كتاب الظهار

الظهار مشتق من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي. وكانوا في الجاهلية يجعلون الظهار طلاقًا، فأبطل الإسلام هذا الحكم، وجعل حكمه مختلفًا؛ وهو منع الرجل من مجامعة زوجته حتى يُكَفِّر.
وقد أجمع العلماء على حرمته، فلا يجوز للرجل أن يُقْدِمَ على ذلك فيظاهر من زوجه؛ لأن الله سماه منكرًا من القول وزورًا؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ﴾ [المجادلة:2].
يصح الظهار من الزوج المسلم العاقل، لزوجته، فإن قاله لأجنبية لا يكون ظهارًا، حتى لو تزوجها بعد ذلك. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾ ، والأجنبية ليست زوجة، فلا يقع الظهار منه موقعه.
الأوصاف والألفاظ التي يقع بها الظهار:
(1) الظهار لا يكون طلاقًا حتى لو نوى به الطلاق. قال ابن القيم رحمه الله: (قال الشافعي: ولو ظاهر يريد طلاقًا كان ظهارًا، ولو طلق يريد ظهارًا كان طلاقًا. فلا يجوز أن ينسب إلى مذهبه خلاف هذا، ونص أحمد على أنه إذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، أعني به الطلاق؛ أنه ظهار، ولا تطلق به، وهذا الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فنسخ، فلم يجز أن يعاد إلى الحكم المنسوخ)[1].
(2) يصح الظهار من كل زوجة له؛ سواء دخل بها أو لم يدخل بها، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة، وسواء كانت يمكن وطؤها أو لا يمكن وطؤها.
(3) يصح الظهار من الحر والعبد على السواء، وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة؛ لأن الله لم يخص في الآية أحدًا دون أحد.
(4) إذا قال لزوجته: أنت مثل أمي، من باب التكريم: فهذا لغو لا شـيء، ولا يتعلق به حكم الظهار، وإن قصد به منعه الاستمتاع بها كما يمتنع من ذلك بأمه وأخته: فهو مظاهر.
(5) اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كبطن أمي، فالجمهور على أن ذلك ظهارٌ وهو الراجح، أما الظاهرية فلم يروه ظهارًا إلا بلفظ الظهر.
(6) وكذلك اختلفوا فيما إذا شبهها بمن تحرم عليه غير الأم؛ على التفصـيل الآتي:
أ- أن يشبهها بمن تحرم عليه من ذوي الرحم؛ كالأخت، والابنة، فأكثر العلماء على أنه ظهار، وذهب بعضهم إلى أن الظهار مختص بالأم؛ لنص الآية، وأجاب الأولون بأن الله قال في الآية: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ﴾ [المجادلة:2]، وهذا موجود في غير الأم، فدل على ثبوت الحكم في غيرها.
ب- أن يشبهها بظهر من تحرم عليه على التأبيد، سوى الأقارب؛ كالمحرمات من الرضاعة، والمحرمات بسبب المصاهرة، والحكم فيه كالحكم في المسألة السابقة.
جـ- أن يشبهها بمن تحرم عليه تحريمًا مؤقتًا -كأخت زوجته- فهذا لا يقع به ظهار على الراجح.
د- أن يشبهها بظهر رجل؛ فعن أحمد رحمه الله: لا يكون ظهارًا. قال في المغني: (ولم أره يلزمه فيه شـيء؛ وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع)[2].
إذا ظاهر الرجل من زوجته، ترتب على ذلك أثران:
الأول: حرمة وطء الزوجة حتى يُكفِّر؛
لقوله تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾ [المجادلة:2].
واختلفوا في غير الوطء؛ كالمعانقة والتقبيل؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أن المُحرَّم فقط هو الجماع، وأما مقدماته من معانقة وتقبيل ونحو ذلك، فيرون جوازه، وهذا هو الراجح وهو قول جمهور العلماء. وذهب آخرون إلى أن مقدمات الوطء أيضًا محرمة.
وفي ذلك أمور:
(أ) ما معنى «العود»؟
اختلف العلماء في معنى العود على أقوال:
فيري بعضهم أنها: (إرادة المسـيس)؛ يعني: إرادة الجماع لما حرم بالظهار سواء جامع أم لا؛ وهذا مذهب الحنفية، أي أنه يكفي في ذلك مجرد الإرادة للجماع ولو لم يجامع.
ويرى بعضهم أن العود معناه: (إمساك المرأة) أي: عدم طلاقها، وذلك أن يمسك المرأة بعد الظهار مدة من الزمن يسع أن يطلق فيها فلم يطلق، وهذا مذهب الشافعية.
وقال أحمد ومالك: هو (الوطء) أي: استحلال المرأة بوطئها -لكن يمنع من الوطء حتى يُكفِّر- وهذا ما رجحه ابن عثيمين رحمه الله[3].
وأما الظاهرية فقد ذهبوا إلى أن العود بالقول، فلا يرون الظهار في المرة الأولى حتى يعود فيظاهر منها مرة ثانية، وهو قول ضعيف لا يعرف عن أحد من السلف.
قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿ ٣ ﴾ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ۖ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ﴾ [المجادلة:3، 4]. وعلى هذا فالكفارة على هذا الترتيب: عتق رقبة، فإن لم يجد فصـيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
(1) روعي في الكفارة التشديد؛ مراعاة للعلاقة الزوجية وحفاظًا عليها، ومنعًا من ظلم المرأة بإيقاع الظهار عليها؛ قال تعالى: ﴿ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ﴾ .
(2) يحرم على الرجل أن يمس -يجامع- زوجته قبل التكفير بعتق الرقبة، أو قبل التكفير بالصـيام، وهذا لا خلاف فيه، لكنهم اختلفوا في جماعها قبل التكفير بالإطعام، وذلك لأن الآية لم تنص على ذكر ذلك في حال الإطعام. فتمسك بعضهم بظاهر النص، وأجاز جماعها إذا كان سـيكفر بالإطعام.
ورأى بعضهم أنه لم يُذكر اكتفاء بما ذكر في الحالتين الأوليين -العتق والصـيام- حتى لا يطول الكلام بإعادته، وهذا هو الراجح، والله أعلم.
(3) يحرم على الرجل أن يمس -يجامع- زوجته قبل الكفارة، فإن جامع فهو آثم، وعليه أن يتوب إلى الله، ولا تسقط الكفارة بذلك، بل يمتنع ويُكفِّر، ولا تتضاعف عليه الكفارة، بل تبقى كما هي كفارة واحدة.
(4) لو طلق زوجته أو مات قبل (العود)، فلا يلزمه شـيء في تركته؛ لأنه لم يتعلق بذمته شـيء، فالكفارة إنما تتعلق بذمته إذا (عاد) لما قال، وعلى هذا فلو عاد ثم مات قبل أن يُكفِّر، أُخرج من تركته كفارة ظهاره.
(5) لو كرر لفظ الظهار ولم يكن كفر عن الأول؛ لزمته كفارة واحدة، وأما إن كفر، ثم ظاهر ثانية؛ فتلزمه كفارة ثانية.
(6) أول هذه الكفارات: (عتق رقبة)؛ بأن يملكها أو يتمكن من شـرائها على وجه لا يضـر به بعد كفايته أو كفاية من يعولهم، ثم يعتقها.
(7) اختلف العلماء في (الرقبة)؛ هل يشترط أن تكون مؤمنة أو لا يشترط؟ وذلك لأن الآية لم تنص على ذلك، فمنهم من حمل المطلق على المقيد في كفارة القتل؛ حيث وصفت (الرقبة بالإيمان)[4]، ومنهم من التزم ظاهر النص، ولم يقيدها بالإيمان. والقول الأول هو قول جمهور العلماء، وهو الأبرأ للذمة، والله أعلم.
(8) إذا كان التكفير بالصوم، فإنه يشترط فيه التتابع شهرين كاملين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ ، فإن أفطر خلالها يومًا، أو صامه بنية النافلة مثلًا؛ انقطع التتابع، وعليه أن يستأنف الصوم من جديد.
(9) إذا تخلل الصـيامَ صـيامٌ واجب؛ كرمضان، أو فطر واجب؛ كفطر يوم العيد وأيام التشـريق: فإنه لا يقطع التتابع -أي يبني على ما صامه، يعني: يكمل صـيامه- بل عليه أن يكمل صـيامه، إلا أنه ينبغي ألا يتحايل ليقع صومه خلال هذه الأيام حتى يستريح، فلا يحل له ذلك. وعليه -لو تعمد ذلك- أن يستأنف الصـيام من جديد.
(10) لو أفطر ناسـيًا، أو مكرهًا، أو لعذر يبيح له الفطر: لم ينقطع التتابع.
(11) إذا كان التكفير بالإطعام، فإنه لا بد أن يراعي العدد؛ وذلك بأن يطعم ستين مسكينًا، كما ورد النص في الآية، فلو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا لم يجزئه في قول أكثر أهل العلم.
وأما عن كيفية إطعامهم؛ فإنه يكفي في ذلك إطعام مرة واحدة لكل مسكين من قوت البلد، سواء جمعهم فأطعمهم طعامًا مطهوًّا، أو ملكهم القوت.