حجم الخط:

محتوى الدرس (65)

كتاب الصيام

[صيام رمضان]

النهي عن صيام يوم الشك واستقبالِ رمضان بيوم أو يومين:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: 189].

دلَّت الآية الكريمة على أن لصيام رمضان ميقاتًا زمانيًا لا يتقدمه المسلم، وقد جاءت بعد آيات الصيام بآية واحدة.

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات: 1] قال الواحدي: (أي لا تقدموا خلاف الكتاب والسنة، وقيل: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي عليه السلام في الأضحى، وقيل: لا تصوموا قبل صومه، نزلت في النهي عن صوم يوم الشك، والمعنى: لا تسبقوا رسول الله بشيء حتى يكون هو الذي يأمركم به).

[الأحاديث]

651- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ» متفق عليه.

652- وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ »، ذكره البخاري تعليقًا، ووصله الأربعة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان. [والترمذي في السنن (686)، والدارقطني في السنن (3/ 99)، والبيهقي في معرفة السنن (6/ 238)، وغيرهم].

التوضيح:

- لا تقدَّموا: أي: لا تسبقوا وتتقدموا.

- يصوم صومًا: أي: صومًا معتادًا معينًا؛ كمن يصوم الاثنين والخميس، فوافق أن يكون قبل رمضان بيوم أو يومين.

- يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال، وأما إذا كانت السماء صحوًا فليس يوم شك.

الدلالات الفقهية:

1 - في حديث أبي هريرة دليل على تحريم صيام اليوم واليومين قبل رمضان احتياطًا لرمضان، أو بقصد التطوع غير المعتاد؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه، والقول بالتحريم هو مذهب الشافعية[1].

2 - من كان له صوم تطوع يعتاده فوافق اليوم الذي قبل رمضان جاز له صيامه، واستثني مما سبق، كمن يصوم الاثنين والخميس، فوافق أن يكون أحدهما هو اليوم الذي قبل رمضان؛ لأن صيامه هنا ليس لاستقبال رمضان.

3 - يجوز كذلك صيام اليوم الذي قبل رمضان إذا وافق صومًا واجبا على المكلَّف، كمن عليه قضاء، أو نذر، أو كفارة، من باب أولى.

4 - وفي حديث عمار بن ياسر دليل على تحريم صيام يوم الشك، والقول بالتحريم جاء عن جمع من كبار الصحابة، وهو مذهب الشافعية، وابن حزم[2].

5 - في حديث عمار جواز ذكر النبي ﷺ بغير صفة الرسالة والنبوة؛ لأن باب الخبر أوسع من باب الطلب، فلا ينادى إلا بصفة الرسالة أو النبوة، ولكنه يجوز أن يتحدث عنه بغيرهما من أسمائه[3].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - قال ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: (قيل: والحكمة فيه التقوِّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وقيل: لأن الحكم عُلِّق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد).

2 - ومن الحكمة في ذلك أيضًا كراهة التنطع في الدين، وتجاوز الحدود التي فرضها الله تعالى[4].

طريقة الاستدلال:

1 - ظاهر النهي عن الصيام قبل رمضان بيوم أو يومين، يدل على التحريم مطلقًا، سواء قصد من صام الاحتياط لرمضان، أو قصد التطوع غير المعتاد، ولا معارض لهذا الظاهر.

2 - حديث عمار بن ياسر مخصَّص بما جاء في حديث أبي هريرة، وهو تخصيص النهي عن صوم اليوم الذي يشك فيه بحالة إفراده وعدم اعتياده، فإن اعتاد صوم يوم الاثنين مثلًا فوافق يوم الشك لم يحرم؛ لأن الحكمة فيه إيهام أنه من رمضان، وذلك يزول بما ذكرناه[5].

ما يثبت به دخول رمضان:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة: 185].

دلَّت الآية على أنه إذا لم يُر هلال شهر شوالَ فعلينا إكمال عدة رمضان ثلاثين يومًا، وكذلك الحكم في شعبان؛ لأن الشرع لا يفرِّق بين المتماثلين.

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6].

دلَّت الآية على أن الله لم يأمرنا بالتبين في خبر الفاسق إلا لكونه غير عدل؛ لا لكونه واحدًا، فدل على قبول خبر العدل الواحد، وكلمة (نبأ) نكرة في سياق الشرط تفيد العموم.

[الأحاديث]

653- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»، متفق عليه، ولمسلم: «فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ»، وللبخاري: «فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ»، وله في حديث أبي هريرة: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».

654- وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ»، رواه أبو داود، وصحَّحه ابن حبان والحاكم.

655- وعن ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الهِلَالَ، فَقَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَذِّنْ فِي النَّاسِ يَا بِلَالُ أَنْ يَصُومُوا غَدًا»، رواه الأربعة، وصحَّحه ابن خزيمة وابن حبان، ورجَّح النسائي إرساله. [وكذلك الترمذي في السنن (691)، وغيره].

التوضيح:

- إذا رأيتموه: أي: إذا رأى الهلال من تثبت به الرؤية.

- فإن غُمَّ: أي: سُتِرَ الهلال وغُطي بغيم أو قَتَرٍ ونحو ذلك.

- فاقدروا له: أي: قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، وهذا هو الراجح، وقيل إن معنى: (فاقدروا له): ضيقوا له، أي: ضيقوا عدد أيام شعبان، واعتبروه ناقصًا بصوم رمضان.

الدلالات الفقهية:

1 - اتفق الفقهاء على أن وقت وجوب صوم رمضان هو حلول شهر رمضان، ويعرف حلوله بأحد أمرين: أحدهما: إكمال شعبان ثلاثين يومًا، ثانيهما: رؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان.

2 - في حديث ابن عمر الأول دليل على أن الهلال إذا حجب عن الرؤية ليلة الثلاثين بغيم أو غيره، فإن الناس يكملون شعبان ثلاثين يومًا، سواء تبيَّن فيما بعد أن ذلك اليوم من رمضان أو لا، وهذا هو قول الجمهور، وهو الراجح، خلافًا للحنابلة الذين قالوا بأنه يُصام ذلك اليوم احتياطًا، ويجزيه ذلك إن كان من شهر رمضان[6].

3 - وفيه أيضًا دليل على أن العبرة بالرؤية لا بالحساب في ثبوت دخول الشهر وخروجه، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره إجماع الصحابة على ذلك؛ لأن النبي ﷺ علَّق الحكم بالرؤية لا بالحساب، والرؤية يدركها الخاص والعام، والجاهل والعالم، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، وتيسيره عليهم[7].

4 - وفي حديث ابن عمر الثاني وحديث ابن عباس دليل على أنه يكفي في إثبات رؤية الهلال شهادة عدل واحد من المسلمين، وهو مذهب الشافعية، والحنابلة، والحنفية في الغيم أو الغبار وانعدام صحو السماء [8].

5 - لا تقبل شهادة غير المسلم العدل، وغير المكلف؛ فالكافر، والفاسق، والمغفل، لا يقبل قولهم في رؤية الهلال بلا خلاف، ولا خلاف كذلك في اشتراط العدالة الظاهرة[9].

6 - قال ابن القيم: (الصحيح قبول شهادة الواحد مطلقًا؛ كما دل عليه حديثا ابن عمر وابن عباس، ولا ريب أن الرؤية كما تختلف بأسباب خارجة عن الرائي؛ فإنها تختلف بأسباب من الرائين؛ كحدة البصر وكلاله، وقد شاهد الناس الجمع العظيم يتراءون الهلال فيراه الآحاد منهم، وأكثرهم لا يرونه، ولا يعد انفراد الواحد بالرؤية من بين الناس كاذبًا) [10].

7 - يجب على ولاة أمور المسلمين إشاعة خبر الصوم أو الفطر؛ ليقوم الجميع بما يجب عليهم من صوم أو فطر، وغيرهما من الأحكام المترتبة على ثبوت الرؤية[11].

طريقة الاستدلال:

1 - الخلاف في صوم يوم الشك مبني على فهم المعنى من قوله ﷺ: «فاقدروا له»، والراجح -كما سبق- أن المعنى: قدروا لشعبان تمام العدد ثلاثين يومًا. فهي من التقدير، كما بينته الروايات المفسرة للحديث، مثل قوله ﷺ: «فأكملوا العدة ثلاثين»، و«اقدروا له ثلاثين».

2 - احتج من يقول بقبول خبر المجهول بقبول النبي ﷺ شهادة الأعرابي برؤية الهلال.

