حجم الخط:

محتوى الدرس (178)

فضل الدعاء وآدابه:

[تمهيد]

قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: 60]، فسمَّى الله الدعاء عبادة.

وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا [الفرقان: 77] قال السعدي: لولا دعاؤكم إياه دعاء العبادة ودعاء المسألة ما عبأ بكم ولا أحبكم.

وقال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180].

وقال الله تعالى: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء: 32].

[الأحاديث]

1552- عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ»، رواه الأربعة، وصحَّحه الترمذي. [صحَّحه النووي في الأذكار (994)، والمناوي في التيسير بشـرح الجامع الصغير (2/11)]. وللترمذي من حديث أنس بلفظ: «الدعاء مخ العبادة». [ضعَّفه الترمذي في السنن (3371)].

1553- وله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رفعه: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى الله مِنَ الدُّعَاءِ»، وصحَّحه ابن حبان والحاكم. [أعلَّه العقيلي في الضعفاء (3/300)].

1554- وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ»، أخرجه النسائي وغيره، وصحَّحه ابن حبان وغيره. [في رفعه نظر، كأن الموقوف أشبه].

1555- وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفَرًا»، أخرجه الأربعة إلا النسائي وصحَّحه الحاكم. [أشار الترمذي في السنن (3556) إلى إعلاله بالوقف].

1556- وعن عمر رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا مَدَّ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ، لَمْ يَرُدَّهُمَا، حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ»، أخرجه الترمذي، وله شواهد منها حديث ابن عباس عند أبي داود، ومجموعها يقضي بأنه حديث حسن. [أنكره ابن معين فيما نقله ابن الجوزي في العلل المتناهية (1407)، وأبو زرعة في العلل (2106)].

1557- وعن بريدة رضي الله عنه قال: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: اللهمَّ إِنِّي أَسْالكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ الله لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ، الذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «لَقَدْ سَأل الله بِاسْمِهِ الذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ»، أخرجه الأربعة وصحَّحه ابن حبان. [والحاكم في المستدرك (3/30)، والألباني في صحيح أبي داود (1341)].

التوضيح:

- يَرُدَّهُمَا صِفَرًا: أي: خاليتين.

- الأحد: هو الذي توحَّد بجميع الكمالات، وتفرَّد بكل مجد وجلال، وجمال، وغيرها من صفات الكمال فليس له فيها مثيل ولا نظير، ولا مناسب بوجه من الوجوه.

- والصمد: السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج، ويقصد، والمتصف به على الإطلاق: هو الذي يستغني عن غيره مطلقًا، وكل ما عداه محتاج إليه، وليس ذلك إلا الله تعالى.

- لم يلد: أي: لم يجانس، ولم يفتقر إلى ما يعينه، أو يخلف عنه؛ لامتناع الحاجة والفناء عليه، وهو رد على من ادَّعى الولد لله تعالى.

- ولم يولد: أي: لم يسبقه شيء.

- كُفُوًا أَحَدٌ: الكفؤ: المماثل، أي: لم يكن أحد يماثله في شيء من صفات كماله، وعلو ذاته.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الدعاء شأنه عظيم، ومكانته في الإسلام سامية، ومنزلته عالية؛ إذ هو أجل العبادات وأعظم الطاعات وأنفع القربات، ولهذا جاءت النصوص الكثيرة مبينة لفضله، ومنوهة بمكانته وعظم شأنه، ومرغبة فيه وحاثة عليه، وقد تنوَّعت دلالات هذه النصوص، فجاء في بعضها الأمر به والحث عليه، وفي بعضها التحذير من تركه والاستكبار عنه، وفي بعضها ذكر عظم ثوابه وكبر أجره عند الله، وفي بعضها مدح المؤمنين لقيامهم به، والثناء عليهم بتكميله، وغير ذلك من أنواع الدلالات في القرآن الكريم على عظم فضل الدعاء[1].

2 - إن حاجة المسلم إلى الدعاء ماسة في أموره كلها، وضرورته إليه ملحة في شؤونه جميعها، روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن قتادة قال: قال مورق رحمه الله: (ما وجدت للمؤمن مثلًا إلا رجلًا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه).

3 - في حديث النعمان بيان عظمة شأن الدعاء، وأنه أساس العبودية وروحها، وعنوان التذلل والخضوع والانكسار بين يدي الرب، وإظهار الافتقار إليه.

4 - إن العبد كلما عظمت معرفته بالله وقويت صلته به كان دعاؤه له أعظم، وانكساره بين يديه أشد، ولهذا كان أنبياء الله ورسله أعظم الناس تحقيقًا للدعاء وقيامًا به في أحوالهم كلها وشؤونهم جميعها؛ قال الله تعالى في وصفهم: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90].

5 - وفي حديث أبي هريرة: بيان فضل الدعاء وكرامته على الله تعالى؛ وذلك أن الدعاء هو العبادة، وهو لبها وروحها، والعبادة هي الغاية التي خلق الخلق لأجلها، وأوجدوا لتحقيقها، وأكرمها عند الله هو الدعاء[2].

6 - وقال ابن القيم: (ومن أنواع الشرك: طلب الحوائج من الميت، والاستعانة به، والتوجه إليه، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فضلًا عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له إلى الله تعالى)[3].

7 - قوله: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة» أي: بل يقبل ويستجاب، يعني فادعوا كما في رواية ابن حبان، وفيه دليل على قبول الدعاء في هذا الوقت، إذ عدم الرد يراد به القبول، لكن بعد جمع شروط الدعاء وأركانه وآدابه، فإن تخلف شيء منها فلا يلوم إلا نفسه[4].

8 - الحكمة في استجابة الدعاء في هذا الوقت-والله أعلم- أن الإنسان ما دام ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والصلاة موطن استجابة الدعاء؛ لأن العبد يناجي ربه فيها[5].

9 - وفي حديث سلمان وصفه تعالى بالحياء، ويحمل على ما يليق به كسائر صفاته، نؤمن بها ولا نكيفها، ولا يقال: إنه مجاز، هذا مذهب أئمة الحديث والصحابة وغيرهم.

10 - وفي الحديث دلالة على استحباب رفع اليدين في الدعاء [6].

11 - حكمة رفع اليدين أثناء الدعاء: إظهار الافتقار والفاقة أمام الغني الكريم، وتفاؤلًا في أن يضع فيهما جل وعلا الحاجة المطلوبة منه[7].

12 - في حديث عمر دليل على استحباب مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء، وهو المذهب عند الحنفية والشافعية[8]، وكأن المناسبة: أنه تعالى لما كان لا يردهما صِفْرًا، فكأن الرحمة أصابتهما، فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم. بينما يرى بعض الحنفية والعز بن عبد السلام وشيخ الإسلام أنه لا يشرع ذلك[9]؛ قال شيخ الإسلام: (رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة، وأما مسحه وجهه بيديه: فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان، لا تقوم بهما حُجّة) [10].

13 - وفي حديث بريدة دليل على أنه ينبغي تحري تلك الكلمات عند الدعاء؛ لإخباره ﷺ أنه إذا سئل بها أعطى، وإذا دعي بها أجاب، والسؤال: الطلب للحاجات، والدعاء: أعم منه، فهو من عطف العام على الخاص[11].

14 - الأحاديث الثابتة كثيرة في ذكر اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولأجل هذا فقد كان لمعرفة هذا الاسم والبحث عنه شأن عظيم عند أهل العلم، ولهم في ذلك أبحاث كثيرة مطولة ومختصرة، قال الشوكاني: (وقد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولًا، قد أفردها السيوطي بالتصنيف) [12]، وقد قال الحافظ ابن حجر عن حديث بريدة الذي معنا: (وهو أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك)[13].

فضل الصلاة على النبي :

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].

وقال الله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: 160]

1558- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ، أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً»، أخرجه الترمذي، وصحَّحه ابن حبان. [أعلَّه بالاضطراب الدارقطني في العلل (2/339)].

التوضيح:

- أولى الناس بي يوم القيامة: أي: أقربهم مني في القيامة، وأحقهم بشفاعتي؛ أكثرهم عليّ صلاة في الدنيا؛ فتكون منازلهم في الآخرة منه بحسب تفاوتهم في ذلك.

الدلالات الإيمانية والمقاصدية:

1 - الصلاة على النبي ﷺ من أجل الأذكار وأفضل القربات، وأجل الطاعات، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- تسعًا وثلاثين فائدة في الصلاة على النبي ﷺ في كتابه (جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام)، والإكثار من الصلاة والسلام عليه علامة محبته ﷺ

2- إنما كان القرب منه ﷺ بحسب كثرة الصلاة عليه في الدنيا؛ لأن الاستكثار من الصلاة عليه ﷺ يورث المحبة؛ قال المناوي: (لأن كثرة الصلاة عليه تدل على صدق المحبة وكمال الوصلة، فتكون منازلهم في الآخرة منه بحسب تفاوتهم في ذلك). وقال أبو نعيم: (هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها؛ لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على النبي ﷺ أكثر مما يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا)[14].

3 - اقتصر ابن حجر في هذا الباب على حديث ابن مسعود مع أنه حديث معلول، ولم يذكر الأحاديث الأخرى الصحيحة في فضل الصلاة على النبي ﷺ؛ مثل ما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع النبي يقول: «إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ؛ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة» [صحيح مسلم (384)].

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة