيْهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ؛ وَمَا كُنْتُ لِأَجْلِسَ مَعَ الشَّيْطَانِ».
هذا الحديث يرويه سَعِيد المَقْبُرِي، واختلف عليه:
(1) فرواه محمد بن عجلان[22]، عن سعيد المقبري، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي ﷺ.
(2) وخالفه الليث بن سعد[23]؛ فرواه عن سعيد، عن بَشِيرِ بْنِ المُحَرَّرِ، عن سَعِيد بن المُسَيِّب، عن النبي ﷺ مرسلًا، بدون ذكر أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
فهذا حديث مخرجه واحد (سعيد المقبري) وقد رُوي عنه على وجهين (الموصول)، (المرسل)، وكلا الراويين عنه ثقة مقبول؛ فلا بد من معرفة الوجه المحفوظ عنه، وبمقارنة كل منهما بالآخر ضبطًا وحفظًا وتمكنًا في حديث سعيد المقبري ترجح حديث الليث بن سعد رحمه الله.
قال البخاري رحمه الله: (المرسل أصح)[24]، وقال الدارقطني: (المرسل هو الصواب؛ ويشبه أن يكون ذلك من ابن عَجْلَان، والليث بن سعد -فيما ذكر يحيى بن معين وأحمد بن حنبل-: أصح الناس رواية عن المَقْبُرِي) [25].
| سعيد المقبري | أبو هُرَيْرَةَ | النبي ﷺ | ||
| الليث بن سعد | بَشِيرُ بْنِ المُحَرَّرِ | سَعِيدُ بن المُسَيِّب | ||
حكمه:
الحديث الشاذ من أنواع الضعيف؛ لفقده شرطًا من شروط القبول.
ويعني: الرواية الرجحة، والمحفوظ محفوظ حتى ولو لم تخالفه رواية شاذة، وإنما يستدل العلماء على شذوذ الرواية بمخالفتها للمحفوظ من الروايات[27].
تتمة:
إطلاق الشاذ في تطبيقات النقاد قليل، وإنما يكثرون من إطلاق النكارة على هذا النوع؛ بجامع أن هذه الروايات من أخطاء الرواة مما أنكر عليهم ولم يقبل منهم، والناظر في كتب العلل يدرك ذلك بوضوح.
ومن ذلك: ما أسنده الخطيب عن صَالِحَ بْن مُحَمَّدٍ الملقب: (جزرة) أنه قال: (الْحَدِيثُ الشَّاذُّ: الْحَدِيثُ المُنْكَرُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ)[28].
** للمزيد حول مسائل (الحديث الشاذ): انظر: معرفة علوم الحديث (ص119)، الكفاية للخطيب (ص141)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي (1/176)، علوم الحديث لابن الصلاح (ص237، 243)، التقريب للنووي (ص40)، الاقتراح لابن دقيق (ص17)، المنهل الروي لابن جماعة (ص50)، الموقظة (ص42)، النكت للزركشـي (2/133)، المقنع لابن الملقن (1/ 165)، التقييد والإيضاح (ص100)، النكت لابن حجر (2/652)، نزهة النظر (ص84)، فتح المغيث (1/244)، تدريب الراوي (1/267).