وأجيب عنه: بأن كونه أعرابيًا لا يمنع كونه معلوم العدالة عند النبي ؛ إما بالوحي، وإما بالخبرة، وإما بتزكية من عرف حاله...، فلا نسلّم أنه كان مجهولًا عنده[12].

3 - اختلف العلماء في عدد المخبرين الذي تثبت به رؤية الهلال، وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب، وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من باب الشهادة، فيشترط له العدد، أو من باب الرواية التي لا يشترط فيها العدد [13].

أحكام النيَّة في الصِّيام:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: 19].

وقال الله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: 187].

في آية سورة الإسراء دليل على اشتراط الإرادة التي هي النية، وهي غير السعي؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، والسعي هو العمل.

وفي آية سورة البقرة، تحديد وقت بداية صيام اليوم في رمضان بالفجر، والإرادة تسبق العمل.

[الأحاديث]

656- عن حفصة أم المؤمنـين رضي الله عنها أنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»، رواه الخمسة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه، وصحَّحه مرفوعًا ابن خزيمة وابن حبان. [ورجَّح وقفه أيضًا البخاري في التاريخ الأوسط (2/791)، وأبو حاتم في العلل (654)، والدارقطني في العلل (9/193)، وغيرهم]. ولابن ماجه[14]: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ». [ضعيف].

657- وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ. فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ» ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ، فَقُلْنَا: أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ، فَقَالَ: «أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» فَأَكَلَ، رواه مسلم.

التوضيح:

- حَيْسٌ: هُوَ الطَّعام المتَّخَذ مِنَ التَّمر والأقِط والسَّمْن. وَقَدْ يُجْعل عِوَض الأقِط الدَّقِيق، أَوِ الفَتِيتُ[15].

الدلالات الفقهية:

1 - لا يصحّ الصوم إلا بنية، ومحلها القلب، ولا يشترط النطق بها، وتجب نية مستقلة لكل يوم من أيام رمضان عند جمهور العلماء، وقال مالك: (إذا نوى في أول ليلة من رمضان صوم جميعه كفاه لجميعه ولا يحتاج إلى النية لكل يوم) [16].

2 - وفيه أن النية تصح في أي جزء من أجزاء الليل، ولا يجوز تأخير نية الصوم الواجب إلى طلوع الفجر.

3 -لا يصح صوم رمضان إلا بالنية من الليل، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة: (يصح صوم رمضان، والنذر المعين، بنية قبل الزوال، ووافق الجمهورَ على أن صوم القضاء، والكفارة، لا يصحان إلا بنية من الليل) [17].

4 - في حديث عائشة بيان حكم تبييت النية من الليل في صيام التطوع، وأنه يجوز صوم التطوع بنية قبل الزوال، ولا يشترط تبييت النية له، بشرط ألا يأكل أو يشرب شيئًا قبل ذلك، وهو مذهب الجمهور، خلافا للمالكية[18].

5- على صائم النفل مراعاة المصلحة في إمضاء صومه أو فطره؛ فإن حقق فطره مصلحة أفطر، كما أفطر ﷺ لما وجد من الأكل ما يعينه على طاعة الله تعالى، وإن لم توجد مصلحة؛ فالأفضل إتمام صومه[19].

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

في حديث عائشة بيان ما كان عليه النبي ﷺ من التقشف والصبر على شظف العيش، وما كان عليه أيضًا من كثرة العبادة وتنوع الطاعات، واستغلال الظرف الذي يعيشه فيما يُرضي الله.

طريقة الاستدلال:

النفي في قوله: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»: لا إجمال فيه؛ لأنه إن ثبت عرف شرعي في إطلاقه للصحيح كان معناه: (لا صيام صحيح). وإن لم يثبت عرف شرعي، فإن ثبت فيه عرف لغوي، وهو أن مثله يقصد منه نفي الفائدة والجدوى، نحو: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، فيتعين ذلك الحمل، فلا إجمال. وإن قُدِّر انتفاء العرف الشرعي واللغوي فالأولى حمله على نفي الصحة دون الكمال؛ لأن ما لا يصح كالعدم في عدم الجدوى[20]. فالنفي المضاف إلى جنس الفعل؛ كقوله ﷺ: «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» يجب العمل بمقتضاه، ولا يعد من المجملات[21].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة