10- ثم يقرأ سورة بعدها:
وقراءة السورة سنة: قال ابن قدامة رحمه الله: (لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في أنه يسن قراءة سورة مع الفاتحة في الركعتين الأوليين من كل صلاة، ويجهر بها فيما يجهر فيه بالفاتحة، ويسـر فيما يسـر بها فيه)[1]. والدليل على أنها سنة ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير لك»[2].
(1) إذا نسـي وقرأ السورة قبل الفاتحة أعادها بعد الفاتحة؛ لأنه ذكر قاله في غير موضعه، فلم يجزئ.
(2) الثابت من هديه ﷺ أنه كان يقرأ في الفرائض السورة كاملة -على ما يأتي تفصـيله - لذا كان هذا هو الأفضل. قال ابن القيم رحمه الله: (لم يكن من هديه ﷺ أنه يقرأ آيات من أثناء السور)[3].اهـ.
قلت: لكنه ثبت أنه قرأ في سنة الفجر بعض آيات من السور، فهل يجوز ذلك في الفرض قياسًا على النفل؟
قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (والأصل: أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا لدليل، ويدل لهذه القاعدة أن الصحابة رضي الله عنهم لما حكوا أن رسول الله ﷺ كان يوتر على الراحلة، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، دل ذلك على أن المعلوم أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض)[4]. ثم قال: (لكن السنة والأفضل أن يقرأ سورة، والأفضل أن تكون كاملة في كل ركعة، فإن شق فلا حرج عليه أن يقسم السورة بين الركعتين؛ لأن النبي ﷺ قرأ ذات يوم سورة «المؤمنون»، فلما وصل إلى قصة موسـى وهارون أخذته سَعْلة فركع)[5].
قلت: ويدل على ذلك قراءته سورة الأعراف في صلاة المغرب؛ إذ فرقها على الركعتين. ومما يدل على جواز قراءة بعض السورة: ما ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفجر من الستين إلى مائة آية[6]. قال ابن قدامة رحمه الله تعليقًا على ذلك: (دليل على أنه لم يكن يقتصـر على قراءة سورة). وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشـرين آية من البقرة، والثانية بسورة المائدة، وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال، وفي الثانية بسورة من المفصل.
(3) لا يقرأ البسملة إذا قرأ من خلال السورة، وأما إذا قرأ من أولها ففيه خلاف بناء على ما تقدم، والصحيح أنه لا يستحب كذلك، لما تقدم أن الراجح أنها ليست آية من السورة.
(4) لم يثبت في السنة سكتة بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة، والثابت سكتة بين التكبيرة والقراءة؛ لأجل دعاء الاستفتاح، وسكتة بعد الانتهاء من القراءة قبل الركوع[7]. وقع في الحديث اضطراب في موضع السكتة الثانية، والحديث من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه خلاف (زوائد أبي داود 780). فاختلف العلماء في ذلك على آراء:
فذهب مالك أنه لا سكوت فيها، وذهب أبوحنيفة إلى السكتة الأولى فقط، ورجح ابن تيمية السكتتين للحديث السابق، وذهب الشافعية والحنابلة إلى ثلاث سكتات.
(5) هل يجوز أن يقرأ أكثر من سورة في ركعة واحدة؟
أما بالنسبة للنافلة فجائز؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ قرأ في ركعة سورة البقرة والنساء وآل عمران في صلاة الليل، وعن ابن مسعود قال: «لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن؛ فذكر عشـرين سورة من المفصل، سورتين في ركعة»[8].
وأما الفريضة ففيه خلاف، فيرى بعض أهل العلم الاقتصار على سورة واحدة؛ لأنه الثابت من فعله ﷺ، ولأنه أمر معاذًا في صلاته بذلك، ويرى آخرون جواز ذلك؛ لأن ما يجوز في النافلة يجوز في الفريضة. (راجع كلام الشـيخ ابن عثيمين السابق).
(6) الثابت من هديه ﷺ إطالة الركعة الأولى على الثانية، وثبت أن الثانية تكون على النصف من الأولى في بعض الصلوات، وثبت أيضًا إطالة الأوليين وأنهما متقاربتان في القراءة، وأن الأخريين على النصف منهما؛ لما ثبت في حديث أبي قتادةرضي الله عنه: «أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة، وكان يسمعنا الآية أحيانًا، وكان يطيل في الأولى ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأ في الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب»[9].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «حَزَرْنا قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصـر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر بقدر ثلاثين آية قدر (ألم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين على النصف من ذلك، وحزرنا قيامه في الأوليين من العصـر على قدر الأخريين من الظهر، وحزرنا قيامه في الأخريين من العصـر على النصف من ذلك»[10].
(7) المأموم لا يقرأ خلف إمامه في الجهرية إلا فاتحة الكتاب فقط، وقد تقدم دليل ذلك، لكن إن كانت الصلاة سـرية، أو كان لا يسمع قراءة الإمام، قرأ بعد الفاتحة.
(8) الصحيح جواز قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين؛ لما تقدم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(9) المسبوق هل يقرأ سورة بعد الفاتحة فيما يقضـيه من صلاة؟ وكذلك هل يجهر إن فاتته الركعات الجهرية؟ فيه خلاف بين العلماء، والمسألة اجتهادية؛ فلا مانع من الأخذ بأي من الرأيين. والله أعلم.
والراجح أن ما أدركه مع الإمام هي الركعات الأولى له، فإذا سلم الإمام (أتم صلاته)؛ لقوله ﷺ: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا».
(10) إذا فاتته الصلاة وأراد قضاءها فهل يسـر أم يجهر؟
الجواب: أن العبرة بوقت الصلاة لا بوقت القضاء، وعلى هذا فلو قضـى الصلاة الجهرية نهارًا جهر، ولو قضـى الصلاة السـرية ليلًا أسـر، وقد تقدم دليل ذلك في مواقيت الصلاة.
(11) السنة الإسـرار في النوافل إلا ما ورد فيه دليل بالجهر؛ كالاستسقاء والتراويح والخسوف ونحوها، وصلاة العيد عند من يرى أنها سنة.
(12) اعلم أن الإسـرار بالقراءة لا يتحقق إلا مع تحريك اللسان والشفتين بالحروف، ويرى بعضهم أن أقله إسماع نفسه، وفي حديث خباب «سئل: كيف كنتم تعرفون قراءة رسول الله ﷺ في السـرية؟ قال: باضطراب لحيته»[11].
وعلى هذا فما يفعله بعض المصلين من الوقوف صامتين مطبقي الشفاة لا يحركونها لا يصح، ولا تصح قراءتهم فيما يجرونه على قلوبهم!!
(13) يستحب ترتيل القراءة وتدبرها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل:4]، ولقوله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد:24]. كما يستحب تحسـين الصوت.
(14) يجوز تكرير السورة في الركعتين؛ لما ثبت عن رجل من جهينة أنه «سمع النبي ﷺ يقرأ في الصبح: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ﴾ [الزلزلة:1] في الركعتين كلتيهما» قال: «فلا أدري أنسـي رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمدًا»[12].
(15) السنة الوقوف عند كل آية، ويمد بها صوته[13]. وثبت عنه ﷺ أنه كان إذا قرأ ﴿ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ﴾ [القيامة:40] قال: «سبحانك فبلى»[14]، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ كان إذا قرأ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى:1] قال: «سبحان ربي الأعلى»[15]. وسواء في ذلك الفريضة والنافلة، وقد روى ابن أبي شـيبة أن أبا موسـى الأشعري والمغيرة كانا يقولون ذلك في الفريضة.
فصل فيما كان يقرؤه النبي ﷺ في الصلوات:
أذكر في هذا الفصل ما ثبت من قراءته ﷺ في الصلوات مجموعة دون ذكر لفظ الروايات، ولا أذكر إلا ما صح عنه ﷺ.
كان يقرأ في الفجر من الستين إلى مائة آية[16]، وثبت عنه أنه كان يقرأ بطوال المفصل[17]، وصلاها بالواقعة[18]، وصلاها بـ ﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [19]، وقرأ من سورة الطور في حجة الوداع[20]، وصلاها بالروم[21]، وصلاها بـ«يس»[22]، وصلاها بـ«الصافات»[23]، وصلى مرة فاستفتح سورة «المؤمنون»، حتى إذا جاء ذكر موسـى وهارون أخذته سعلة فركع[24]. وصلاها بقصار المفصل؛ بـ ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ [25]، وصلاها مرة في السفر فقرأ «المعوذتين»[26]، وصلاها مرة بـ ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ ﴾ في الركعتين[27]. وكان يصلي يوم الجمعة بـ ﴿ الم ﴿ ١ ﴾ تَنْزِيلُ ﴾ السجدة في الركعة الأولى، و ﴿ هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ في الركعة الثانية[28].
كان ﷺ يطيل الركعة الأولى؛ قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضـي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ويدرك النبي ﷺ في الركعة الأولى؛ مما يطيلها»[29]. وعنه رضي الله عنه قال: «كنا نحزر قيام رسول الله ﷺ في الظهر والعصـر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة ﴿ الم ﴿ ١ ﴾ تَنْزِيلُ ﴾ السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر نصف ذلك، وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصـر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصـر على النصف من ذلك»[30]، وفي رواية: «ثلاثين آية» بدلًا من قوله: ﴿ الم ﴿ ١ ﴾ تَنْزِيلُ ﴾ . وكانوا يحزرون قراءته في الأولى والثانية قدر ثلاثين آية.
وكان يقرآ بـ ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ ، و ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ﴾ ، و ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ﴾ ونحوها[31]، وقرأ: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ ونحوها[32]، وكان أحيانًا يقرأ في الأخريين على النصف من الأوليين؛ قدر خمس عشـرة آية أحيانًا، وأحيانًا يقتصـر على قراءة الفاتحة [33] .
كان يطيل في الركعة الأولى من العصـر ما لا يطيل في الثانية، وكان يقرأ في كل منهما قدر خمس عشـرة آية، وكان يجعل الأخيرتين على النصف من ذلك، وقرأ فيهما بالسور التى قرأ بها في الظهر.
كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل[34]. وقرأ فيها بـ ﴿ وَالطُّورِ ﴾ [35]، وقرأ بـ«المرسلات»[36]؛ قرأ بها في آخر صلاة صلاها، وقرأ فيها بـ«الأعراف» فرقها في الركعتين[37]، وقرأ بـ «الأنفال» في الركعتين[38]، وقرأ بـ ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ [39].
كان يقرأ في الأوليين من وسط المفصل[40]، وقرأ بـ ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ، وأشباهها من السور[41]. وقرأ بـ ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ [42]، وقرأ في سفر بـ ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ [43]، وقال لمعاذ: «إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ، و ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ ، و ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ ، و ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ﴾ »[44].
كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي (الجمعة) و(المنافقون)[45]، وتارة يقرأ بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ و ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾ [46].
قرأ فيهما بـ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ في الأولى، و ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ في الثانية[47] وأحيانًا قرأ: ﴿ ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ ، و ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾ [48].